تعد ليبيا إحدى أغنى دول الإقليم نفطياً،لكن ورغم ذلك فقد بات تردي الأوضاع المعيشية السمة الأبرز في حياة الليبيين.حيث شهد الاقتصاد الليبي،خلال السنوات التي أعقبت إندلاع الأزمة في العام 2011،تعثرات كثيرة تمثلت في ارتفاع سعر صرف الدينار، والتذبذب في الإنتاج النفطي وصادراته اليومية.

ورغم محاولات تجاوز الأزمات الاقتصادية التي تواجهها البلاد،فإن  تواصل انسداد الأفق السياسي في البلاد واستمرار صراع الشرعية،الذي يفتح الباب للميليشيات المسلحة لنهب البلاد واستنزاف ثرواته،يلقي بظلاله على امكانية انقاذ الاقتصاد المتهاويي وتحسين الأوضاع المعيشية المتردية للمواطن الليبي.

اقرار الاصلاحات

الى ذلك،شهدت مدينة طرابلس الليبية،الأربعاء 12 سبتمبر 2018، التوقيع على حزمة من الإصلاحات الاقتصادية، من أهمها، تعديل سعر الدولار مقابل الدينار الليبي، ورفع جزئي للدعم عن المحروقات، وذلك بعد مفاوضات وخلافات استمرّت أشهرًا.

ونقل المكتب الإعلامي لمجلس الدولة عن رئيس المجلس خالد المشري قوله"رغم كل الصعوبات والعراقيل، وُفقنا اليوم بفضل الله في توقيع حزمة من الإصلاحات الاقتصادية، الأمر الذي وضعناه نصب أعيننا فور تولينا رئاسة المجلس الأعلى للدولة، وذلك بعد عمل متواصل واجتماعات مكثفة تم من خلالها الاتفاق بين الأطراف المعنية على شكلها النهائي".

وتمّ التوقيع على برنامج الإصلاح الاقتصادي من قبل رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية، فايز السراج، ومحافظ مصرف ليبيا المركزي، الصديق الكبير، وبحضور رئيس مجلس الدولة خالد المشري، والمبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا، غسان سلامة.

ويتضمن البرنامج الذي سبق وأن اتفق بشأنه المجلس الرئاسي ومصرف ليبيا المركزي معالجة السعر صرف الدينار بفرض رسوم على مبيعات النقد الأجنبي للأغراض التجارية والشخصية ومعالجة دعم المحروقات، وغيرها من الإجراءات التي تستهدف تصحيح تشوهات الاقتصاد الليبي، واعتماد الآليات المطلوبة لذلك، وإجراءات معالجة الآثار المترتبة على تنفيذ هذا البرنامج وتم الاعتماد بالتوقيع على محضر الاجتماع، والتوقيع بصدور قرار من رئيس المجلس الرئاسي.

وكان المجلس الرئاسي أعلن في أغسطس الماضيإجراء "مراجعة دقيقة لبرنامج الإصلاح بين المجلس الرئاسي ومصرف ليبيا المركزي وشملت مدى جاهزية القطاع المصرفي لتنفيذه وآليات التنفيذ والآثار المترتبة عليه  إضافة إلى الجوانب القانونية، التي يتوجب وضعها في الاعتبار".وأوضح المجلس الرئاسي في بيانه أن الجدل القانوني حول الإصلاحات بدأ منذ الإعلان عنها، موضحا أن المجلس يرى أهمية توفر الأطر القانونية لهذه الإصلاحات تفاديا لأي إشكالات أو طعون قانونية  تعيق تنفيذها".

فوضى وخسائر

ويأتي توقيع الاصلاحات الاقتصادية في وقت تتواصل فيه فوضى الميليشيات في العاصمة الليبية طرابلس،حيث عادت الاشتباكات من جديد بعد هدوء حذر دام لمدة 8 أيام إثر الإعلان عن وقف إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة،وذلك عقب استهداف مطار معيتيقة بالصواريخ.

وأدى سقوط القذائف على المطار، إلى توقف حركة الملاحة الجوية فيه،وتم ترحيل كل الطائرات منه، بحسب صفحة المطار الرسمية، لافتة إلى نقل الرحلات إلى مطار مصراتة الدولي.وقدمت الصفحة على "فيسبوك" التحية لقائدي الطيارات والمساعدين والموظفين بكل تصنيفاتهم، الذين "تسارعوا لإنقاذ ما تبقى من طائراتنا الوطنية ولم يغادروا المطار بالرغم من التهديدات والإشاعات.

ويقع مطار معيتيقة العسكري السابق في شرق العاصمة، وفتح أمام حركة النقل المدني بعد تدمير مطار طرابلس الدولي الواقع جنوب المدينة خلال أحداث 2014.وأغلق معيتيقة للمرة الأولى في 31 أغسطس بسبب القتال بين الفصائل المسلحة ثم أعيد فتحه في 7 سبتمبر.

