لم يكن عبد الله باها القيادي البارز في حزب العدالة والتنمية المغربي، ووزير الدولة في حكومة بنكيران، يعرف بينما يخرج من منزله يوم أول أمس الأحد، متوجهاً إلى موعد مؤجل منذ شهر لزيارة مكان غرق القيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي أحمد الزايدي، أنه يتجه إلى حتفه تحت عجلات "القطار السريع".

بحسب مصادر مقربة من عائلته، فإن "المرحوم باها خرج في حوالى الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر (توقيت جرينيتش) من منزله بعد أن أخبر زوجته أنه سيتجه لرؤية "المكان اللغز" الذي أودى بحياة الزايدي، ابن نفس المدينة ورئيس بلديتها.

عندما وصل الراحل عبد الله باها إلى قنطرة واد الشراط الموجودة بمدينة بوزنيقة (بين مدينتي الرباط والدار البيضاء) أوقف سيارته على الطريق، حسب ما صرح به بعض زملائه في الحزب، وهمَّ بقطع سكة القطار مترجلاً، وقبل أن يصل الرجل إلى القنطرة التي تطل على الوادي الذي ابتلع الزايدي وسيارته قبل شهر، تفاجأ بالقطار السريع يتجه نحوه ليقسم جسده إلى نصفين ويرميه جثة هامدة"، وهو ما يتطابق مع بلاغ الوكيل العام للملك في الدار البيضاء، حسن مطار، الذي صرح بأن الفقيد كان يهمّ بعبور السكة الحديدية، حينما نبّهه سائق القطار بإطلاق الإشارات الضوئية والصوتية، فهمَّ بالتراجع للوراء، لكن القطار أدركه وشطره إلى نصفين.

أوّل من عثر على جثة عبد الله باها كان مواطناً همَّ بدوره لعبور (القنطرة القاتلة)، فشاهد الجثة، وأبلغ رجال الدرك الملكي، بحسب دركي وصل إلى مكان الحادث أولاً مصحوباً بقائد السلطة المحلية للمنطقة.

يقول الدركي حسب "العربي الجديد" لم يكن "يتبادر إلى ذهننا أننا سنجد وزير الدولة هو من دهسه القطار، فتشنا في أوراق الرجل التعريفية وبعد أن وجدنا بطاقة حزب العدالة والتنمية ورخصة سياقته تأكدنا أنها جثة عبد الله باها وزير الدولة في "حكومة بن كيران"، كان ذلك حوالي الساعة السادسة والنصف مساءً"، يضيف الرجل الدركي، لكن "ساعة وفاته كانت قبل ذلك بحوالي خمس وعشرين دقيقة".

على الرغم من تكرار سيناريو الوفاة بنفس التفاصيل، من قبل عائلة وأقارب وأصدقاء الراحل "باها"، إلا أن علامات استفهام كثيرة وضعها البعض على وفاة الرجل الذي لفظ أنفاسه على بعد خمسة أمتار عن مكان غرق القيادي أحمد الزايدي.

المسألة تُفسَّر بحسب أبناء المنطقة بوجود "أرواح شريرة في القنطرة التي قتلت العديد من الناس"، هكذا كان يتحدث أول أمس الأحد، مجموعة من الشباب إلى وزير التجهيز والنقل عبد العزيز الرباح، في حين أن أغلب المعلقين على الحادث يتساءلون عن مصادفة الوفاة التي لا تصدق حتى في "الروايات العجائبية"، وكيف أن يأتي وزير الدولة مترجلاً إلى مكان وفاة البرلماني أحمد الزايدي، بعد شهر من غرق هذا الأخير؟

لم يتمالك إخوان الراحل "باها في الحزب والحكومة أنفسهم وهم يصلون إلى مكان "الجثة"، حيث بدا وزير العدل والحريات المغربي مصطفى الرميد، أول الواصلين إلى مكان الحادث في مشهد مؤثر جداً وهو يدخل في حالة بكاء شديد، بينما يتفقد أشلاء "عبد الله باها". ذات الحالة ظهر عليها وزير التجهيز والنقل عبد العزيز الرباح، الذي كان يحادث مجموعة من أبناء المنطقة، وهو في حالة صدمة.

