مازالت الأوضاع الأمنية في العاصمة الليبية تراوح مكانها في ظل استمرار الاتباكات بين الجيش الوطني الليبي والقوات الموالية لحكومة الوفاق وسط محاولات لوقف القتال مؤقتا حيث دعت البعثة الأممية في ليبيا، مؤخرا كل الأطراف في ليبيا إلى قبول هدنة إنسانية بمناسبة عيد الأضحى المبارك تبدأ من صباح يوم العيد.

ودعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مساء الخميس الأطراف الليبية المتحاربة جنوب العاصمة طرابلس إلى قبول هدنة إنسانية في عيد الأضحى.وعبرت البعثة عن أملها بأن "تتلقى موافقة مكتوبة من قبل هذه الأطراف في موعد لا يتجاوز منتصف ليل الجمعة/السبت من هذا الأسبوع.".

وطالبت بعثة الأمم المتحدة طرفي النزاع في مناسبات عديدة بالموافقة على هدنة إنسانية، لكن كل هذه المحاولات فشلت. وكانت الدعوة الأخيرة للبعثة لقبول هدنة مماثلة جرت في نهاية يونيو الماضي عندما طالبت بهدنة إنسانية خلال عيد الفطر.وخلال جلسة لمجلس الأمن في 29 يوليو/تموز الماضي،اقترح المبعوث الأممي إجراءات فورية من ثلاث مراحل للخروج من النزاع تشمل إعلان هدنة بمناسبة عيد الأضحى يجرى خلالها تبادل المحتجزين، واجتماع رفيع المستوى للبلدان المعنية بليبيا، يعقبه اجتماع ليبي.

ولقيت الدعوة الأممية ترحيبا من أطراف محلية ودولية،حيث أصدرت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، بيانا أعلنت فيها دعمها لدعوة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، حول عقد هدنة إنسانية بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك.وقال البيان، اليوم السبت 10 أغسطس / آب، إن اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، تدعوا جميع الأطراف إلى الاستجابة لدعوة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، غسان سلامة، بإجراء هدنة إنسانية، بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك.

وقالت اللجنة إنها تناشد كل الأطراف المنخرطة في القتال بالالتزام بالهدنة الإنسانية في أيام العيد، ووفقا لاتفاقية حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن هذا الأمر يساهم في تخفيف وطأة المعاناة الإنسانية والمعيشية، التي يمر بها السكان المدنيين بمناطق النزاع والتوثر بجنوب وجنوب غرب طرابلس ومحيط المدينة من تردي للأوضاع الإنسانية جراء الحرب وما يترتب عليها من نزوح وتهجير.

وقالت إنه يجب على كل الأطراف أن تلتزم بوقف العمليات العسكرية بمختلف أنواعها من استطلاع وقصف وقنص واستقدام تعزيزات جديدة لساحة القتال، خلال الهدنة.كما طالبت بالسماح بإيصال المعونات الإنسانية لمن يحتاجها، وبحرية الحركة للمدنيين، والسماح للسكان المدنيين، الذين فروا من مناطق النزاع.

من جهته،دعا رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي إلى ليبيا آلن بوجيا الأطراف الليبية المتصارعة إلى تبني الهدنة التي دعا اليها المبعوث الأممي إلى البلاد غسان سلامة بمناسبة عيد الأضحى. جاء ذلك في بيان أصدره بوجيا هنأ فيه الشعب الليبي بمناسبة عيد الأضحى المبارك ونشره على صفحته على موقع فيسبوك يوم الجمعة.وقال: "إن تبني هذه الهدنة ليس فقط لتوفير الراحة للأشخاص الأكثر تضررا والذين هم بحاجة ماسة إليها، ولكن أيضا كخطوة أولى نحو إنهاء العنف والعودة إلى العملية السياسية".

الأطراف المتصارعة بدورها أعلنت موافقتها على الهدنة،فالجيش الوطني الليبي أعلن على لسان الناطق باسم الجيش أحمد المسماري أن القائد العام للقوات المسلحة المشير خليفة حفتر يعلن وقف العمليات الحربية في ضواحي طرابلس ابتداء من الساعة 3 من ظهر اليوم السبت وحتى الساعة 3 من يوم الاثنين القادم.

