بمناسبة ذكرى رحيله الـ45، المصادفة للسابع عشر أغسطس، احتفت الاتحادية الجزائرية للثقافة والفنون بالشاعر مفدي زكريا. جاء الاحتفاء تحت عنوان "شغلنا الورى"، وبالتعاون مع مؤسسة مفدي زكرياء؛ أيام 16 17 18 الشهر الجاري بالجزائر العاصمة.

مفدي زكرياء (1908-1977)، شاعر جزائري من الرعيل الأول، وصاحب النشيد الوطني/القومي  «قسما». اشتهر بوصفه شاعر الثورة الجزائرية، وإذا شئنا الدقة فإن مفدي زكريا هو شاعر القومية الجزائرية بامتياز من حيث أنه، وبرفقة شعراء آخرين، عمل على تأمين أعمال شعرية ذات روح قومية أصبحت مرجعا شعريا بنفس أيديولوجي لدى الأجيال اللاحقة. وإذا كان مصالي الحاج هو أب الأمة الجزائرية سياسيا، فإن مفدي زكريا هو أبوها شعريا.

بدأ تعليمه الأول في الكتاتيب بمسقط رأسه، مدينة غرداية، فدرس القرآن ومبادئ اللسان العربي، ثم رحل إلى تونس حيث واصل تعليمه باللسانين العربي والفرنسي بمدرسة العطارين والمدرسة الخلدونية، ثم الزيتونة.

مدينته غرداية خرجت من رحم لحظة مفصلية في تاريخ الجزائر(منتصف القرن الثامن وبداية القرن العاشر)، إثر انهيار الدولة الرستمية التي نشأت في سياق التحولات الحضارية والجيوسياسية المترتبة عن التمدد العربي الإسلامي في صراعه مع الإمبراطوريا الرومانية من جهة، والصراع على الحكم بين المذاهب الإسلامية من جهة ثانية.

انضم مفدي زكريا إلى صفوف العمل السياسي والقومي في أوائل ثلاثينات القرن العشرين، فواكب الحركة القوميّة في المغرب العربي بشعره وبنضاله، فانخرط في صفوف الشبيبة الدستوريّة فترة دراسته بتونس، وشارك في مؤتمرات طلبة شمال أفريقيا المناهضة لسياسة الإدماج.

نشط بشكل فاعل في الحركة القومية الجزائرية، فكان عضوا بحزب نجم شمال أفريقيا، وعضوا مؤسسا لحزب الشعب الجزائري، ثم أمينا عاما له، وعضوا في حركة الانتصار للحريات الديمقراطية.تعرض للاعتقال والسجن على يد سلطة الاحتلال الفرنسي أكثر من مرة بسبب نشاطه السياسي، حيث اعتقل في أغسطس 1937 رفقة مصالي الحاج، ثم في مايو 1945 لمدة ثلاثة أعوام، ثم في فبراير 1946 لمدة ستة أشهر.

عندما اندلعت حرب التحرير عام 1954، كان عمره 46 عاما،والتحق بصفوف الثوار عام 1955، ولم يمض عام حتى تم اعتقاله حيث قضى بسجن سركاجي ثلاثة أعوام. تمكن من الفرار من السجن في 1 فبراير 1959 وتوجّه إلى المغرب ثم إلى تونس للعلاج من آثار المعاناة والتعذيب في السجن، واغتنم وجوده بتونس فساهم في تأسيس جريدة المجاهد.

مع الاستقلال، لم ينعم بالاستقرار في الجزائر المستقلة، وعاش متنقلا بين المغرب وتونس، إلى أن وافته المنية بتونس.

ارتبط شعر مفدي زكريا بالثورة حيث كتب عشرات القصائد الحماسية ناهض فيها الاحتلال ومجد فيها رموز الكفاح، قصائد مشحونة بالمشاعر القومية والدينية صدر بعضها في ديوان تحت عنوان "اللهب المقدس".

في غمار تشكل الحركة القومية الجزائرية، بدأ الحراك السلمي في الاضمحلال وحل محله العنف، مع 1947 ظهرت المنظمة الخاصة (OS) وهي منظمة جزائرية مسلحة انشقت عن حركة انتصار الحريات الديمقراطية (حزب الشعب سابقا). اشتد الصراع بين أعضاء حركة انتصار الحريات، وتمزق صفهم بين المركزيين.

بعد أن اندلعت حرب التحرير، دخلت جبهة التحرير في حرب ضد المصاليين، اعتمدت  "جبهة التحرير" نشيد "قسماً"، بينما كان "المصاليون" قد تبنوا نشيد "فداء الجزائر"، وكان النشيدان من تأليف مفدي زكرياء.

ومع أنه اختار العيش بالمنفى، فقد ظل مسكونا بجزائره المتخيلة، وقد جسد هذا "المتخيل الشعري" في قصيدة من ألف بيت تحت عنوان "إلياذة الجزائر". والإلياذة (ديوان شعري)، كانت الغاية منه تخليد التاريخ الجزائري شعرا. ومن منفاه المغربي، استعان، لإنجاز هذا العمل، بالمفكر مولود قاسم نايت بلقاسم الذي كان بالجزائر إضافة إلى عثمان الكعاك في تونس.

