بعد حوالي خمسة أشهر من المعارك العنيفة في العاصمة الليبية طرابلس بعد اطلاق الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر لعملية عسكرية تهدف لتحرير المدينة وتأمينها،نجحت البعثة الأممية في التوصل الى اتفاق وقف اطلاق النار بين الجيش الليبي وحكومة الوفاق عبر هدنة تتزامن مع عيد الأضحى المبارك،لكن المليشيات المسلحة تصر على تعكير فرحة الليبيين مثلما عكرتها طيلة السنوات الماضية.

وكانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا قد دعت الأطراف المتحاربين جنوب العاصمة طرابلس إلى قبول هدنة إنسانية في عيد الأضحى.وأعربت البعثة في تغريدة عبر حسابها في تويتر، عن أملها بأن تتلقى موافقة مكتوبة من قبل الأطراف الليبيين في موعد لا يتجاوز منتصف ليل الجمعة من هذا الأسبوع.

وسرعان ما استجاب الجيش الليبي حيث أعلن المشير خليفة حفتر السبت وقف جميع العمليات الحربية خلال عطلة عيد الأضحى، وبالتالي قبوله المقترح الأممي لهدنة خلال العيد.وقال اللواء أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، في مؤتمر صحفي السيت، إن القائد العام المشير خليفة حفتر أمر بوقف جميع العمليات الحربية في ضواحي العاصمة طرابلس بدءا من تاريخ السبت، حتى يوم الاثنين.

ولكن الجيش حذر من غدر المليشيات حيث أضاف المسماري "أن القائد العام يحذر في الوقت نفسه من أن رد القوات المسلحة سيكون قويًا وقاسيًا في جميع الجبهات ضد أي عمليات أو تحركات من أي طرف مهما كان نوعها وتمثل خرقًا لهذة الهدنة أو تشكل خطرًا على القوات المسلحة".

وتابع المسماري قائلا إن "القائد العام المشير خليفة حفتر يطمئن جميع الليبيين المتطلعين اليوم لتحرير العاصمة بأن القوات المسلحة بجميع صنوفها في حالة استعداد تام للرد المناسب على كل من تسول له نفسه استغلال هذة الهدنة لتحقيق أي مكسب ميداني أو إلحاق الضرر بقواتنا المسلحة".

وقال بيان للجيش "تقديرا لما لهذه المناسبة من مكانة في نفوسنا، والتزاما بتعاليم الإسلام السمحة، وتمكينا لمواطنينا من الاحتفال بهذا العيد في ظروف هادئة، يعلن القائد العام للقوات المسلحة عن وقف جميع العمليات الحربية التي يخوضها الجيش الوطني في ضواحي العاصمة طرابلس بدءا من تاريخ السبت... حتى يوم الاثنين".

وبدورها، أعلنت حكومة الوفاق الوطني الليبية في بيان نشرته علي صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" قبولها بهدنة محددة خلال أيام عيد الأضحى.وأضافت بدورها حكومة الوفاق أن الهدنة ستشمل توقف الاشتباكات في كافة المناطق، وحظر أنشطة الطيران، وعدم تحرك أو تحشيد أي قوات من الطرفين.وطالبت حكومة الوفاق البعثة الأممية بتولي ضمان تنفيذ اتفاق الهدنة ومراقبة أي خروقات.

لكن حكومة السراج التي طالبت بضمانات عدم خرق الهدنة،لا يمكنها هي ذاتها ضمان استجابة المليشيات الموالية لها باحترام الاتفاق.حيث تحاول هذه المليشيات استغلال الهدنة بهدف تحقيق مكاسب ميدانية عجزت طيلة الأشهر الماضية عن تحقيقها بالرغم من الدعم الكبير الذي تحضى به من دول اقليمية أبرزها تركيا وقطر الداعم الرئيسي للفوضى في المنطقة.

وقصفت المليشيات، عشوائيا بقذائف الهاون، الأحياء المدنية بمنطقة خلة الفرجان شرقي طرابلس، إضافة إلى منطقة سوق الجمعة.وأكد المركز الإعلامي لغرفة عمليات الكرامة بالجيش الليبي أن أكثر من مصدر للنيران من المليشيات حاول استهداف قوات الجيش الليبي بالقذائف، كما استغلت المليشيا المصحات مثل مصحة حي الزهور -حي الكلية العسكرية سابقا- لإطلاق القذائف.

وقال الجيش الليبي، في بيان الأحد، إن خرق وقف إطلاق النار فضح حكومة الوفاق غير الشرعية وجيشها المزعوم الذي لم يكن جيشا في أي يوم من الأيام.وشدد الجيش، في بيانه، على أن مليشيات طرابلس ما هي إلا "عصابات لا علاقة لها بأي قوانين ولا أي نوع من أنواع الضبط والربط العسكري ولا يعترفون بالأمم المتحدة ولا المجتمع الدولي ولا يحترمون أي شعائر دينية"، لافتا إلى أنهم لم يمنحوا الليبيين الفرصة ليهنأوا بالعيد.

من جانبه، قال المنذر الخرطوش، مدير المكتب الإعلامي للواء 73 مشاة،عبر صفحة اللواء الرسمية على الفيسبوك، إن "عدة مناوشات وقعت في محاور عين زارة وكزيرما وكوبري المطار بعدما قامت عصابات الحشد المليشياوي بالرماية العشوائية بقذائف الهاون".وأوضح الخرطوش أن القوات تتمركز بنقاط عديدة معلومة لدى غرفة عمليات المنطقة الغربية ولديها الجاهزية الكاملة لصد أي هجوم، وفي كامل استعدادها ما إن صدرت تعليمات بالتقدم لنقاط جديدة.