وقال المسماري في بيان مقتضب إن الجيش سيرد على أي خرق للهدنة كما أنه مستعد  للرد على من يرغب في استغلال الهدنة لتحقيق مكاسب على الأرض مشددا على أن الجيش يحتفظ بالحق في الرد على أي استهداف لقواته مردفا نتمنى من الطرف الآخر أن يتفهم الأبعاد الإنسانية والدينية.وختم المسماري بالقول: مستعدون للتعامل مع أي هدف بشكل سريع وقاطع.

وكانت حكومة الوفاق أعلنت في بيان لها قبول مقترح البعثة الأممية للهدنة الإنسانية المحددة خلال أيام عيد الأضحى.وأضافت حكومة الوفاق أن الهدنة ستشمل توقف الاشتباكات في كافة المناطق وحظر أنشطة الطيران وعدم تحرك أو تحشيد أي قوات من الطرفين.وطالبت حكومة الوفاق البعثة الأممية بتولي ضمان تنفيذ اتفاق الهدنة ومراقبة أي خروقات.

لكن قبول حكومة السراج بالهدنة قوبل برفض من المليشيات الموالية لها حيث رفضت ميليشيا لواء الصمود بقيادة الملوب دوليا صلاح بادي الهدنة المقترحة من بعثة الأمم المتحدة.وأكدت الميليشيا، عبر صفحتها الرسمية، ما وصفته بـ"صمودها" في محاور القتال بالعاصمة طرابلس  وذلك في أول تعليق من الميليشيا منذ قرار فائز السراج مساء الجمعة بقبول هدنة العيد.وكشف اللواء في تدوينة نشرها مكتبه الإعلامي عبر صفحته الرسمية على "فيسبوك" بوقت مبكر من صباح السبت عن وصول تعزيزات وصفها بالكبيرة في إشارة منه للتصعيد وعلى عزمهم مواصلة القتال.

ومن جانبه، أعلن العقيد ناصر القايد مدير إدارة التوجيه المعنوي برئاسة أركان الوفاق في طرابلس عن رفضهم القاطع لأي هدنة مع ما أسماها "ميليشيات حفتر".فيما أكد الناطق باسم عملية بركان الغضب مصطفى المجعي أن مقاتليهم يرفضون الهدنة مع قوات الجيش الليبي التي أعلن عنها المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق والتي تتبعه هذه القوات.

ويأتي رفض المليشيات للهدنة ليؤكد عجز حكومة الوفاق أمام سطوة هذه المليشيات المتحالفة معها.ويشير مراقبون الى أن تيار الاسلام السياسي المسيطر على الأوضاع في طرابلس يسعى لعرقلة جهود ايقاف القتال خاصة في ظل الأزمة التي اندلعت مؤخرا بين المبعوث الأممي غسان سلامة وحكومة الوفاق ومن خلفها تيار الإسلام السياسي بسبب إحاطته أمام مجلس الأمن. 

واتهم سلامة في إحاطته حكومة الوفاق بالتحالف مع مقاتلين متطرفين، وكذلك استخدام مطار معيتيقة لأغراض عسكرية في الوقت الذي عملت فيه حكومة فايز السراج لفترة طويلة على استثمار استهداف المطار لاتهام الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر باستهداف المدنيين.وهو ما كشفت الأحداث على الأرض زيفه وخاصة مع استهداف الجيش الليبي لطائرات تركية مسيرة في المطار.

ويبدو أن الجماعات المسلحة والعناصر الارهابية تسعى لافال هدنة عيد الأضحى،حيث تحركت الخلايا النائمة مجددا لتضرب في مدينة بنغازي التي شهدت تفجيرا ارهابيا اليوم السبت استهدف موكب موظفي بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.وأدى التفجير الذي وقع بالقرب من سوق تجاري بالهواري إلى مقتل موظفين إثنين تابعين للأمم المتحدة وجرح 9 آخرين.

وأظهرت صورا التقطتها نشطاء مواقع التواصل الأضرار التي لحقت ببعض سيارات البعثة الأممية بعد التفجير.ودعت بلدية بنغازي في بيان لها أبناء المدينة إلى الوقوف صفاً واحداً مع الأجهزة الأمنية ضد قوى الإرهاب والاجرام والتبليغ عن أي تصرفات مشبوهة يُمكن أن تُعرض أمن وحياة المواطنين للخطر، وكذلك إفشال مُحاولات الإرهابيين لإرسال رسائل بأن بنغازي ليست آمن.

