في اجتماع لمجلس الوزراء، تناول مشروعي قانونين يتعلقان بالوقاية من الفساد وكيفية ممارسة الحق النقابي، وفق ما ذكرته الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية الجزائرية في بيانها، وجه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الأحد 02/01/2022، باستحداث هيئة جديدة للتحري في مظاهر الثراء لدى موظفي الدولة بلا استثناء من خلال إجراءات قانونية صارمة لمحاربة الفساد. وقد أصدر جملة من الأوامر والإجراءات الرامية إلى تكريس الشفافية ومكافحة الفساد، ومنها قرار إنشاء السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته التي تضمنها الدستور الجديد (المصادق عليه بعد التعديل في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020) في مادته 204، وإنشاء صندوق خاص بالأموال والأملاك المنهوبة المصادرة أو المسترجعة في إطار قضايا مكافحة الفساد، في تموز/يوليو 2021. 

للإشارة فقط، فإنّ من يعتقد أن مشروع آلية مكافحة الفساد في الجزائر هو وليد اللحظة، فاعتقاده خاطئ بامتياز... ولكن من يعتقد أن الآلية المتبعة سابقاً مع الشعارات المطروحة، لم تلق آذاناً صاغية وعيوناً ثاقبة من القائمين عليها، فأؤكد هنا أنّ اعتقادهم في مكانه... إذاً الآلية كانت موجودة ولها أجهزتها وعناصرها، لكن الذي حدث أنّ هذه الأجهزة كانت تصطاد بالماء العكر... بمعنى أنها كانت تنتظر وقوع الخطأ الإفسادي ليتسنى لها العقاب أو الابتزاز... وهنا نعتقد أنّ عمل هذه الأجهزة بالأساس كان يجب أن يكون وقائياً... بمعنى التدخل قبل وقوع الخطأ وتفاديه... والذي حصل أنّ بوصلتهم وجّهوها إلى أماكن أخرى وبالتالي إتاحة المجال لضعاف النفوس للعبث بممتلكات وأموال الشعب الجزائري. ثغرة أخرى في مكافحة الفساد، إذ كثيراً ما شكل السؤال الحكومي عن آليات مكافحة الفساد أو كيفية مكافحته هروباً نوعياً من تطبيق المكافحة، ويتم الانشغال بهذا الأمر وكأنّ البلد بلا منظومة لمكافحة الفساد؟! أليست القوانين الكثيرة والجهات الرقابية الكثيرة (هي أدوات مهمتها مكافحة الفساد)، بل وتكتمل هذه المنظومة بوجود "رقابة داخلية" يفترض أنّ مهمتها "الرقابة المسبقة" في كل مؤسسة وجهة عامة؟ للأسف فقد بقي أداء الجهات المكافحة للفساد دون مكاشفة للمواطنين، ولا يعرف المواطن الجزائري سوى مفارقة النتيجة التي تتمثل بوجود تلك الجهات المخصصة لمكافحة الفساد ومع ذلك فإنّ الفساد لم يتراجع؟! الفساد كالأخطبوط... أخطبوط مركب الأحجام والأشكال وهو يشبه الحرباء، فألوانه متغيرة... متبدلة... فمن الفساد الإداري إلى المالي فالتشريعي والرقابي و القضائي... كما أنه ظاهرة، تداخلاتها تؤثر في مجمل القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.‏ 

اليوم يبدو واضحاً أنّ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، يضع ملف الفساد في أولوياته، ويوجه   الحكومة الجزائرية أن تضع ملف الفساد في أولويات أجندتها وبرامجها من خلال تشكيل هيئة للتحري في مظاهر الثراء لدى موظفي الدولة بلا استثناء...، وفي نظرنا المتواضع، إنّ قرار تشكيل هذه الهيئة هي رسالة مباشرة لكل الفاسدين أنه مهما طال تمددهم وتكاثرهم سيُبطش بهم لا محالة، ويندرج فعل الإثراء غير المشروع ضمن خانة الحالات الاختيارية للتجريم، إذ جاء في المادة 20 من اتفاقية مدريد لمكافحة الفساد أنه تنظر كل دولة طرف، تماشيا مع دستورها والمبادئ الأساسية لنظامها القانوني في اعتماد ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم تعمد موظف عمومي إثراء غير مشروع، أي زيادة في موجوداته زيادة كبيرة لا يستطيع تعليلها بصورة معقولة قياسا مع دخله المشروع، وللإشارة وعلى سبيل المقارنة عمدت الكثير من الدول في إطار خططها لمكافحة الفساد إلى تجريم فعل الاثراء غير المشروع منها الجزائر ومصر والأردن ولبنان والسنغال ومالي والأرجنتين... وهي غالبا دول تعاني من معضلة المساس بالمال العام، وإن دولا ذات تشريعات عريقة كذلك انتصرت لتجريم الإثراء غير المشروع. 

