انه زمن العجائب الذي ضاعت فيه بوصلة الحق وانطفأت على تخومه شعلة الضياء. فقد غرّد رئيس الوزراء القطري الأسبق حمد بن جاسم، في الوقت المستقطع و الضائع، وهاجم جامعة الدول العربية، واصفا إياها بأنها "ليست مؤهلة ولا محايدة حتى تكون حكما في ''الأزمة الليبية". 


وكتب رئيس الوزراء القطري الأسبق، تغريدة جاء فيها: "الحالة الليبية والحالة العربية: أتساءل عن جدارة جامعة الدول العربية التي سيجتمع مجلسها من أجل تداول الوضع في ليبيا. وأنا أرى أنه من الأجدى والأولى قبل ذلك أن تجتمع الجامعة، وعلى أعلى مستوى للنظر في الحالة العربية المتردية". وأضاف في تغريدة أخرى: "أما بالنسبة للحالة الليبية فالجامعة العربية ليست مؤهلة ولا محايدة حتى تكون حكما كما قلت سابقا. فما زلنا نتذكر عندما كانت قوات الطرف المدعوم من بعض الأطراف العربية تهدد باقتحام طرابلس ونرى الطرف الآخر في طرابلس يستنجد ولا مجيب".


تصريحات حمد بن جاسم تستحق التوقف عندها، فدور قطر في المؤامرة على ليبيا، وما حدث في ليبيا لا ينسى، فقد كانت قطر ضالعة في التآمر على الشعب الليبي، حيث لعبت دورا لا يقل قذارة عن الحرب الإعلامية ضد ليبيا، وبخاصة في جهود الجامعة العربية تجاه الأزمة، فالتدخل القطري في ليبيا كان جليا وواضحا، والدعم المشبوه هو حجر الزاوية لما آلت إليه ليبيا اليوم، فبدأت قطر بتحريك الجامعة العربية لدعوة الأمم المتحدة إلى فرض منطقة حظر جوي في ليبيا، ودعمت المسلحين بالمال والعتاد، ووفقا لتقرير نشرته وكالة ''رويترز'' فإن ''قطر قدمت أكثر من 400 مليون دولار كدعم مالي مباشر للمجلس الوطني''، كما ووعدت ''الناتو'' بتحمل جزء من الدعم المالي في حالة ''شن حرب على ليبيا''. هذا وبالإضافة لمشاركة طائراتها في حرب الناتو على ليبيا.‏ 


فقد فضحت الحقائق الموثقة الدور الذي لعبته قطر بمجريات الأوضاع في ليبيا، بهدف إذكاء نار الفتنة وتأجيج الاضطرابات وزرع الفتن القبلية وممارسة أدوار مشبوهة وصلت إلى حد التآمر، وقد تصدرت قطر بحاشيتها المتعاملة وجزيرتها الخبيثة في حجم دورها المشبوه، حيث تحولت قناتها ''الجزيرة'' في تعاملها مع الأحداث الليبية إلى أداة رئيسية في إثارة الشارع الليبي، والتلاعب بالرأي العام العربي و العالمي عبر تزوير الحقائق و تحريفها على الأرض و فبركة الأخبار الكاذبة لتمكين الأفكار و العصابات الإسلاموية من اختراق المجتمعات العربية، إضافة إلى استدعاء القناة لبعض الشخصيات الأخوانية الليبية المعارضة إلى الدوحة، بعد تلقينهم بما هو ممنوع وما هو مطلوب ذكره على التلفزة، وفي دليل جديد يثبت قيام قطر بالتجييش الإعلامي ومحاولة تصنيع رأي عام يستهدف ليبيا. 