.ودان المركز الإعلامي لغرفة عمليات الكرامة التفجير الارهابي،ميرا عبر صفحته بموقع "فيسبوك" أن اختيار يوم وقفة عرفة لتنفيذ الهجوم  يدل على منهج الجماعات الإرهابية التي تعتمد استهداف الأبرياء والآمنين لزعزعة أمن الوطن والمواطن.وأضاف المركز أن الجيش تمكن من القضاء على القدرات القتالية للإرهابيين في بنغازي ودرنة والجنوب وحتى تخوم العاصمة طرابلس موضحا أن ما تبقى منهم أصبح مطاردا بلا مأوى ما دفعه للقيام بهذه العمليات.

وبدوره دان الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، غسان سلامة، بأشد العبارات الممكنة التفجير،وقال في بيان له "إن هذا الهجوم الجبان، الذي يأتي في وقت يخرج فيه الليبيون للتسوق استعداداً لعيد الأضحى، يعد بمثابة تذكير قوي آخر بحاجة الليبيين الملحة لوقف الإقتتال بينهم، ووضع خلافاتهم جانباً والعمل معاً من خلال الحوار وليس العنف لإنهاء النزاع في ليبيا".

وأضاف أن "هذا الهجوم لن يثنينا ولن يمنعنا من الاستمرار بالقيام بواجبنا والعمل على تحقيق السلام والاستقرار والازدهار لليبيا وشعبها".وأكد سلامة  على أن إلتزام الأطراف بشروط هدنة العيد يبعث برسالة قاطعة بأن دماء الليبيين وموظفي الأمم المتحدة، الدوليين منهم والليبيين، الذين عملوا جنباً إلى جنب مع الشعب الليبي لتحقيق مستقبل أفضل لجميع الليبيين، لم تُرق سدىً في هذا التفجير الشنيع.

وسبق وشهدت منطقة الهواري 3 انفجارات بمنطقة المقابر في 12 من يوليو/تموز الماضي، بالتزامن مع تشييع جثمان اللواء خليفة المسماري القائد السابق للقوات الخاصة، وتبنى التفجير حينها تنظيم داعش الإرهابي.وكان يحضر الجنازة عدد من القيادات العسكرية المهمة مثل اللواء المسماري، الذي أكد أنه كان قريبا جدا من موقع التفجيرات، فضلا عن اللواء ونيس بوخمادة قائد القوات الخاصة الليبية الحالي الذي نجا من التفجيرات.

في الوقت الذي تتواصل فيه المعارك على أسوار طرابلس،بعد حوالي خمسة أشهر على اطلاق الجيش الوطني الليبي عمليةَ تحرير العاصمة الليبية من الميليشيات المسلحة والعناصر الارهابية المتمركزة فيها،يتواصل ظهور الجنوب الليبي على سطح الأحداث في ظل استمرار تحركات الجماعات المسلحة والعصابات التشادية المتحالفة مع مليشيات طرابلس.

ويشهد الجنوب الليبي هجمات متكررة التنظيمات الإرهابية وبعض الجماعات المسلحة والعصابات الأجنبية المتحالفة مع حكومة الوفاق،وأبرزها "قوات حماية الجنوب"، وهي مليشيا قوامها الرئيسي مقاتلين من قبائل التبو الليبية ومرتزقة من تشاد ودول أفريقية أخرى مثل نيجيريا، تقاتل تحت إمرة حسن موسى التباوي.

وارتكبت "مليشيات حماية الجنوب" عددا من الجرائم المسلحة في مدينة "مرزق" و"سبها" و"غدوة" وغيرها من المدن منذ إعلان الجيش الليبي إطلاق عملية "طوفان الكرامة" لتحرير العاصمة طرابلس في 4 أبريل/نيسان الماضي من المليشيات كنوع من تخفيف الضغط على المليشيات المتحالفة معها بعد اشتداد ضربات الجيش الليبي.

وبالرغم من الاعلان على قبول الهدنة في طرابلس فان غدر المليشيات المسلحة يبقى قائما حيث يشير متابعون للشأن الليبي بأن حكومة السراج لا تمتلك القدرة على فرض أوامرها على المليشيات.ويشير هؤلاء الى امكانية استغلال هذه المليشيات لتوقف القتال بهدف تحقيق تقدم ميداني بعد أشهر من القتال خسرت فيها عدة مناطق وسقط في صفوفها العديد من القيادات والعناصر وسط توقعات بقر انهيارها ونهاية نفوذها في العاصمة الليبية.