وتتجه أصابع الاتهام حول نحاولة خرق الهدنة الى القيادي المطلوب دوليا صلاح بادي،حيث كشف مصدر عسكري تابع للقوات المسلحة العربية الليبية، أن مجموعات تابعة للواء الصمود الذي يتزعمه صلاح بادي "المدرج ضمن قوائم الإرهابيين محليا ودوليا" لم تلتزم باتفاق الهدنة، وهي التي أقدمت على قصف المدنيين بالمدفعية الثقيلة.

وكانت مليشيا لواء الصمود التابعة لحكومة الوفاق،أعلنت يوم أمس السبت،رفضها الهدنة المقترحة من بعثة الأمم المتحدة.وأكدت الميليشيا، عبر صفحتها الرسمية، ما وصفته بـ"صمودها" في محاور القتال بالعاصمة طرابلس  وذلك في أول تعليق من الميليشيا منذ قرار فائز السراج مساء الجمعة بقبول هدنة العيد.وكشف اللواء في تدوينة نشرها مكتبه الإعلامي عبر صفحته الرسمية على "فيسبوك" بوقت مبكر من صباح السبت عن وصول تعزيزات وصفها بالكبيرة في إشارة منه للتصعيد وعلى عزمهم مواصلة القتال.

ويأتي رفض المليشيات للهدنة ليؤكد عجز حكومة الوفاق أمام سطوة هذه المليشيات المتحالفة معها.وسبق أن أكد بادي، المتحالف مع حكومة السراج، للقتال في طرابلس ضد قوات الجيش الوطني، على أن "كتيبتهم غير معنية بأي اتفاق لوقف إطلاق النار في طرابلس، بين السراج وقائد الجيش الليبي خليفة حفتر".

ونقلت وكالة "نوفا" الإيطالية،عن بادي في مايو الماضي قوله إن "الثوار الحقيقيين لن يرضوا بأي اتفاقات مع قيادة الجيش الليبي"، واصفًا قائد الجيش بـ"مجرم الحرب"، مشددًا على أن "قتالهم ضد قوات الجيش هو جهاد في سبيل الله لن يتوقف حتى النصر".وأضاف، "نحن متحالفون مؤقتاً مع حكومة فائز السراج لقتال حفتر وأن الهدف لجميع الكتائب هو صد هجوم حفتر على طرابلس، وفي حال قرر السراج توقيع اتفاق مع حفتر فهذا أمر لا علاقة لنا به".

وليس غريبا على صلاح بادي محاولته الدائمة للابقاء على الفوضى والسعي لتدمير البلاد،فالليبيون يتذكرون دوما جرائم بادي التي كان أبرزها عمليات تصفية عرقية ضد أهالي مدينة تاورغاء، والتي هاجرعلى إثرها كل سكان المدينة الذين يزيدون عن 30 ألف نسمة،ودوه في عملية تدمير مدينة بن وليد عام 2012 بتكليف من رئاسة المؤتمر الوطني حينها.

ويبقى المشهد الأكثر استقرارا في ذاكرة الليبيين مطار طرابلس وهو يحترق، وتشتعل النيران في طائراته،على يد صلاح بادي الذي ظهر بجوار مطار طرابلس وقواته تقوم بقصفه.كما شارك بادي في أغلب الاشتباكات التي شهدتها العاصمة طرابلس في السنوات الأخيرة،وأبرزها التي وقعت صائفة 2018، وأسفرت عن مقتل 120 شخصا أغلبهم من المدنيين.

وتكرر خلال الفترة الماضية ظهور بادي مهددا ومتوعدا الليبيين بمزيد من القتال والدمار،ومنذ انطلاق عملية تحرير العاصمة طرابلس في الرابع من أبريل الماضي، انضمت ميليشيا لواء الصمود بقيادة بادي الى الصفوف الأولى لمحاور القتال ضمن قوات حكومة الوفاق،التي باتت في مرمى الاتهامات بالتعويل على المتطرفين والمطلوبين.

وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" في عددها الصادر في 13 أبريل الماضي، قد ذكرت إن حكومة الوفاق تؤكد لداعميها الغربيّين أنَّها بعيدة عن التعامل مع الإرهابين. جاء ذلك كما تقول الصحيفة بعد إعلان بعض المشمولين بعقوبات الأمم المتحدة انضمامهم لقوات حكومة الوفاق في قتالها ضد الجيش، ومنهم أمير الحرب صلاح بادي المتحالف مع متطرفين إسلامين والذي شملته عقوبات الأمم المتحدة كمقوّض للاستقرار.

وبالرغم من اجماع الكثير من المتابعين للشأن الليبي على ضرورة انهاء الصراع المسلح بين الليبيين وحقن الدماء والذهاب الى طاولة الحوار أملا في الوصول الى تسوية تنهى الأزمة الشائكة،فانهم يشيرون من جهة أخرى الى أن أي استحقاق قادم في ليبيا لا يمكن تحقيقه في ظل وجود المليشيات المسلحة وسيطرتها على مؤسسات الدولة،ويؤكد هؤلاء أن دخول الجيش الى طرابلس واستعادة سلطة الدولة من شأنه وضع ليبيا في الطريق الصحيح نحو بداية البناء.