لقد تمّ استخدام المال القطري لتمويل العصابات الإرهابية في ليبيا وتدمير و تعطيل الحياة و التقدم و قتل المواطنين الأبرياء، و شكلت قطر الحاضنة الأساسية و الداعمة لأغلب التنظيمات الأخوانية الإرهابية على الساحة الليبية، فقد كان واضحا من أحداث ليبيا أنها بدأت تحت توجيه صارم من الحلف الأطلسي وفي تضامن واضح مع جامعة الدول العربية التي كانت بقبضة قطر، ففي أقل من ثلاثة أيام من بدء الاضطرابات في ليبيا بشكلها المسعور، حتى هبط بشكل فجائي على الشوارع الليبية أكثر من خمسة عشر ألف علم مختلف عن العلم الليبي، أي العلم المرفوع حاليا، بل إن كما من السلاح بدا بأيدي الشعب الليبي، ثم تطور الأمر أن تم استحضار سريع لشتى التصرفات العسكرية التي باشر بتنفيذها من سمو بالثوار الليبيين مدعومين بالحلف الأطلسي وبتعاضد واضح وتغطية سياسية وإعلامية من جامعة الدول العربية، وبتمويل من بعض أعضائها الذين أيدوا ذاك الحلف وقدموا له التغطية العربية ومنحوه براءة ضميرها.


 
كانت الخطة الأولية للحلف المذكور هو فتح كافة المنافذ الممكنة لمن أطلق عليهم الثوار الليبيين الذين بدأ الحلف يساعدهم على تخطي فوضويتهم، والوصول بهم إلى الطريقة العسكرية المثلى. كان واضحا أن مخطط جامعة الدول العربية آنذاك، تسليم ليبيا للحلف ليفعل فيها ما يشاء، فكان أن أخضع هذا الحلف سماء ليبيا كلها للأقمار الاصطناعية التي كانت تتابع بدقة تحركات الجيش الليبي والقيادة الليبية التي آمنت منذ اللحظات الأولى أن باستطاعتها الدفاع عن ليبيا، لكن حساباتها باءت بالفشل، أمام المؤامرة التي ساهمت فيها جامعة الدول العربية وقدمت للحلف الأطلسي ذلك الغطاء بل والدعم المباشر. 


وهكذا كان، فكيفما كان الجيش الليبي يتحرك ضد الشغب الذي مثله الشباب كانت طائرات الحلف تتصدى له بعنف، وقيل إنه في يوم تمكنت طائرات الحلف من ضرب رتل كامل للجيش الليبي ذهب ضحيته عشرات الآلاف دفعة واحدة إضافة إلى تدمير الآليات بشكل كامل وكان ذلك الفعل الشائن يتم تحت لافتة القضاء على الدكتاتورية وإعطاء الشعب الليبي الحرية والديمقراطية، الحرية والديمقراطية التي نراها ونعايشها اليوم في ربوع ليبيا، الدولة التي حولتها قطر إلى دولة فاشلة.


الآن، وبعد أن فشل المتآمرون في النيل من ليبيا، وبعد أن منيت محاولتهم بالإخفاق، وبعد أن قوض مخططهم الرامي إلى تقسيم ليبيا، وبعد أن منيت خططهم بالخذلان، بات بوسعنا أن نفهم ما لم يقولوه حول دوافعهم للانخراط بحماس في حملة التآمر. وبعفوية نتساءل:


أليست مسألة تستدعي التفكير أن نجد المساهمين الأوائل في حملة التآمر على ليبيا، ومن بذلوا فيها الكثير، وقد عمدوا في لحظة ما إلى التخلي عن مناصبهم ببساطة ؟! لقد رأينا هذا يحدث في قطر حين تخلى الحمدان: حمد بن خليفة و حمد بن جاسم عن سلطتهما وسلماها لتميم ! هل كان هؤلاء في تنحيهم مجبرين أم مخيرين ؟!


 
دعونا نسلم ونحن نحاول الإجابة على مثل هذا السؤال الصعب المتعلق بالنوايا أكثر مما يتعلق بالقدرة، لأننا نعرف أن المتنازلين في كل هذه الحالات كانوا في وضع الممسك بالقوة، ولم يكونوا مطلقاً في حالة ضعف، أن تفسير ما حدث له واحد من مدخلين:


-المدخل الأول: أن تكون الإدارة الأمريكية، وهي الطرف الأقوى في اللعبة ككل، قد طلبت إحداث هذا التغيير كجزء من المخطط الكبير الذي يتضمن اللعب حتى بأوراق اللعب، فانصاعوا لإرادتها مستسلمين .

