حين انحنى رئيس الوزراء الإيطالي برلسكوني في بغازي نهاية شهر أوت من العام 2008، ليقبّل نجل الشهيد عمر المختار، ومقدّمًا اعتذاره باسمه واسم الشعب الايطالي عن "الجراح الغائرة التي سببها الاستعمار الايطالي للشعب الليبي"، كانت تلك اللحظة المثقلة بالرّمزيّة وعميقةَ الدّلالة، فاتحة لعهد جديد من العلاقات بين البلدين.

انفتحت الأسواق والمبادلات التجارية ووُقّعت الاتفاقيات الاقتصاديّة ودخل البلدان في شراكات إستراتيجية كبيرة، قوّتها علاقات متميزة وصداقة بين الزعيم الليبي الرّاحل معمّر القذّافي ورئيس الوزراء برلسكوني. حيث التزمت ايطاليا حينها بدفع خمسة مليارات دولار إلى ليبيا على مدى 25 عاما على سبيل التعويض عن الحقبة الاستعمارية.

وقال رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلوسكوني يومها، أن "الاتفاق يشمل استثمارات بمبلغ مئتي مليون دولار سنويا لمدة 25 عاما كمساهمة في أعمال البنى التحتية في ليبيا".

وأوضح رئيس الوزراء الايطالي أن من ابرز المشاريع التي ستمولها بلاده، شق طريق سريعة ساحلية من غرب ليبيا الى شرقها، اي من تونس إلى مصر، كان وعد بها في العام 2004. كما نص الاتفاق أيضا على بناء "عدد كبير" من المساكن وتأسيس شركات ايطالية في ليبيا وتقديم منح دراسية في ايطاليا لطلاب ليبيين. إضافة إلى التعاون بين طرابلس وروما في مكافحة الهجرة غير الشرعية.


** تحولات العام 2011 وتغيّر الرهانات الإيطاليّة:

برغم محاولة رئيس الوزراء الإيطالي برلسكوني لدعم الموقف الرسمي الليبي في مواجهة أحداث العام 2011، ومحاولة دعم المبادرات السياسيّة لإيجاد حل سياسي لأزمة الحرب الأهلية التي غرقت فيها البلاد منذ شهر مارس من ذات العام، ووقوف بلاده ضد التدخّل العسكري في ليبيا، انتهت الحرب الأهلية بسقوط النظام ومقتل العقيد معمّر القذّافي في مسقط رأسه بمدينة سرت.

سقوط النظام والدّولة في ليبيا، ورحيل الحليف الاستراتيجي لبرلسكوني، جعلت ايطاليا تعيد ترتيب أولوياتها اتجاه مستعمرتها القديمة. توقفت المشاريع والتعويضات أمام غياب سلطة مركزيّة وشرعيّة قويّة في ليبيا. لم تجد ايطاليا طرفًا سياسيا يمكنها الرهان عليه بشكل فعلي وآمن. كانت تواجه موجاتٍ رهيبة من الهجرة غير الشرعيّة وتواجه خطر التهديدات الإرهابية من بلد يقابلها تماما ومفتوح الشواطئ بدولة مفككة وسيطرة للمليشيات والتنظيمات الإرهابية وانتشار للسلاح وكل أنواع الجريمة والتهريب والاتجار بالبشر.

كانت ايطاليا أمام واقع جديدٍ، ومرير. موجات الهجرة والتهديدات الإرهابية وأزمة مع دول أوروبا خاصة جارتها فرنسا لترتيب ملف مواجهة الهجرة غير الشرعيّة، إضافة إلى الوضع السياسي والأمني في ليبيا، ما يهدّد بشكل مباشر وصريح مصالحها الاقتصاديّة وعلى رأسها مصالح شركة ايني النفطيّة ذات الحضور الكبير في ليبيا.

اضطرت إيطاليا في النهاية لتوقيع اتفاقيات مع مليشيات مسلّحة لمقاومة الهجرة غير الشرعية في ظل تفكّك الدّولة الليبية وعجزها عن حماية الحدود. فقد صحيفة "كورييري ديلا سيرا" الإيطالية، في العام 2017 عن عقد السلطات الإيطالية اتفاق مع أنس الدباشي، زعيم  ميليشيا "العمو" أكبر ميلشيا رئيسية في الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين إلى أوروبا، صفقة تتضمن مكافحة قواته لقوارب الهجرة غير الشرعية المنطلقة من مدينة صبراتة، وإنشاء مركز إيواء بالمدينة، مقابل تقديم دعم مالي إيطالي يقدر بخمسة ملايين يورو!

هذا المشهد الذي يبدو "كاريكاتوريًا"، يتقاطع مع مواقف أخرى إيطالية في ليبيا جعلت من قراءتها للمشهد الليبي وتعاملها مع مختلف أطراف الأزمة في البلاد محلّ انتقاد واسع.