وتشن الجماعات المسلحة التي تتقاتل من أجل السيطرة والنفوذ هجمات متكررة على مراكز النقل في طرابلس، مما يقوّض الجهود المبذولة في إقناع البعثات الدبلوماسية بالعودة إلى العاصمة.كما تواجه شركات الطيران صعوبة في الحفاظ على انتظام خدماتها والإبقاء على هذا البلد المنتج للنفط متصلًا بالعالم الخارجي، مع تضرر طائراتها بفعل الهجمات.

وتشهد طرابلس منذ أسابيع مواجهات عنيفة بين الميليشيات،أدت الى خسائر اقتصادية كبيرة في ظل استهداف المنشآت الاقتصادية وخاصة النفطية منها.وهو ما عبرت عنه المؤسسة الوطنية للنفط بالقول أن استمرار الاشتباكات العنيفة بين المجموعات المسلحة في طرابلس سيترتب عليه خسائر كارثية لاسيما مع استهداف خزانات النفط،واصفة الاشتتباكات والأضرار التي تنجم عنها بأنها "عبث في مقدرات الشعب الليبي التي يتم تخريبها والعبث بها"، محذرة مما سيترتب على المزيد من الإشتباكات من كارثة إنسانية وبيئية وإقتصادية ستزيد من معاناة المواطنين.

وساهمت فوضى الميليشيات في تمكن العناصصر الارهابية من استهداف مقر المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس،حيث أعلن تنظيم "داعش" مسؤوليته عن الهجوم وذلك حسبما أعلنت وكالة أعماق التابعة له الثلاثاء. وقال مسؤولون إن الهجوم الذي وقع الاثنين أدى إلى مقتل اثنين من موظفي المؤسسة وإصابة عشرة ووصفوا المهاجمين الثلاثة الذين لقوا مصرعهم أيضا بأنهم "أفارقة".وقالت أعماق في بيان إن الهجوم استهدف "المصالح الاقتصادية لحكومات الطواغيت الموالية للصليبيين في ليبيا".ويعتبر أول هجوم من نوعه ضد مقر إدارة صناعة النفط الحكومية في ليبيا.

حل الميليشيات

في الوقت الذي يسير فيه الاقتصاد في ليبيا إلى الأسوء،يجمع الكثير من المتابعين للشأن الليبي على ضرورة انهاء الانقسامات وارساء سلطة القانون وتوحيد المؤسسات الحيوية في البلاد وسط مطالبات بانهاء وجود الميليشيات التي تعتبر أبرز أسباب الأزمة في البلاد

آخر هذه المطالبات جاء عبر البرلمان الأوروبي،الذي طالب أغلب أعضائه بحل المليشيات في ليبيا، مؤكدين أن ذلك هو الحل الأمثل  لوضع البلاد وإرساء عملية سياسية جامعة لا يتم فيها إقصاء أي طرف

جاء ذلك خلال جلسة للبرلمان الأوروبي،مساء الثلاثاء،خصصها لمناقشة الوضع الليبي، شارك فيها اثنان وعشرون  نائبا اوروبيا بمداخلات محددة حول ليبيا،وركزوا فيها على الانقسامات بين الحكومات الأوروبية في هذا الموضوع.وأكد المجتمعون أن خيار دعم حكومة تخضع لسيطرة المليشيات هو خيار خاطئ، في إشارة لحكومة الوفاق.

كما ناقشوا الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون غير الشرعيون وتردي الاوضاع المعيشية لليبيين، مؤكدين عدم جدوى تنظيم الانتخابات دون إطار قانوني قوي.ووجه أغلب أعضاء البرلمان انتقادات لاذعة إلى الممثلة العليا للشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، متهمين إياها بدعم حكومة وهمية لا تسيطر على أي شيء.

وما زالت ليبيا تعيش في الفوضى،ويشيع وجود عدد لا حصر له من المييشات المسلحة التي تغير ولاءها وفقا لمصالحها، مناخا من انعدام الأمن.وقال تقرير لخبراء في الأمم المتحدة إن "المجموعات المسلحة مارست نفوذا يزداد وضوحا على مؤسسات الدولة الليبية وتضع مصالحها في المقدمة.

وأضاف التقرير الذي عرض على مجلس الأمن الدولي في الخامس من سبتمبر أن "اللجوء إلى العنف للسيطرة على البنى التحتية والمؤسسات العامة والتهديدات والهجمات ضد الموظفين شائعة في هذا البلد خصوصا في طرابلس".وتابع المصدر نفسه أن "سلوك الافتراس هذا (…) يؤدي إلى اختلاس أموال عامة وتدهور المؤسسات والبنى التحتية"، مشيرا إلى أن "المنافسة الضارية للسيطرة على الدولة تضر بالانتقال السياسي".

ولا تزال ليبيا مسرحا لإنقسامات سياسية وصراعات عسكرية،فتحت الباب علي مصراعيه لنهب ثروات البلاد وإستنزاف مواردها،فيما تزداد يوما بعد يوم معاناة المواطن الليبي الذي بات يفتقر لأبسط حاجاته الأساسية،في ظل نقص السيولة، وارتفاع سعر صرف الدولار، ونقص في السلع الأساسية وغلائها،مع عجز المؤسسات الأمنية والعسكرية عن بسط الأمن، وتوحيد المؤسسات الحيوية في البلاد.