-المدخل الثاني: ويحدده عنصر الزمن الذي حدثت فيه التحولات، وهو أن يكون المتنحون قد تخلوا عن مناصبهم راضين، لأنهم بمناصب أخرى أهم منها موعودون. فلا أحد يتنازل عن الإرث الذي بين يديه ما لم يكن واثقاً انه سيستبدله بإرث أكثر أهمية. ولا حاجة بنا أن ننتظر خروج أي واحد من هؤلاء ليعلن عن سر تنازله عن ''القوة'' التي بين يديه، أو بتعبير آخر، عن الصيد المحلي الذي بين يديه ما لم يكن قد استقر عنده الاعتقاد بأنه يستبدله بصيد أثمن منه، وأن هذا الصيد البديل بات قوسين أو أدنى من أن يؤول مصيره إليه، وأن يوضع بين يديه. 


وإذا كانوا قد اعتادوا منذ بداية حملة التآمر، أن يقولوا لأذنابهم ''دمر ونحن نعمر''، فجعلوهم يشيعون الدمار والخراب غير عابئين، فليست غاية المتآمرين حتماً أن يكونوا لهذا الخراب وارثين، وبالجلوس على تلته وإبقاء الحال على هذا المنوال هادفين، بل كانت لهم من وراء انخراطهم في حملة التآمر الكبرى غايات أبعد، وهي أن يصيروا للأرض التي استهدفوها مالكين.


 
إن المتآمرين ليسوا أغبياء إلى الحد الذي يجعلهم ينفقون على عملية تخريب ليبيا بسخاء، ثم يضطرون للإنفاق على عملية التعمير بسخاء أكبر بكثير، دون أن تؤول ملكية ما أنفقوا عليه في الحالتين إليهم، وليس إلى عملائهم الصغار، الذين اعتادوا أن ينظروا إليهم بداية ونهاية بكل ازدراء واحتقار. ومن يفترض غير هذه الفرضية فإنه يفترض أنهم مجانين، سيطر عليهم جنون الإنفاق فهم أسرى لمثل هذا النوع من الجنون. وحتى ولو كان هذا هو واقع الحال ـ وهو محال ـ فهل امتد جنونهم أيضاً ليشمل التنازل عن أدوات القوة والسلطان التي يمسكون بها، وعن المناصب التي يحتفظون بها، وعن الطموح بالصعود إلى مناصب أعلى منها، فما الذي جعلهم وهم الممسكون بأدوات القوة والسلطان، يظهرون فجأة زهدهم بمناصبهم ويتخلون عنها لصالح تميم...؟!


 
إن فشل المخطط الشيطاني في الوصول إلى غايته الأساسية قاد بشكل طبيعي إلى شعور جميع أطرافه بالإحباط، وإن كان هذا الشعور بالإحباط لم ينه المحاولة للبحث عن بدائل لضمان استمرار المحاولة. فالفشل أدى بشكل منطقي إلى أن تتقطع بهذه الأطراف السبل. وإذا كانت هناك محاولات يقوم بها البعض ليوجد لنفسه متكأ على الأرض، فإن هذه المحاولات هي محاولات البائس الذي يتصرف تصرف اليائس وهو يعلم أنه ما من صيد يحظى به وما من فرائس.


 
خلاصة الكلام: إن الشعب الليبي الواعي المتيقظ، له القول الفصل في الشأن الليبي لأنه صاحب الحق في تقرير مصيره، بخاصة بعد اتخاذه القرار النهائي بالقضاء على الإرهاب والإرهابيين واجتثاثهم من جذورهم من بلد المجاهد عمر المختار، إلى أن يعود الأمن والأمان إلى كل مواطن ليبي يعتز ويفتخر بليبيته ووطنيته .