ما إن انتشر خبر وفاة باها حتى طوقت عناصر الأمن والدرك كل المنطقة، مانعين الصحافيين أو المواطنين من الوصول إلى مكان جثة وزير الدولة، بأمر مباشر من الجنرال حسني بن سليمان القائد العام للدرك الملكي الذي جاء لتفقد جثة الراحل قبل نقلها، مصحوباً بالمدير العام للأمن الوطني الشرقي الضريس، ووزير الداخلية محمد حصاد، ومدير السكك الحديدية محمد ربيع الخليع.

ما إن تم نقل جميع أشلاء الراحل "باها"، من قبل الشرطة العلمية (فرقة البحث الجنائي)، ونقله إلى الإسعاف التي نقلت رفاته إلى مستشفى بالرباط، حتى بدأ الحاضرون "يكبرون باسم الله" في نعي من أرض الحادث لوزير الدولة، الذي صدمت طريقة وفاته الأوساط السياسية والإعلامية المغربية.

وفقاً لـ"العربي الجديد"، فإن رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران دخل في حالة صدمة بمجرد سماعه للخبر، "الذي نزل كالصاعقة عليه"، و"لم يستوعب رئيس الحكومة خبر وفاة كاتم أسراره ومساعده الأيمن، والذي كانت تربطه به علاقة شخصية"، بحيث بقي "بنكيران" مشدوهاً أمام شخصيات سياسية وحكومية وحزبية جاءت لتقديم واجب العزاء في الفقيد. وظل بنكيران يردد طيلة استقباله للمعزين عبارة: "حسبي الله ونعم الوكيل".

الطريقة المؤلمة التي انتقلت بها روح عبد الله باها إلى بارئها، عجلت بوزير الداخلية في أن يقدم تصريحاً صحفياً، في بلاغ عاجل، أن "وزير الدولة عبد الله باها قد دهسه قطار بالفعل على مستوى بوزنيقَة، ما أفضى إلى مفارقته للحياة"، مضيفاً أن "مصالح الدرك الملكي قد فتحت، على الفور، تحقيقاً للكشف عن ملابسات الحادث بكلّ دقّـة، وأن نتائج التحقيق سيتم الكشف عنها فور استكمال عمل المحققين، الذين تشرف على أدائهم النيابة العامّة المختصّة"، وفي نفس السياق صرح عبد الصمد حيكر، الكاتب الجهوي لحزب العدالة والتنمية، أن "أغلب الإخوان في الحزب يعتبرون أن ما وقع للمرحوم عبد الله باها هو حادث قطار حصل له، وهو يتوجه إلى تفقد مكان وفاة أحمد الزايدي"، مضيفاً أن أغلب الإخوان مصدومون لرحيل هذا الرجل الحكيم".

من المقرر أن يُدفن الراحل عبد الله باها، اليوم الثلاثاء، في مقبرة الشهداء بالرباط بعد صلاة الظهر.

و"باها" أو حكيم الحركة الإسلامية كما ينادونه في حركة التوحيد والإصلاح، ينحدر من عائلة سوسية، ولد عام 1954 بمنطقة أفران (الأطلس الصغير) بإقليم كلميم، وتابع دراسته الابتدائية بمجموعة مدارس أفران بمسقط رأسه، وحصل على شهادة البكالوريا في العلوم الرياضية سنة 1975 بثانوية يوسف بن تاشفين بأكادير، وبعد ذلك تابع تكوينه العالي بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، وحصل على دبلوم مهندس تطبيق في التكنولوجيا الغذائية سنة 1979، كما شغل منصب مهندس باحث بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالرباط (1979)، وكاتباً عاماً لصندوق الأعمال الاجتماعية للبحث الزراعي، وكان عضواً في مكتب جمعية مهندسي البحث الزراعي (1987)، كما اشتغل أستاذاً بالمعهد ذاته منذ تخرجه إلى غاية سنة 2002".

أما بالنسبة لمساره السياسي، فقد تقلد الراحل عبد الله باها في مساره السياسي منصب عضو الأمانة العامة لحزب
الحركة الدستورية الديمقراطية منذ 1996، وشغل منذ سنة 2004 منصب نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إلى أن توفاه الله يوم الأحد، ذلك إلى جانب تمثيله للحزب في العديد من دورات البرلمان المغربي، إلى أن يحصل على منصب وزير دولة في حكومة عبد الإله بن كيران الإسلامية".