في 5 يناير المقبل تحل الذكرى الثلاثة وثلاثين لنهاية العملية موسى العملية السرية لتهريب آلاف اليهود الإثيوبيين  المعروفين باسم "فالاشا"  خارج السودان عبر بروكسل ثم إلى إسرائيل باستخدام شركة طيران بلجيكية تدعى الخطوط الجوية الأوروبية العابرة –TEA-  هكذا استهل الصحفي والسياسي الليبي مصطفى الفيتوري مقاله الأسبوعي لصالح موقع ميدل إيست مونيتور المختص بالتحليلات السياسية.  

وقال الفيتوري إن العدد الفعلي لليهود المعنيين غير معروف وتختلف التقديرات من ستة إلى ثمانية آلاف، وقد تم التخطيط للجسر الجوي وتنفيذه من قبل وكالة المخابرات الإسرائيلية الموساد -سيئة السمعة لإغتيال شخصيات فلسطينية بارزة- لا سيما في أوروبا.

وأضاف الفيتوري أنه في عام 1984 كانت إثيوبيا في خضم الحرب الأهلية التي أودت بحياة عشرات الآلاف من  واستمرت –بين صعود وهبوط – حتى  السنوات الأولى من هذا القرن، وبين عامي 1983 و 1985 عانت المنطقة الشمالية من إثيوبيا من مجاعة مدمرة مما أسفر عن مقتل ما يقرب من نصف مليون شخص. وفر مئات الآلاف إلى السودان  ودول مجاورة أخرى بحثًا عن الطعام والأمن.

وتلقى المنسق الأمريك لشئون اللاجئين ريتشارد كريجر  تقارير أولية عن وضع الإثيوبيين في مخيمات اللاجئين في السودان  بما في ذلك اليهود الإثيوبيين –الفلاشا-. ومن الواضح أنه جاء بفكرة تهريب الفلاشا من السودان جواً عبر أوروبا ثم إلى إسرائيل. وكدولة ذات أغلبية مسلمة  كان السودان في ذلك الوقت عدوا لإسرائيل -كما هو حال معظم الدول العربية- لم تكن له علاقات دبلوماسية أو تجارية مع الدولة الصهيونية.

والتقى كريجر مع عملاء الموساد في أوروبا وبحلول عام 1984 تمت الموافقى على العملية موسى من قبل السلطات الإسرائيلية.و تعتمد الصهيونية ودولة إسرائيل على هجرة اليهود إلى الدولة من أجل ملء فلسطين المحتلة. واليوم إسرائيل هي موطن لأكثر من 40 في المائة من اليهود في العالم. 

وأطلق عليها في البداية عملية شبل أسد يهوذا قبل أن يتم تغييرها من قبل النداء اليهودي الموحد إلى عملية موسى ، وبدأت العملية بتهريب بضع مئات من الفلاشا باستخدام الأسطول الإسرائيلي في البحر الأحمر. وأستأجر عملاء الموساد - الذين يتظاهرون بأنهم رواد أعمال من سويسرا ودول أوروبية أخرى- منتجعًا فاخرًا مهجورًا لقضاء العطلات في قرية تدعى عروس على ساحل السودان الأحمر مقابل أقل من 500 ألف دولار سنويًا. وتم بناء المنتجع من قبل هيئة السياحة السودانية ولكنه افتقر إلى الطرق والبنى التحتية الأساسية الأخرى. وقام العملاء الإسرائيليون  الذين يعملون تحت ستار شركة سياحية مزيفة بتجديد المنتجع وربط المياه والطاقة والطرق. وتم تشغيل المنتجع بالكامل من قبل وكلاء إسرائيليين باستثناء مكتب الاستقبال الذي كان يديره السكان المحليون.

وأصبح المنتجع في عروس يتمتع بشعبية كبيرة لدى السياح من أوروبا بالإضافة إلى الدبلوماسيين المقيمين في الخرطوم. لم يكن أحد يعلم أن الموساد كان يدير المشروع ولا يهمه غرضه النهائي. وفي غضون عامين فقط أصبح مكانًا للعطلات ذاتية التمويل يوفر أنشطة غوص ورياضة ركوب الأمواج والرياح وغيرها من الرياضات.

كلما كان ذلك ممكنا جلب عملاء الموساد شاحنات مليئة بالفاشا الذين كانوا قد تم تهريبهم بالفعل من مخيمات اللاجئين على بعد أميال إلى مكان غير بعيد عن عروس وقاموا بتحميلهم على قوارب في انتظار نقلهم إلى السفن الإسرائيلية في عرض البحر. وفي وقت لاحق قام العملاء ببناء مهابط طائرات لطائرات النقل ليست بعيدة عن عروس نفسها.

