شكل الواقع الليبي المشحون منذ العام 2011،بين انسداد الأفق السياسي وتواصل التصعيد بين الفرقاء،وتردي الوضع الأمني على الأراضي الليبية،مصدرا لتفشي الفوضى في هذا البلد المترامي الأطراف،وهو ما مثل بيئة خطيرة لتحالف الجماعات الإرهابية،التي شكلت خطرا تجاوز ليبيا نحو دول جوارها.

وتعتبر تونس من أشد الدول تأثرا بما يجري في المشهد الليبي،حيث ترتبط مع ليبيا بحدود برية مشتركة تمتد على نحو 500 كلم، الأمر الذي يسهل عملية انتقال المتشددين عبر الحدود، خاصة مع غياب الأمن على الجانب الليبي، جراء الانقسامات الحادة وانتشار سطوة الميليشيات المتشددة.

ورغم تحسن الوضع الأمني، والانخفاض الملحوظ في عدد العمليات الإرهابية في تونس التي تعيش منذ فترة استقرارا أمنيا بحسب المراقبين، لكن التهديدات بوقوع عمليات ارهابية لا تزال مستمرة من قبل العناصر الارهابية المتواجدة بالمرتفعات الغربية بالبلاد، كما تؤكدّ على أنّ خطر الإرهاب على الحدود التونسية الليبية ما يزال قائما، بسبب تواصل الوضع المضطرب في ليبيا.

وقالت تقارير إعلامية إن الأجهزة الأمنية والعسكرية بالمناطق الحدودية التونسية الليبية،رفعت من حالة التّأهب والجاهزية الى الدّرجة القصوى،في ظل مخاوف من تسلل عناصر ارهابية وتنفيذ عمليات داخل الأراضي التونسية.

وبحسب موقع "ارم نيوز"،فقد ذكرت مصادر أمنية تونسية، أن "اعترافات بعض الإرهابيين كشفت عن وجود مخططات لتنفيذ عمليات إرهابية من قبل مجموعة إرهابية تطلق على نفسها "أحرار الجنوب".وأشارت المصادر ذاتها إلى أن "العناصر الإرهابية تسعى إلى تهريب الأسلحة والمتفجرات من ليبيا إلى تونس"، في إشارة كذلك إلى خطط تركية لدعم الميليشيات بشحنات من السلاح.

وتكررت في الآونة الأخيرة عمليات ضبط أسلحة قادمة من تركيا عبر الموانئ البحرية إلى ليبيا؛ حيث أعلنت مصلحة الجمارك في ليبيا،الإثنين،عن ضبط أكثر من 20 ألف مسدس داخل حاوية بضائع قادمة من تركيا، في ميناء مصراتة البحري، على بعد نحو 200 كيلومتر شرق العاصمة طرابلس،كما ضبطت الأجهزة الأمنية بميناء الخمس البحري، الواقع على بعد 120 كيلومتراً شرق طرابلس، حاويتي أسلحة قادمتين من تركيا خلال الشهر الماضي.

ويشير ذلك الى محاولات تأجيج الصراع وهو ما يؤثر على الأوضاع الأمنية في ليبيا ودول الجوار.هذه المخاوف أكدها وزير الخارجية المصري، سامح شكري،في مؤتمر صحافي مع نظيره المغربي ناصر بوريطة،حين أكد أن "شركاء أوروبيين رصدوا أيضاً، واستطاعوا أن يوقفوا شحنات أسلحة قادمة من تركيا لدعم الميليشيات المتطرفة، وهو ما يؤثر على استقرار دول المنطقة وأمنها"،محذرا من الاستمرار في ذلك

ويثير تقهقر الجماعات الإرهابية في ليبيا وانحسار نفوذها،مخاوف السلطات التونسية من إمكانية تسلل الجهاديين إلى البلاد وتنفيذ هجمات إرهابية مشابهة لتلك التي حصلت خلال السنوات الماضية،وهو ما يدفع بالسلطات التونسية الى تعديل خططها الأمنية في مواجهة الخطر الارهابي القائم.

وشرعت وزارة الدّاخلية منذ يوم الاثنين 7 جانفي 2019، في تنفيذ خطة أمنية جديدة لمكافحة الإرهاب في القصرين والتي سيتم تعميمها تدريجيا على الشريط الحدودي الغربي من بينها جندوبة والكاف، حسب ما اكده وزير الداخلية هشام الفوراتي في أعقاب جلسة استماع بالبرلمان.

وأكد الفوراتي،أن هذه الخطة الأمنية تتمثل في توحيد القيادات الميدانية في مكافحة الإرهاب ودورها الاستعلاماتي بما في ذلك التدخل الميداني مع توفير التجهيزات الضرورية، مشيرا الى ان ترتكز  أيضا على تخصيص قوة أمنية مشتركة بين الشرطة والحرس الوطني مهمتها مكافحة الإرهاب فقط   وستكون لها حرية المبادرة.

