إن ما شهدته بلداننا المغاربية من حراك شبابي بمظاهره المختلفة ضد: سلطة الدولة، سلطة الأب والمدرسة، الجامعات والمؤسسات، وما نشهده اليوم من حركات تتصف ببعض الأحيان بالعنف في التعبير عن الرأي، وهنا أقصد شباب الحوار والتطوير... فهؤلاء الشباب الذين يحملون في احتجاجهم مشهداً يوحي بانهيار الكبار كمثال للتماهي، وإرادة لتحطيم قيم الواقع المعيش الذي أصبح ضرورة وجودية لهم لتحقيق ذاتهم والتعبير عن حاجاتهم ومتطلباتهم وحماية هذه الذات من خطر الاستسلام والتقوقع في القوالب التقليدية والنظم البالية، ما يدفع المفكرين إلى البحث عن الدوافع العميقة وراء الاحتجاج والرفض من الجيل الجديد ـ هذا الاحتجاج الذي لا ينحصر بالسياسة بل يتعداه ليطول المجتمع والدين ـ ما يولد عدة أسئلة منها: 

لماذا يتحدى شباب اليوم أهداف ''الراشدين'' أو ترفضها وترى أن التطلعات الاجتماعية والسياسية ليست أفكاراً قادرة على تحقيق احتياجاتهم العاطفية والفكرية؟ خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي قام الشباب في أوروبا وأمريكا وبعض أنحاء العالم بحركات غلب على طابعها الرفض والمناداة بالمشاركة والخروج من التهميش، وعلى الرغم من الأوضاع المعيشية الممتازة لهؤلاء ووسائل الترفيه والحضارة التي كانت متوافرة لديهم فإنهم رفعوا شعارات تبدو أنها بعيدة عن الواقع، مثل التشاركية وتحسين الأوضاع وغير ذلك من المواضيع التي تبدو للوهلة الأولى بعيدة كل البعد عن واقعهم وقد ولدت هذه الاحتجاجات آنذاك تساؤلات كبيرة تتعلق بماهية طموحاتهم ودعت المفكرين حول العالم للتساؤل عن المستوى المُرضي لهم.

إن إسقاط ما فعله الشباب في أوروبا على واقع الشباب المغاربي يحمل في ثناياه الكثير من التجني، وعلى الرغم من التشابه في بعض الأوضاع، إلا أن الاختلاف هو الطابع المسيطر على هذه المقارنة التي تأتي في مجملها مجحفة بحق الشباب المغاربي، فعند الحديث عن الدوافع وراء الاحتجاج فإننا نجد أن الوضع المعيشي ربما يستثنى من واقع الشباب في أوروبا أو على الأقل حتى وقت قريب كان كذلك، في الوقت الذي يعاني فيه الشباب المغاربي من الاستحالة الاقتصادية فإن نظراءهم الأوروبيين ينعمون إلى حد كبير بسلطة إيجابية للدولة من ناحية الوضع المعيشي وحصر البطالة وغيرها، إذاً فمحركات الاحتجاج في وضع الشباب المغاربي أوسع وهي لا تنحصر بسبب واحد وإنما تتوزع على عدة أسباب.

الجهل المعرفي: فمن هذه الأسباب ما هو تعليمي، فلا شك في أن مؤسسات التعليم قد مهدت بشكل كبير لتوليد حالة اليأس وعدم الكفاءة لدى طلابها، وذلك يأتي بسبب استنساخها للمناهج دون تكبد عناء مواءمتها مع الوضع العقلاني المغاربي والنتيجة تكون نوعاً من التهافت على تحصيل الشهادات العلمية بأسرع الطرق وأقلها جهداً دون تفعيل كفاءة التحصيل العلمي لدى الطلاب، ومما لا شك فيه أن المؤسسات التعليمية المغاربية باتت تؤسس لنوع من الجهل المعرفي واختصار المعرفة لتكون معرفة ''خدمية'' تفتقد العمق.

السلطة الأسرية: ومن الأسباب أيضاً الأسرة، فبين قسوة الأب والإفراط في الحماية من الأم يتحول الشاب المغاربي إلى فكر هاجسي للتخلص من سلطة الأب، وربما إعادة خلق تجربة الأب في الوقت المناسب عبر فكر ''أوديبي'' بالمعنى السلطوي. ورغم أن الأسرة المغاربية ما زالت مخلصة لأبنائها من ناحية الحماية والمساعدة الاقتصادية التي يمكن أن تمتد إلى ما بعد سن الرشد، إلا أن هذا يلغي بشكل ما السعي للاستقلالية، أو على الأقل يؤجله حتى يظهر لاحقاً على شكل احتجاج ربما يصبح ظاهرة عنيفة لاحقاً.

دور الدين: ومن الأسباب الإشكالية أيضاً الدين، ففي الأغلب تشترط المؤسسة الدينية الإخلاص التام للمعتقدات والتسليم بكل التعاليم'' وهنا لا نقصد النصوص القرآنية أو القدسية'' والأخذ بها تبعاً كما هي دونما ملاءمة للواقع، وربما يتجاوز الموضوع ذلك ليصبح تعاليم رجل دين ما لا يلغي في بعض الأحيان العلاقة الندية أو المساواة في مبدأ الدين ويحول العلاقة إلى علاقة تبعية مطلقة يشترط فيها الانصياع، ورغم أن هذه الإشكالية تطول الدين بحد ذاته، إلا أن لها إسقاطات اجتماعية تطول الشباب في صلب حياتهم، وربما لا تكون هذه العلاقة ناتجة عن الأداء الديني نفسه إلا أن السببين السابقين ''الأسرة والمؤسسة التعليمية'' قد وفرا الظروف الملائمة لهذه العلاقة الإشكالية مع الدين دون أن ننسى الوضع الاقتصادي وضعف المعرفة الفكرية.

