وفق أتفاقية تسوية المطالبات بين الولايات المتحدة الأمريكية وليبيا الموقعة في أغسطس من عام 2008 فأن كل المطالبات المالية والقضائية التي تمس الدولة الليبية من اي طرف أمريكي او الدولة الأمريكية من اي طرف ليبي تعتبر لاغية وهذا ينطبق على كل المطالبات المتصلة بالعنف او الإرهاب التي وقعت قبل تاريخ 30 يونيو 2006. هذا يعني أن تلك الأتفاقية حصّنت الدولتين من اي مطالبات في هذا الشأن قد تنشأ في المستقبل ولأي سبب طالما كانت متعلقة بأحداث قبل عام 2006 ولكن الإتفاقية لم تمنع اي ملاحقة أخرى ذات طابع جنائي تمس مواطنيين من البلدين متعلقة بأحداث وقعت بعد تاريخ يونيو 2006.
ما معنى هذا الكلام وما علاقته باستئناف أسرة المواطن عبدالباسط المقرحي المنظور حاليا أمام قضاة المحكمة العليا في أسكتلندا والمتوقع البث فيه في اي لحظة الان؟
الإتفاقية المشار اليها لا علاقة لها بالإستئناف لأنها بين ليبيا وأمريكا ولا أسكتلندا ولا بريطانيا طرفا فيها وبالتالي هي لا تمس الإستئناف الا نتيجة تداعيات قد تنشأ نتيجة المستجدات في قضية لوكربي كقضية جنائية وليس  لهذا علاقة بالإستنئناف المشار اليه.
تفاصيل لوكربي كقضية مرت عليها 32 عاما هذا العام تكاد تكون معروفة للجميع وملخصها أن طائرة تابعة لشركة الطيران الأمريكية بان.ام أنفجرت فوق بلدة لوكربي في أسكتلندا وقتلت 270 أنسان منهم 11 من سكان البلدة الصغيرة. وفي 14 نوفمبر عام 1991 ظهر السيد ويليم بار، كقائم بأعمال المدعي العام الأمريكي (وزير العدل) في مؤتمر صحفي متهما ليبيين أثنين بتنفيذ الجريمة وهما الأمين خليفة أفحيمه وعبدالباسط على المقرحي. حوكم الإثنان في محكمة أسكتلندية خاصة في هولندا وتمت تبرئة الأمين أفحيمه وادانت عبدالباسط المقرحي وحكم بالسجن لمدة 27 عاما. وما تلى ذلك تفاصيل تاريخية.
لماذا أعلن ويليم بار اتهام جديد بعد 32 سنة على الكارثة الجوية؟
وراء هذا الأعلان أسباب خاصة تتعلق بالرجل نفسه وأسباب سياسية تتعلق بالصراع الداخلي الأمريكي المحتدم بين الجمهوريين والديمقراطيين خاصة بعد أن رفض الرئيس الحالي،دونلد ترمب، الأعتراف بهزيمته في الإنتخابات الرئاسية في نوفمبر الماضي. ويليم بار كما أسلفنا كان المدعي العام عام 1991 وهو الذي أعلن أتهام ليبيا ومواطنيها وفي أعلانه ذلك تعهد للأمريكيين بأنه "لن يهدأ" له بال حتى يلاحق كل من له علاقة بتفجير لوكربي وكنوع من البر بوعده خرج يوم 21 ديسمبر 2020 وأعلن عن اتهام مواطن ليبي أخر بأنه هو من صنع القنبلة التي أسقطت الطائرة المنكوبة منذ 32 سنة.
ووفق الأدعاء الأمريكي الجديد فقد تحصل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي اف.بي.أي على نسخة من أعتراف ادلى به المتهم الجديد أثناء التحقيق معه في سجن الهضبة في طرابلس حيث هو معتقل وملخص الأعتراف أن المدعو، أبوعجيلة مسعود، قد أكد للمحققين، في التحقيق معه عام 2012 في سجن الهضبة حيث كان معتقلا يومها،أنه هو من صنع عدد من القنابل للتفجير في السيارات ضد المتمردين في احداث عام 2011 وقد سبق له أن صنع تلك القنابل منها التي أسقطت الطائرة في تفجير لوكربي.
