تتردد جملة "ما بعد كورونا ومتحوراتها" اليوم كثيرا على ألسنة الناس، إلى درجة تشعرك، كأن هناك انتفاضة قادمة سوف تزلزل كل القناعات، وتربك كل الخطط والبرامج، وتزيل من على فوق الأرض كل العقول التي عشش فوقها الجهل والتخلف، وخيمت على مساحات التطور والنمو، فهناك ''اقتصاد لما بعد كورونا ومتحوراتها'' وغيرها الكثير مما نسمعه هذه الأيام. وعن هذا السؤال يصعب أن نجد إجابة قاطعة وشافية، لأن الأمر يتعلق بالمستقبل، وما يزيد من صعوبة تصور الوضع العالمي والعربي والمغاربي ما بعد كورونا ومتحوراتها، هو أن هذه الأزمة مركبة وذات أبعاد متعددة، سياسية واقتصادية وصحية وفكرية وأخلاقية... 


جائحة كورونا ومتحوراتها، لم تؤثر على الوضع الصحِّي والاجتماعي للإنسان حول العالم العربي فحسب، لكن كان لها تأثير كبير على الاقتصاد العالمي، حيث أكَّد خبراء الاقتصاد حول العالم أن تداعيات كورونا الاقتصاديَّة هي الأكبر منذ الكساد العظيم في ثلاثينيَّات القرن العشرين، حيث قدَّر النَّائب الأوَّل لمدير عام صندوق النَّقد الدولي، جيفري أوكاموتو، خسائر الناتج الإجمالي العالمي جرَّاء جائحة كورونا بنحو 22 تريليون دولار، بما يعادل 2.8 في المائة من قيمة الناتج العالمي، كما أدَّت الجائحة إلى إلغاء 225 مليون وظيفة دائمة، وفقًا للتقرير الصادر عن منظمة العمل الدوليَّة التابعة للأُمم المتَّحدة، هذه الأرقام تعبِّر عن مدى حجم المعضلة التي يمرُّ بها الاقتصاد العالمي، فبعض الإصلاحات الداعمة للنُّمو تمَّ تأجيلها، إن لم يكن قد تمَّ التراجع عنها، والاقتصادات أُصيبت ببعض الندوب الغائرة، حيث وُجِّهَت الطاقات الاقتصاديَّة للإنفاق على عمليَّات التطعيم وخطط التعافي، حتى يتسنَّى لتلك الاقتصادات توفير التدابير الداعمة للنُّمو من أجل تعويض الخسائر، فبحسب الاقتصاديين، لولا الإجراءات التي اتَّخذها صنَّاع السياسات لوصل الركود الذي وقع في العام الماضي إلى ثلاثة أضعاف المستوى الذي بلغه بالفعل. والسؤال الذي يهمنا نحن العرب: 


هل ستتغير الأجندات الوطنية والإستراتيجيات العربية بعد تجاوز تبعات فيروس كورونا ومتحوراتها؟ 


سؤال مطروح ويمتلك الطرح شرعيته، من خلال ما شكله هذا الفيروس ومتحوراته من صدمة قوية على المستوى العربي... فالأزمة الكورونية على صعيد العالم العربي، متلاصقة مع الواقع العربي المتخلف والمتشظي إلى درجة مأساوية، الأمر الذي جعلها تأخذ بعدا آخر على الصعيد السياسي العربي المشتبك مع ذاته، لتصبح أزمة الفيروس ومتحوراته الذي لا يعرف هوية أو عقيدة، ميداناً لتراشق الاتهامات والجدل العبثي الساذج، والمتصفح للواقع العربي يكتشف حجم المأساة التي يعاني منها العرب على خلفية الأزمة الكورونية الكارثية، مما يؤكد هشاشة وهزال التعاطي السياسي العربي مع وباء ينتشر بسرعة دون تمييز بين حاضن عربي وحاضن غير عربي، ودون أن  يقف عند حدود آمنة لأي دولة عربية، ولا حتى عند حدود الوطن العربي وغيره من الحدود الأخرى، لأنه لا يتطلب في تنقله تأشيرة سفر، ولا استمزاجا أمنيا لدخوله. 