التكنولوجيا وسلبياتها: كما أن التطور التكنولوجي ورغم كل نتائجه الإيجابية على الشباب المغاربي إلا أنه حمل في طيات فورته الكثير من السلبيات، فالواقع الاجتماعي المحافظ للمجتمعات المغاربية بدأ يتهاوى مع وجود أمثلة غربية يتلقفها الشاب المغاربي بالزمن الحقيقي كما أن وسائل التواصل الحديثة وضعت في مستوى واحد مجتمعين مغاربياً وغربياً هما على طرفي نقيض من حيث مسيرة التطور والتجارب والمفاهيم التي تتعلق بالحرية والرفاهية... ووضعت الشاب المغاربي كطرف خاسر في هذه المعادلة المعقدة، فمفهوم الحرية في المنظور الغربي ينسحب على المؤسسة والعائلة والفرد، ولا يستثني في كثير من الأحيان أي جوانب اجتماعية أو سياسية أو دينية في الوقت الذي فرضت فيه وسائل التواصل على الشاب المغاربي نوعاً ''خاصاً جداً'' من الحرية السياسية التي يصعب سحبها بأي شكل من الأشكال على الواقع الاجتماعي لمجتمعاتنا الدينية أصلاً.

كل تلك العوامل كرست لدى الشباب المغاربي شعوراً من الإحباط والوقوع في أزمة تناحرية بين ''اثنين'' بمختلف تسمياتهما: جيلين... حضارتين... رؤيتين دينيتين، وبالمجمل فإن هذين الاثنين هما متناقضان حكماً بالشكل الذي لا يترك أمام الشباب المغاربي أي فرصة في الاعتدال أو الحيادية وإنما يلزمه بالانطواء تحت جناح أحدهما. وإذا كان الشباب هم ينابيع الأمة المتدفقة بحيوية الخصب والعطاء فإن شباب اليوم معرضون ـ في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات ـ بدرجة أكبر من شباب الأمس لتحديات التضليل في وسط هذا الخضم المتلاطم من مشاريع التغريب وضياع الهوية... وهنا تأتي مهمات الدولة والمجتمع المغاربي للعناية بقضية إثبات الذات الشبابية وتوجيهها التوجيه الصحيح فتبنى برامج الشباب في إطار خطط التنمية الشاملة فلا نسمع عن شاب مغاربي يعاني من أزمات التعليم والعمل والزواج والبطالة. وعندي أن الدولة مسؤولة كما الأسرة والمجتمع عن توفير المقومات والفرص التي تلبي طموحات الشباب في حاضرهم ومستقبلهم لضمان دورهم الوطني والسياسي في تدعيم عنصر المناعة الأخلاقية لأمن الوطن وسلامته ولن يتيسر لنا ذلك إلا عندما يتكافل المجتمع كله على توفير قدسية الانتماء وقدسية الشعور بالأمن والاطمئنان في دنيا الشباب بعيداً عن سلبيات الإهمال واللامبالاة التي تدفع بهم نحو المجهول ولا سيما مع شيوع ظاهرة التدين السياسي الذي يستثمر في عواطف الشباب الدينية لتأجيج ما نشهده من تطرف ديني وفتن دينية لا علاقة لها بالدين ولا بتقاليدنا الاجتماعية المضيئة بالمحبة والتآخي والعيش المشترك.

لكل هذا وذاك، فإن رعاية الشباب لا تقل أهمية عن تحصين حدود الأوطان تجاه أعدائها، بكل ما في وسعهم من القدرة على العطاء وإلى درجة التضحية، أحياناً، بما يقدرون على التضحية به لجهة المصلحة العامة. ومن المعروف أن الدول الشائخة، حسب علم الاجتماع، هي الدول المرشحة للانقراض أو الهزيمة إذا ما أخذت على حين غرّة ولم تستطع الدفاع عن نفسها، على حين الدول الشابة تكون الأقدر على استخدام وسائل هزم المعتدي والأكثر حظا في الاستمرار على درب البقاء. ولهذه الاعتبارات كثيراً ما يحذر علماء الاجتماع من خطر المجازفة بطاقات الشباب وتعريضها للهدر بلا طائل. وفي حال المجازفة تكون الأوطان كمن يكتب على نفسه صكاً مالياً يصعب عليه تسديده مستقبلاً.

خلاصة الكلام: إن صناعة مستقبلنا هو حق لنا وواجب علينا، فمجتمعاتنا المغاربية ليست بحاجة إلى إعادة سيرة حياة خالد بن الوليد، أو صلاح الدين الأيوبي أو عمر بن عبد العزيز أو حتى رجال النهضة، بل هي بحاجة إلى شبابها الذين يحيون على أرضها، والمستقبل يبدأ غداً، ولا ضرورة للعودة للحياة في الماضي، أولئك عاشوا زمنهم كما أرادوا وبالقوة التي أرادوها وبالفلسفة التي اعتنقوها، ونحن في البلدان المغاربية، علينا أن نعيش كما نشاء وبالطريقة اللائقة مع الحضارة التي لا نزال مستثمرين لها، ولكن الأيام أثبتت أننا مستثمرون ناجحون قادرون على الاستفادة منها... الخطوات الحقيقية إلى الحرية والديمقراطية أثبتت جدارتها. 

مصطفى قطبي

كاتب صحفي من المغرب.