وفي وقت لاحق تسربت معلومات على نطاق ضيق تفيد أن السلطات الجنائية الأمريكية تمكنت بمساعدة السلطات الليبية في وقت ما من عام 2016 من التحقيق مع ضابط التحقيق الليبي الذي حقق مع مسعود وان هذا الضابط أكد للأمريكين أعتراف مسعود المزعوم بل أن الضابط المعني قال للأمريكيين أنه مستعد للشهادة ضد مسعود فيما لو خضع لمحاكمة في ليبيا أو خارجها.
طبعا لو صح اي من هذا فان مجرد الأشارة الي تحقيق مع سجين في سجن الهضبة يدفع بأي محكمة محترمة أن تلغيه ولا تقبله كسند ضد المتهم لأن السجن المعني كان تحت ادارة أحد رموز الإرهاب في ليبيا حتى العام 2015 وبالتالي اي قول يصدر عن اي سجين فيه يعتبر باطل ولا يمكن ان تقبله اي محكمة.
لماذا الآن ولماذا ليبيا مرة أخرى؟
المستغرب هنا هو لماذا تحركت السلطات الأمريكية بأتهام ليبي أخر في كارثة تفجير لوكربي بعد مرور 32 عاما على وقوعها وهل يمتلك الأمريكيون اي شئ جديد حقا يستدعي محاكمة ايا كان؟ ليس مستغربا ان يتوصل التحقيق الي ادلة جديدة في قضايا معقدة حتى بعد عقود من حدوثها ولكن لوكربي ليست قضية عادية والتحقيق الذي جرى فيها كان فريدا من نوعه من حيث مداه وشموليته وطول مدة التحقيق التي أستمرت لأكثر من عقدين من الزمن وشمل أكثر من خمس دول. وهذا يضع علامة أستفهام كبيرة على التحقيق الأمريكي الجديد المزعوم. اضف الي ذلك أن هذة الفترة هي فترة صمت قضائي أن صح التعبير نظرا لأن المحكمة العليا الأسكتلندية تدرس الإستئناف الثالث الدي رفعته أسرة الراحل عبدالباسط المقرحي، المدان الوحيد في القضية، ولهذا السبب فان خروج المدعي العام الأمريكي على العالم بهذة الطريقة وأتهام ليبي أخر محل شك. من الواضح أن السيد ويليم بار، المدعي العام الأمريكي، أراد أن ينهي حياته السياسية بنوع من الوهم البطولي ولهذا قرر أن يوجه الاتهام الي ليبي أخر في توقيت حساس. والسيد بار، الدي تقاعد الآن من العمل، أراد الثأتير على قرار القضاة الأسكتلنديين في أستئناف المقرحي حتى يحكموا بعدم وجود أجهاض للعدالة وبالتالي فأن الحكم على المقرحي سليم قانونيا ــ أجهاض العدالة هو احد مبررات الإستئناف التي بني عليها الدفاع أستئنافه من ضمن مبررات أخرى.
وهذا ما أثار حفيظة النيابة في أسكتلندا ولم تدلي بأي تصريحات، كما جرت العادة، تأييدا للموقف الأمريكي الجديد، بل ان معلومات تسربت الأسبوع الماضي تفيد أن النيابة الأسكتلندية مستاءة من الطريقة الفجة التي أعلن بها السيد بار أتهامه الجديد مستهينا بالعرف والقانون الأسكتلنديين اللذان يمنعان اي تصريحات حول اي قضية طالما هي بين أيدي القضاة كما فعل ويليم بار. وفي تسريبات أخرى نهاية الأسبوع الماضي قالت النيابة الأسكتلندية أنه وفي حال حدوث اي محاكمة بالخصوص فيجب أن تتم في أسكتلندا وليس الولايات المتحدة كما طالب ويليم بار. وفوق هذات كله فاذا كانت أمريكا تملك اي ادلة جديدة لتوجيه أتهام جديد منذ عام 2012 لماذا صمتت عنها لمدة ثمان سنوات؟
وماذا بعد الأن؟
فيما تتضارب الأنباء حول وجود السيد مسعود في ليبيا وأين هو الآن فأنه من الواضح التالي:
ان حكومات ليبيا ما بين عام 2012 وحتى العام الحالي قد تواطأت مع الأمريكيين ومكنتهم من الإطلاع على مزاعم التحقيق المزعوم الذي قيل أنه وثق أعتراف مسعود وهذا طبعا مخالف للقانون الليبي والدولي وحق المتهم في الدفاع عن نفسه والا يجرم نفسه.