"إلياذة الجزائر"، ديوان شعري كبير بلغ ألف بيت وبيت، دوّن فيه مفدي زكريا قصة الجزائر منذ فجر التاريخ إلى ما بعد الاستقلال.ويروي نايت بلقاسم قصة ولادة "الإلياذة"، قائلا "طلبنا من المناضل الكبير، الشاعر الملهم، شاعر الكفاح الثوري السياسي، وشاعر الكفاح الثوري المسلح، الأستاذ مفدي زكريا، صاحب الأناشيد الوطنية/القومية (Nationalisme).. أن يضع لنا نشيدا جديدا يجمع هذه الأناشيد".

ويضيف "وقد تحمّس مفدي لفكرة نظْم هذه الإلياذة بمجرد أن تلقّى رسالتي في بدء 1972م، وعبّر عن استعداده المطلق لتنفيذها". لم يكن سهلا على مفدي زكريا أن يؤلّف "الإلياذة" بمفرده، بالنظر لما حوته من مخزون تاريخي كثيف جدّا ومعلومات غزيرة ضاربة في قعر التاريخ، فوجد نفسه بحاجة إلى مَددٍ معرفي من رجلين هما مولود قاسم نايت بلقاسم، والباحث التونسي في التاريخ عثمان الكعّاك.

وعن مساهمتهما في "الإلياذة"، كتب نايت بلقاسم "وتعاونا نحن الثلاثة: المرحوميْن مفدي زكريا وعثمان الكعاك وكاتب هذه السطور، في وضع المقاطع التاريخية، فكنا نتهاتف ليلا، وكانت البادرة في هذا الهتاف الليلي تعود غالبا إلى مفدي، الذي كان ينظم الإلياذة ليلا".

 وتتكون الإلياذة من ألف بيت وبيت تغنت بأمجاد الجزائر، حضارتها ومقاوماتها لمختلف المستعمرين المتتاليين عليها وكانت أول مرة يلقي الإلياذة أو البعض منها لأنها حينها لم تكن قد بلغت الألف بيت بل كانت تبلغ ستمائة وعشرة أبيات ألقاها في افتتاح الملتقى السادس للفكر الإسلامي في قاعة المؤتمرات من قصر الأمم أمام جمع غفير من بينهم الرئيس هواري بومدين، مناسبة أخرى اقترنت بإلقاء هذه الأبيات واختيار التاريخ موضوعا لها، وهي الاحتفال بالعيد العاشر لاسترجاع الحرية والذكرى الألفية لتأسيس مدينة الجزائر والمدية ومليانة على يد بلكين بن زيري.

لا تمثل الإلياذة نصا شعريا يمجد الذاكرة القومية الجزائرية فحسب، بل تمثل تصورا جنينيا للقومية المغاربية أيضا. غير أن الذات المنتجة لهذا التصور (الشاعر مفدي زكريا، المفكر بلقاسم نايت بلقاسم والمؤرخ التونسي عثمان الكعاك)، لم يكونوا يميزون بين القومية المدنية المؤسسة للدولة الحديثة والقومية الأيديولوجية التي تسببت في تعطيل بناء هذه الدولة، وهم معذورون على أي حال قياسا إلى الجهل الذي مازال مهيمنا على الوسط الأكاديمي المغاربي إلى اليوم.

بل سبق أن تحدث الشاعر في رسالته إلى الرئيس الراحل أحمد بن بلا بداية الستينات عن مشروعه (القوميّ الوحدويّ) الذي قال أنه قيد الطبع تحت عنوان: “تقويم المغرب العربيّ الكبير”.

تميز النص الشعري لدى زكريا بنفس ملحمي، وبخطاب معاد للغرب وممجد لكل ما هو عربي وأمازيغي وعثماني ومغاربي، كما تميز بمعجم قومي حاول الإحاطة بكل الرموز ذات الصلة بالقومية الجزائرية من منظوره.

ترى ما الذي جعل النخبة الجزائرية، الأدبية والسياسية، تنجذب إلى شعر مفدي زكريا أكثر من غيره؟ كما أسلفنا، أن الحركة القومية بشقيها، اختارت قصيدة من قصائد مفدي زكريا كنشيد قومي، فالمصاليون كان نشيدهم "نداء الجزائر" بينما جبهة التحرير اختارت "قسما"، لكن الغريب في الأمر، هو أن هواري بومدين الذي كان على خلاف مع مفدي زكريا، أراد، عام 1968،  تغيير نشيد السلام الجزائري "قسما" بنشيد آخر، فأعلن عن مسابقة شعرية. شارك مفدي زكريا في هذه المسابقة باسم مستعار،  وفازت قصيدته، وحين عرف بومدين أنها قصيدة مفدي زكريا، تراجع عن قرار تغيير "قسما" بنشيد آخر. فحتى حين قررت أعلى هيئة في الدولة التخلي عن شعر مفدي زكريا لأسباب تتعلق بالولاء، وجدت نفسها تختار قصيدته، وكأن مفدي زكريا كان قدره أن يعبر عن روح هذه الأمة، وأن النخبة السياسية، حتى في حالة معاداتها له تنجذب إلى شعره.

لقد مدح مفدي زكريا إنجازات الرئيس التونسي بورقيبة والملك المغربي الحسن الثاني، لكنه رفض أن يمدح إنجازات هواري بومدين.