ومن باب الاستشراف، فالعالم العربي يستشرف أمالا كبرى مع كل محطة كونية كجائحة كورونا ومتحوراتها، وهذا الاستشراف هو الذي يكبر في مخيلتها حلم التغيير، وحلم التبدل من حال إلى حال، ولذلك فجملة "ما بعد كورونا ومتحوراتها" لم تأت من فراغ الذاكرة، وإنما تأتي من حمولة معاناة تعيشها الذاكرة الجمعية طوال مسيرتها الحياتية، التي لم تستفق فيها في يوم من الأيام على محطة تتيح لها فرصة الحلم بأن يوما قادم سيغير من مجرى التأريخ الإنساني المحمل بالمآسي، ويفضي على الإنسانية أمنا ورخاء. وإذا كانت هناك دروس مستفادة يجب أن نستخلصها من أزمة كورونا ومتحوراتها الكاشفة، فهي أولاً وقبل كلّ شيء دروس يجب أن تعيد الاعتبار لكرامة الإنسان وللمنظومات القيمية والأخلاقية التي تعزّز سيادة الدول وكرامتها، وأن تنتزع القدسيّة عن الإعلام الغربيّ الذي ينشر الأوهام عن النظم الليبرالية الغربية، والتي برهنت خلال هذه المحنة أنها لا تُتقن إلّا فنّ صناعة الثروات، وأنّ البشر والذين هم خلائف الله على الأرض يقعون في أدنى سلّم اهتماماتها. 


والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الخضم هو: إلى أي مدى ستبقى دول العالم العربي متكاتفة وهي تخوض المعارك السياسية والعلمية وعلى كافة الجبهات في مواجهة هذا الفيروس ومتحوراته المدمرة؟ وهل سيبقى مثل هذا التكاتف قائماً في المستقبل؟ ليكون الجواب لا، لأن الشكوك ستبقى هي المتحكمة وليست الثقة، إنها الطبيعة البشرية القلقة المتجهة نحو التطور، والتي تقرع باستمرار أبواب العالم مستمدة زخمها من الفيروس المستجد نفسه مهما كانت نوعية هذا الفيروس، للانتقال بالنظام السياسي العربي والعالمي من حالة موبوءة إلى حالة سليمة، و كيف  يكون هذا الانتقال إلا من خلال القلق الحضاري وما رأته البشرية من خلال تفشي وباء كورونا ومتحوراته، الذي ترك انطباعاً سياسياً مضمونه ضرورة تفكك النظام الدولي القائم بسبب فشله في معالجة ما يجري من خروقات قد تؤدي إلى تدمير الحياة على سطح هذا الكوكب. 


إن العالم العربي ما بعد كورونا ومتحوراتها يستدعي بشكل ضروري تغييراً في سياسات الدول وأجنداتها الوطنية وطبيعة العلاقات الدولية، وإن كان بشكل تدريجي وليس دراماتيكياً، والعالم العربي  يحتاج إلى استراتيجيات جديدة تتماشى مع هذه التقلبات الحالية والآنية لرفع مستوى الاقتصادات الأكثر تضررا، وعلى العالم العربي أن ينسى كورونا ومتحوراتها لكي يبدأ في إدارة بوصلة المستقبل والبحث عن أفضل الحلول، وذلك بالتركيز على قضايا الصحة العامة، والتعليم ومحاربة الفقر، ورفع مستويات الوعي، ووضع الإنسان في المقام الأول، والاهتمام بقضايا البيئة، والتربية الأركيولوجية، وهذا يجعل من كل دولة عربية مسؤولة عن مواجهة الجائحة ومتحوراتها ليس على مستواها فقط، وإنما على مستوى العالم العربي بمجمله، وهل نبالغ إذا قلنا إن هذه المسؤولية تمتد لتشمل حق التبليغ عن حقائق الأزمة الوبائية وتطوراتها، إلى أن يتم القضاء عليها نهائياً. ومن ثم أليس من الأفضل للعرب أن يكونوا متوحدين متضامنين في مواجهتها ليكون  القضاء عليها قضاء مبرماً كونها تهدد سلامتهم ووجودهم كما بالنسبة للشعوب الأخرى؟.