حتى وأن قبلنا وجود أرضية حقيقية لإتهام جديد ضد ليبي اخر فأن القضية برمتها تبدو بلا اساس لأنها مبنية على ان عبدالباسط المقرحي هو من وضع القنبلة في مسارها لتصل الي الطائرة المنكوبة وبما ان الحكم ضده محل شك كبير ويمكن ان يسقط في الأستئناف الحالي فأن اي اتهام موجه الي اي ليبي اخر سيقط طبيعيا.
الأدارة الأمريكية الجديدة لن تلاحق المتهم الجديد بالطريقة التي لاحقت بها الإدارات السابقة الاتهام الأول منذ عام 1991 والي حين أنعقدت المحكمة في عام 2001 ولكنها، اي ادارة جوزيف باين الذي سيتولى الرئاسة يوم 20 يناير الجاري، لن تسكت عن الموضوع ولن تلغي الملاحقة بل ستتركها معلقة فوق رأس ليبيا والليبيين لإستخدامها في الأبتزاز السياسي متى ناسبها ذلك خاصة ان ليبيا مقبلة على تحولات كبرى ان تمكنت البعثة الأممية فيها من انجاز مهام الحوار السياسي الجاري الآن في تونس.
ستظل ليبيا رهينة لموضوع لوكربي رغم بطلان الحكم الصادر ضد المقرحي ورغم براءتها الواضحة من الجريمة النكراء كما كانت فترة من الزمن رهينة لها في السابق ودفعت ثمنا غاليا للخروج منها. ولهذا التركيز الأن يجب ان يتم على مساعدة فربق الدفاع عن عبدالباسط المقرحي.
ماذ يمكن لليبا ان تفعل؟
الموضوع القانوني هو الأكثر تعقيدا في القضية ولكن البعد السياسي أيضا لا يخلو من صعوبة بالغة. ما تحتاجه ليبيا الآن فريق قانوني ليبي يدعم الفريق القانوني الاسكتلندي الحالي الذي يتولى الدفاع عن المقرحي حاليا، وذلك من اجل اسقاط الحكم ضد المقرحي والذي يعني سقوط اتهام ليبيا أصلا وبالتالي يفتح الباب اما ليبيا لإستعادة أعتبارها وأبعاد الشبهة عنها والاهم فتح باب التفاوض من أجل أستعادة قيمة التعويضات التي دفعتها ليبيا وقيمتها 2,7 مليار دولر لأسر الضحايا والاهم من هذا كله هو تعويضها عن عشر سنوات من الحصار الجوي والمقاطعة الإقتصادية التي أضرت بأكثر من 6 مليون ليبي وألحقت ضررا كبير بالإقتصاد. الاولية الآن للفريق القانوني الاسكتلندي القائم فعلا وليس لإنشاء فريق جديد.
ولكن للأسف السلطات الليبية الحالية لا يمكن التعويل عليها وهي وأن كانت ستتردد كثيرا في تسليم المتهم الجديد الا انها قد تتعاون اكثر من الأمريكيين خاصة أنها أمتنعت، في خرق واضح للقانون الليبي، عن تمويل فريق الدفاع عن المقرحي كما فعلت على مدى ست سنوات متعاقبة, والأخطر من هذا هو ان السلطات الليبية الحالية قد تسلم المتهم الجديد الي أسكتلندا بدل من أمريكا أن هي طالبت به مع أن هذا مستبعد الآن.
كما أن المجلس الرئاسي الحالي في موقف شعبي ضعيف ومنبوذ سياسيا وينظر اليه الليبيين كعصابة خارجة عن القانون وبلا مصداقية وبالتالي موقفه الشعبي لا يهمه كثيرا ولهذا قد يقدم على اي خطوة اخرى تضر بليبيا أكثر مما تنفعها.
المطلوب الآن التحرك الدبلوماسي والقانوني والتعبئية الشعبية لأعادة قضية لوكربي الي الواجهة محليا كقضية وطنية لا تعني النظام السابق ولا عبدالباسط المقرحي بل تعني ليبيا بأسرها وسمعتها وموقفها الدولي امام العالم.