ومن جهته،قام وزير الدفاع التونسي، عبد الكريم الزبيدي،الثلاثاء الماضي، بزيارة ميدانية، إلى القاعدة العسكرية في منطقة سبيطلة التابعة لمحافظة القصرين بالوسط الغربي؛ للاطلاع على جاهزية القوات العسكرية، مؤكدًا "على يقظة الوحدات العسكرية لمواجهة أي خطر محتمل".

كما أشار الزبيدي إلى وجود "تعاون وتنسيق مع الشقيقة الجزائر في مجال مكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة وذلك بتبادل المعلومات الحينية وعقد اجتماعات دورية حول مزيد إحكام مراقبة الحدود البرية التونسية الجزائرية وحمايتها بصفة ناجعة".

وتأتي هذه التطورات الأمنية، بعد أقل من ثلاثة أيام من الكشف عن تحذيرات أطلقتها الخارجية الأميركية لمواطنيها بعدم زيارة عدة مناطق في تونس، بسبب وجود مخاطر إرهابية.ودعت الخارجية الأميركية في تحذيراتها التي نُشرت الأحد، رعاياها في تونس من الاقتراب من الحدود مع ليبيا، بسبب ما اعتبرته "زيادة خطر الهجمات الإرهابية المحتملة.

وشملت تلك التحذيرات، عدة مناطق تونسية، منها الشريط الحدودي مع ليبيا على امتداد 30 كلم جنوب شرقي البلاد، إلى جانب المنطقة العسكرية في الصحراء الجنوبية بمنطقة رمادة التابعة لمحافظة تطاوين، تليها المرتفعات الغربية، بما فيها جبل الشعانبي، ثم محافظة جندوبة، وخاصة جنوب مدينة عين دراهم والطريق الغربية بمحافظتي الكاف والقصرين على الحدود الجزائرية، وأخيرا محافظة سيدي بوزيد وسط تونس.

وأشارت في تحذيراتها إلى "توفر معلومات تُشير إلى أن الجماعات الإرهابية تواصل التحضير لهجمات محتملة في تونس"، ما يستدعي مزيدًا من اليقظة.

وتكافح تونس لكبح خطر الجماعات المتشددة وتضييق الخناق عليها، خاصة أن آلاف التونسيين يقاتلون في صفوف تنظيم "الدولة الإسلامية" في ليبيا وسوريا، ويشكلون خطراً حال عودتهم إلى بلادهم.ورغم الاجراءات الأمنية الكبيرة فان الخطر لازال يتربص بأمنها.ودفع ذلك بالرئاسة التونسية للإعلان،الجمعة الماضي، عن قرار بتمديد حالة الطوارئ المفروضة في البلاد منذ نوفمبر 2015، لمدة شهر إضافي.

وذكرت الرئاسة في بيان أن رئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي، قرر "تمديد حالة الطوارئ في كامل تراب الجمهورية التونسية لمدة شهر واحد"، وذلك بعد "استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وفي انتظار مصادقة مجلس نواب الشعب على مشروع القانون الأساسي المتعلق بتنظيم حالة الطوارئ".

وتأتي هذه المخاوف في وقت تأمل فيه تونس في موسم سياحي ناجح،حيث أكد وزير السياحة   التونسي، روني الطرابلسي، العمل لرفع عدد السياح الوافدين على البلاد إلى 9 ملايين سائح خلال العام الجاري 2019.واعتبر الطرابلسي، لدى افتتاحه،الأربعاء، أعمال "الدورة 47 للملتقى السنوي لممثلي الديوان الوطني للسياحة بالخارج"، أن "هذا الرقم معقول جدا وليس اعتباطيا، بل يستند إلى تقديرات ومؤشرات مرتبطة بالحجوزات في الأسواق نحو الوجهة التونسية".

وأكد الوزير على ضرورة توفر الاستقرار السياسي والأمني في تونس لتحقيق المطلوب، مشيرا إلى أن القطاع السياحي قد استعاد عافيته "عبر الترويج الأفضل للوجهة، وخاصة تحسين جودة المنتوج السياحي والخدمات.

واستقطبت تونس 8.3 مليون سائح في عام 2018، وهـو رقم قياسي، بجانب زيادة إيرادات القطاع بـ45% مقارنة بالعام الـسابق.يأتي هذا الانتعاش في القطاع السياحي التونسي بعد فترة ركود تسببت فيها هجمات إرهابية خلفت عشرات القتلى في عام 2015.