لقد أدخل قرار استحداث هيئة للتحري في مظاهر الثراء لدى موظفي الدولة بلا استثناء، الفرح والسرور إلى قلوب المواطنين الجزائريين، لأنهم يعتبرون محاربة آفات الفساد (الفاسدون) مطلب أساسي، وأن التعامل الحكومي مع هذا المطلب بجدية سيحمي مقدرات الدولة من النهب والسرقة. والمؤكد اليوم أنّ الأولوية أعطيت لمكافحة الفساد بسبب الظروف الاقتصادية التي يعيشها المواطن الجزائري، ولأن جزءاً من هذا الخزان الذي هو الدولة كان مثقوباً ثقوباً كثيرة، فقد أكد الرئيس تبون،  

في هذا السياق على "ضرورة التركيز على العمل الوقائي لمحاربة الفساد، بدءا من تحديد شروط جديدة ودقيقة للإعلان عن الصفقات والمناقصات على الجرائد، واستحداث هيئة جديدة للتحري في مظاهر الثراء عند الموظفين من خلال إجراءات قانونية صارمة لمحاربة الفساد، عملا بمبدأ من أين لك هذا". هذا الوصف الدقيق والموضوعي، هو تأكيد على حتمية وجدية الدولة الجزائرية في مكافحة الفساد (طالما أنه موجود) في هذه الظروف وبغير ظروف، كون هذا الملف (المحسوم سلفاً) يعد جزءاً مهماً وأساسياً من تطوير الدولة وتعظيم وتعزيز مقدراتها التنموية والاقتصادية.

نعم الفساد شيء والتقصير شيء آخر، ولكن لكل منهما تداعياته السلبية على الحياة الجزائرية، وعليه فإن كليهما يستحق المساءلة والمحاسبة والمعالجة بالطريقة والأسلوب والآلية التي يمكن من خلالها إعادة الأمور إلى النصاب التي يجب أن تكون عليه، وهنا نؤكد ونقول بملء حناجرنا أنّ مكافحة واجتثاث واستئصال ووأد وسحق أخطبوط الفساد المرئي وبتر أذرعه الشيطانية، تحتاج أولاً وأخيراً (ولاشيء سواها) إلى اعتماد الأجهزة التنفيذية والتفتيشية والرقابة والقضائية على نظام جديد اسمه بصمة الجيب ـ لا بصمة الإبهام الأيسر ولا الصوت أو بصمة العين ـ للوقوف على حجم الأموال ـ بالنقدين الجزائري والأجنبي وصولاً إلى الحلي والمجوهرات والفلل والعمارات ـ التي دخلت خلسة إلى أرصدة الحيتان الذين كانوا قبل سنوات من الآن (وفقاً لثرواتهم) أسماك سردين ليس إلا، وهذا يحتاج إلى شراكة حكومية ـ مجتمعية لتحصيل أموال الدولة، بموجب أحكام قضائية لا لبس فيها ولا غموض، تعطي لكل ذي حق حقه، لا جعل هؤلاء أحجاراً على رقعة شطرنج لنقلهم من مربع إلى آخر جزاء ما اقترفته أيديهم، التي تفوت يومياً على الخزينة الجزائرية العشرات، إن لم نقل المئات من ملايين الدينار الجزائري.‏ وعليه فإن هزيمة الفساد في تقديرنا المتواضع، لابد لها من ثلاثة شروط: 

الأول: هو تقديم سيادة القانون على المسؤولية، أي أن تقوم كل جهات الدولة الجزائرية ومؤسساتها بتطبيق قوانينها وأنظمتها الداخلية وعدم اختراقها تحت أي ظرف إلا للمصلحة العامة، وضمن شروط محددة وواضحة، وأن يبدأ ذلك أولاً من المناصب الإدارية العليا نزولاً نحو أصغر موظف، فتطبيق القانون أو النظام التي تعمل عليه المؤسسة على علاته أفضل من أن يترك الأمر للقرارات الفردية .أما الشرط الثاني فهو تشديد العقوبات بحق الفاسدين (أشخاصاً كانوا أو مجموعات) بشقيها المالي والقانوني، ويكون ذلك بعقوبات صارمة خالية من الثغرات أو (الأعذار المخففة) وغيرها من الصيغ القانونية الاحتيالية .والشرط الثالث والذي لا يقل أهمية عن سابقيه هو العمل على إعادة النظر بسلسلة الأجور في الوظائف الحكومية والخاصة ولو بشكل تدريجي لتواكب الارتفاعات الجنونية للأسعار، وهذا الخيار في حال تداركه سينعكس إيجاباً على مكافحة الفساد الإداري والفساد الصفير وتحسين أداء الموظفين بشكل عام.

خلاصة الكلام: إن الرؤية التي طرحها الرئيس عبد المجيد تبون أمام الحكومة، والتي تقوم على عناوين رئيسية وإجراءات عاجلة، مستمدة من فهم ودراية عميقة لواقع الفساد الذي تعاني منه الدولة الجزائرية والمجتمع، والأهم من ذلك هو تركيزه على الوقاية المسبقة التي تبدأ من معالجة وتطوير البنى والقوانين، والأهم من ذلك كله هو اقتناع المسوؤل الحكومي أنّ دوره هو خدمة المواطن الجزائري. فهل يساهم تشكيل هيئة جديدة للتحري في مظاهر الثراء لدى موظفي الدولة بلا استثناء، في إيقاظ الشعور بالمسؤولية عند أصحاب الشأن لتنفيذ القوانين وتطبيقها، وعدم خرقها وتجاوزها تحت عناوين غير مسوغة وغير مقبولة، وتالياً تعزيز مفاهيم وقيم النزاهة والشفافية في المجتمع...؟ لقد وصف تشارلز كولتون الفساد بكرة الثلج، كلما تحركت كبر حجمها، في أي مجتمع، فهل سنسعى لتقليصها وإزالتها، أم ننتظر لتزيلنا من عـداد الدول المتحضرة؟

قال تعالى وهو أصدق القائلين: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ).


 كاتب صحفي من المغرب.