أعلنت وزيرة العدل الفرنسية نيكول بيلوبيه انها ناقشت مع بلدان أوروبية "فرضية" تشكيل محكمة دولية في العراق لمحاكمة الجهاديين الاجانب في تنظيم الدولة الإسلامية. واضافت بيلوبيه في تصريح لإذاعة مونتي كارلو "هذه فرضية طُرحت على المستوى الاوروبي مع عدد من زملائي، من وزراء داخلية وعدل"، موضحة أن هذه المناقشات تجرى في إطار "مجموعة فندوم" التي تضم خصوصا وزراء العدل الألماني والاسباني والايطالي.

وشددت وزيرة العدل على القول إن هذه المحكمة ليست سوى "فرضية عمل". واضافت ان هذه "المحكمة الدولية" ستُنشأ "في المكان المعني، ليس في سوريا على الأرجح، ربّما في العراق"، مشيرة إلى أنه يمكنها العمل بمشاركة "قضاة أوروبيين وفرنسيين وعراقيين". لكنّها ذكرت عددا من "الصعوبات"، مضيفة "يتعين الحصول على موافقة الدولة العراقية، وطرح شروط، خصوصا شرط عقوبة الاعدام التي يتعين حظرها". ولفتت إلى أن "إنشاء هذا النوع من المحاكم يستغرق دائما وقتا طويلا بعض الشيء".

وحكم بالإعدام على أحد عشر فرنسيا اعتقلوا في سوريا وحوكموا في العراق، لانتمائهم الى تنظيم الدولة الاسلامية، ما أثار انتقادات حادة في فرنسا، ولا سيما من قبل محامين متخصصين في القضايا الجنائية. وفي ما يتعلق بالفرنسيين المحكوم عليهم بالإعدام، اكدت بيلوبيه "قلنا مرارا للدولة العراقية إن عقوبة الاعدام لا يمكن ان تطبق". واضافت "ثمة مناقشات جارية... إننا نسهر على عدم تنفيذ عقوبة الاعدام بالأشخاص الذين نتحمل مسؤوليتهم".

وكان مسؤولو عدة دول أوروبية قد اجتمعوا الإثنين الماضي في السويد لمناقشة إمكانية إنشاء محكمة دولية لمحاكمة الأجانب الذين حاربوا إلى جانب تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في سورية والعراق. وقبيل الاجتماع، قال وزير الداخلية السويدي ميكائيل دامبيرج في تصريحات للصحفيين إنه " لا ينبغي أن يكون هناك إفلات من العقاب جراء القتل أو الجرائم الإرهابية أو جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، وهذا ينطبق على جميع أطراف النزاع".

وأضاف دامبيرج قائلا إنه سيطلع نظراءه في الاتحاد الأوروبي بشأن نتائج هذا الاجتماع. وتابع وزير الداخلية السويدي قائلا إن إجراء مثل هذه المناقشات تعد ضرورية مع دول المنطقة. من جانبها، قالت هولندا، إحدى الدول المشاركة في الاجتماع، إنها تعتزم استضافة مؤتمر وزاري في نيويورك على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر.

ومن المتوقع أن يكون مقر المحكمة في المنطقة، لكن دامبيرج قال إنه "من المبكر جدًا" مناقشة مسالة تحديد مكان وتمويل هذه المحكمة. وتابع الوزير السويدي قائلا إن هناك عدة دول في المنطقة تنفذ عقوبة الإعدام، ولكن يمكن للمحكمة أن توفر وسيلة لمعالجة ذلك. واستطرد دامبيرج قائلا: "تفضل السويد موقعًا في المنطقة لأن الشهود والأدلة في متناول اليد".

يشار إلى أن هذه القضية ظهرت على السطح عقب سقوط آخر معقل لداعش في شرق سورية. وكانت قوات سورية الديمقراطية التي يقودها الأكراد قد قامت بأسر المئات من مقاتلي داعش، ومنهم الكثير من أوروبا.

وأصبحت بغداد الخيار البديل بالنسبة لدول مثل فرنسا، التي ترفض بشكل قاطع محاكمة او عودة مواطنيها المرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية الذين اعتقلوا في العراق أو من قبل القوات الكردية في سوريا. وتثير عودة الجهاديين إلى بلادهم جدلاً في أوروبا. واكدت مصادر رسمية عراقية لوكالة فرانس برس، مطلع أفريل الماضي، تقديم بلادهم مقترحاً لمحاكمة الجهاديين الأجانب المعتقلين في سوريا مقابل مليوني دولار للشخص الواحد من الدول التي ينتمون اليها.

وقال لوران نونيز سكرتير الدولة الفرنسي للشؤون الداخلية الاحد إن فرنسيين "آخرين قد يحاكمون" في العراق، علماً بأن نحو 450 فرنسيا مرتبطين بتنظيم الدولة الاسلامية معتقلون حاليا في سوريا. واضاف الوزير "لا يمكنني أن أعطي رقماً دقيقاً، لكن سيكون لدينا أفراد آخرون سيحاكمون أمام القضاء العراقي".

من جهة أخرى، حذر محامو أسر الجهاديين ومدافعون عن حقوق الانسان من هذا الأمر وشككوا بضمان حصول المتهمين على محاكمات عادلة أمام القضاء العراقي. وأكد أربعون محامياً فرنسياً الإثنين أن فرنسا، بسماحها بصدور أحكام بالإعدام على عدد من مواطنيها، إنما تعرض نفسها "لعار هائل" يمكن أن يترك "وصمة لا تمحى" على ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون.

بدورها، اعتبرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية غير الحكومية ان الإجراءات القضائية تعاني من "قصور جسيم". وأكدت المنظمة في تقريرها أنها "وثقت استخدام المحققين العراقيين أساليب تعذيب متعددة، منها ضرب المشتبه بهم على باطن أقدامهم، المعروف بـالفلقة، والإيهام بالغرق". وفي المقابل "وثقت عدم إجراء النظام القضائي العراقي تحقيقا موثوقا في مزاعم التعذيب"، حسب التقرير. وأوصت المنظمة فرنسا بعدم "الاستعانة بجهات خارجية "، لمحاكمة مواطنيها كما يحدث في العراق.

وبوجود معارضة من قبل الرأي العام الأوربي لعودة الجهاديين، تواجه باريس معضلة لأنها لا تريد محاكمة الجهاديين من مواطنيها وتعارض عقوبة الإعدام التي يصدرها القضاء العراقي وتقف فرنسا ضد تطبيقها. لذلك تتدخل جهات دبلوماسية فرنسية "على أعلى مستوى" لمنع إعدامهم، لكنها تشدد في الوقت ذاته على ان محاكمتهم تسير في "ظروف جيدة وفي حضور دفاع".

ولم يلتق محامو الدفاع المنتدبون بهؤلاء الاشخاص ولم يطلعوا على ملفاتهم إلا قبل دقائق من الجلسة، واضطر القاضي مراراً للتدخل لأن أسئلة هؤلاء المحامين كانت تتعارض مع مصلحة المتهمين. ومنذ 2018، حكم القضاء العراقي على أكثر من 500 رجل وامرأة أجانب أدينوا بالانتماء إلى تنظيم الدولة الإسلامية. والأحد، حكم على ألمانية بالسجن 15 عاماً لإدانتها بالانتماء إلى التنظيم المتطرف. ولم ينفذ حتى الآن أي من أحكام الإعدام الصادرة بحق أي أجنبي.