** الانحياز ضد مشروع الجيش الليبي:

مع بداية العام 2014، ظهر في مدينة بنغازي، مشروع نواة للجيش الليبي، ودخل مباشرة في مواجهة عسكريّة حادة مع الجماعات والتنظيمات الإرهابي التي كانت تسيطر على المدينة. كان العسكريون والنخب المدنيّة هدفًا يوميا لهذه الجماعات. كانت بعض عمليات الاغتيال تحدث في وضح النهار وأمام أعين الجميع. قيادات عسكريّة برتب عالية اغتيلت وهي خارجة من المساجد، ونخب صحفية ونشطاء مدنيون وقضاة وأكاديميون تمت تصفيتهم بدم بارد أمام بيوتهم. 

كان المشهد مروعًا في بنغازي، وكان مشروع الجيش يكبر تدريجيا مع انحسار رقعة تلك الجماعة والتفاف شعبي ومدني وقبلي حول المشروع الوليد. كان للجيش حينها امتدادات كبيرة في الغرب. الضباط القدامي بدؤوا في تجميع أنفسهم وإعادة ترتيب مؤسساتهم، وكثير من المليشيات أعلن ولاءها لمشروع الجيش داخل العاصمة طرابلس وخارجها.

بروز نواة للجيش في العاصمة وقوات مساندة أعلنت بشكل صريح انحيازها للجيش في مواجهة مشروع الميلشيات، جعل القوى المتحالفة مع الجماعات الإرهابية وجماعات الإسلام السياسي والميلشيات الجهوية تتكتل في ما تمّ تسميته بـ"فجر ليبيا" التي خلفت دمارا رهيبا في العاصمة طرابلس وبنيتها التحتية وأعادت ترتيب خارطة الميليشيات فيها. 

في وسط كل ذلك كان الموقف الايطالي يعلن بشكل تدريجي عن انحيازه ضد الجيش لصالح الميليشيات وخاصة لصالح مدينة مصراتة التي تعتبر أحد أهم مراكز القوّة في البلاد. ربّما كانت حسابات ايطاليا تذهب إلى أن وجود الجيش في الغرب بشكله الضعيف قد لا ينفع في مواجهة مشكلاتها الليبية خاصة مشكلة الهجرة وأنّ الأفضل لها هو الانحياز للطرف الأقوى في الغرب الليبي إلى حين انقلاب المعادلة.

** حرب طرابلس وتحولات الموقف الجديدة:

مع إحكام سيطرته على كامل الشرق الليبي ثم جنوب البلاد حيث منابع النفط ثمّ هلال الموانئ النفطيّة وسط البلادـ ومع اقترابه من العاصمة طرابلس أصبح الجيش الليبي، الورقة الأقوى في المعادلة الليبية. هذه التحولات العسكرية والسياسيّة المتسارعة دفعت إيطاليا إلى إعادة تقييم موقفها اتجاه مختلف أطراف الصراع، وبدأت تعيد صياغة موقفها خاصة من الجيش الليبي.

قامت إيطاليا بتغيير سفيرها في ليبيا أمام إصرار الجيش الليبي على عدم التعامل معه بسبب تصريحاته المنحازة، وتغير خطابها بشكل واضح اتجاه المشهد الليبي. حاولت روما لعب دور الوسيط في ملف الأزمة في ظل منافسة مع فرنسا التي بدأ يأخذ حضورها أشكالا بيرة ومؤثرة. حيث سعت روما إلى جمع الفرقاء في مؤتمر باليرمو، وحاولت بكل الطرق إقناع قائد الجيش الليبي خليفة حفتر بالحضور إلى المؤتمر، الذي حضر في النهاية ندوة على هامشه بشروطه الخاصة وغادر دون حضور أعماله. 

الموقف الإيطالي الذي تغيّر كثيرا مع تقدّمات الجيش الليبي نحو العاصمة طرابلس، والذي تبدّلت محدداته أساسا مع دخول فرنسا القوي إلى المشهد الليبي، وما يفرضه ذلك من تنافس خاصة بين عملاقي النفط في البلدين، إيني وطوطاال، إضافة إلى مشكلة الهجرة والأمن والإرهاب، أضيف إليه الآن التدخّل التركي في ليبيا وتكديس المرتزقة والارهابيين في غرب البلاد قبالة السواحل الإيطالية.

يبدو الموقف الإيطالي اليوم في ليبيا، نتيجة لمعطيات مركّبة ومتراكمة، ويبدو في رسمه البياني شديد التعقيد والتحولات، لكن المعطيات المتبدّلة والمتجددة في المشهد الليبي تفرض دوما مزيدًا من تغيير الموقف. لكن الثابت اليوم أنّ معطى التدخّل التركي في ليبيا وأطماع أنقرة في المتوسطة وتهديد مصالح الغاز لدول أوروبا وشركة إيني الكبرى، وخاصة إرسال المرتزقة من الجماعات الإرهابية إلى الغرب الليبي، سيكون المعطى الأكثر في أي موقف إيطالي جديد.