وبحلول عام 1985 بدأت عملية جسر موسى الجوي من مطار الخرطوم بعد أن أقنعت الضغوط والرشاشات الأمريكية والإسرائيلية الرئيس السوداني السابق جعفر نميري بالتعاون الذي وافق و طلب المال والسرية التامة. لقد احتاج إلى مساعدة مالية وعسكرية لخوض حربه ضد الانفصاليين في حرب أهلية أدت في النهاية إلى إنشاء جنوب السودان كدولة مستقلة في عام 2011،  وتتضمن ذلك دعمًا عسكريًا وماليًا وسياسيًا ضخمًا من الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى. . يقال إن نميري حصل على مكافأة مالية شخصية من عملية موسى.

وفي وقت مبكر من عام 1985 تم تسريب الخبر إلى الصحافة وتوقف نيميرى على الفور عن الرحلات الجوية. في أبريل من ذلك العام تم إسقاطه من السلطة. ونائب الرئيس الأمريكي -قبل أن يصبح رئيسا- جورج بوش الراحل سيواصل التدخل وإجلاء حوالي 492 من اليهود الإثيوبيين الذين تركوا وراءهم من عملية موسى من خلال أخذهم على متن طائرة تابعة لسلاح الجو الأمريكي مباشرة إلى إسرائيل.

وكانت العملية أول تهريب واسع النطاق لليهود خارج بلادهم للذهاب إلى إسرائيل منذ إنشاء الدولة في فلسطين المحتلة عام 1948. عند وصولهم إلى مطار بن جوريون  أصبحوا مواطنين إسرائيليين على الفور على الرغم من حقيقة أن لا لم يسبق لهم ولا أسلافهم أن تطأوا أرض فلسطين من قبل. ووفقاً للقانون الدولي  فإن مثل هذه التهريب من قبل قوة احتلال - إسرائيل في هذه الحالة- كانت ولا تزال غير قانونية ، لأن مثل هذه الدول ممنوعة من نقل مواطنيها إلى الأراضي المحتلة من أجل تغيير ديموغرافياتها. وينطبق هذا المبدأ القانوني على مئات المستعمرات الإسرائيلية  -التي يطلق عليها اسم المستوطنات على نحو ملطف- عبر الضفة الغربية المحتلة مما يجعل أي دولة فلسطينية مستقبلية شبه مستحيلة التنفيذ حتى لو تحقق السلام.

وعلاوة على ذلك  فإن تشريد الناس من هذه الأراضي المحتلة بأي وسيلة كانت ليس غير قانوني فحسب ، بل جريمة ضد الإنسانية يمكن مقاضاتها في المحكمة الجنائية الدولية. ومع ذلك  ومع ضمان الحماية الأمريكية منذ إنشائها عام 1948 لم تُحاسب إسرائيل أبداً عن جرائمها.

وكدولة صهيونية فأن إسرائيل مبنية على أمرين: الدعم المالي والعسكري من الولايات المتحدة التي تحافظ على هيمنتها على كل جيرانها العرب. واستعمار أكبر قدر ممكن من فلسطين التاريخية في أسرع وقت ممكن  مع ملء الأرض بالمهاجرين اليهود من دول أخرى على حساب الفلسطينيين الأصليين  الذين ما زالوا يتم تطهيرهم عرقياً على أساس يومي. هوذه السياسة فريدة بالنسبة لإسرائيل منذ أن انتهت الموجة المباشرة من الاستعمار الغربي في القرن العشرين.

وأعطى قانون العودة الإسرائيلي لعام 1950 "كل يهودي ... الحق في القدوم إلى إسرائيل كدولة مهجر". وللمحافظة على هذه الهجرة لم تعلن إسرائيل أبداً عن حدودها وتستمر في الاستيلاء على المزيد من الأراضي إما من فلسطينيون أو دول مجاورة كما فعلت عندما احتلت هضبة الجولان السورية  التي ضمتها عام 1981. وللاجئين الفلسطينيين حق مشروع في العودة إلى الأرض التي طردتهم منها إسرائيل، لكن هذا الحق لم يعترف به أبداً من قبل إسرائيل.

في مواجهة مشكلة سكانية - يميل عدد أكبر من اليهود إلى مغادرة إسرائيل بدلاً من الهجرة إلى هناك - تواصل إسرائيل محاولة تشجيع اليهود على جعل "عليا"  -لمة عبرية تشير للهجرة اليهودية أرض الميعاد- والذهاب إلى "الدولة اليهودية" المصممة ذاتياً. في هذه الأثناء  يستمر السكان الفلسطينيون الأصليون في التمتع بمعدل ولادة أعلى من اليهود الإسرائيليين، وقد وصف مسئولين إسرائيليين هذا الأم بأنه "قنبلة زمنية" ديموغرافية.

واليوم عروس هي مرة أخرى منتجع عطلة في بورتسودان على ساحل البحر الأحمر المدرجة من قبل بعض المواقع السياحية مثل "تريب ادفايزر" غير أن تاريخها كجزء أساسي من تهريب اليهود الإثيوبيين إلى إسرائيل ليس معروفًا على الإطلاق.


* "بوابة إفريقيا الإخبارية" غير مسؤولة عن محتوى المواد والتقارير المترجمة