كشف فيروس كورونا هشاشة النظام الصحي العالمي ، وأثبت أن أغلب الدول بما فيها الغنية والقوية والصناعية لم تكن مستعدة لفرضية حصول جائحة كالتي تواجهها الأن ، وتبين أن التضامن الدولي ليس أكثر من شعار يرفع في زمن الرفاه والرخاء ، بينما يفتقد معانيه في زمن الأزمات الكبرى ، حتى الإتحاد  الأوروبي أثبت أنه غير قادر على توحيد أعضائه في مواجهة الخطر ،

تعرّى العالم المتقدم أمام جائحة كورونا ، وظهر على حقيقته، فهو ورغم الطفرة الصناعية ، وانتشار الذكاء الصناعي ، واختراق الفضاء ، لم يكن مهيئا للتوقي من إمكانية أن يغزوه مرض غامض سواء كان من نتاج الطبيعة وتحولات الجين الفيروسي أو من تصنيع متعمد في مخابر متخصصة ، أو حتى من إجتهادات هواة في ظل توفر التقنيات المساعدة على ذلك

بعث فيروس كورونا  حالة رعب  على الكرة الأرضية ، وضرب الدول المتقدمة كما فعل بالدول المتخلفة ، وهزّ أمبراطوريات المال والأعمال ، ودفع لأول مرة بمئات الملايين من البشر الى الحجر الصحي الذاني أو العام ، وعطّل عجلة الإقتصاد ، وضرب بورصات العالم ، وساوى في مشاعر الخوف والتوتر  بين الولايات المتحدة وايران، وبين الصين والصومال ، وبين إيطاليا وبوركينا فاسو ، وبين إسرائيل وقطاع غزة ، وكشف أن كل الدول بدون إستثناء ، لم تكن مستعدة لمواجهة طاريء كهذا ، فباتت الحكومات تعمل على عزل مواطنيها ، لمنع إنتشار الفيروس ، نتيجة لخوفها من إنتشاره بالشكل الذي يثبت عجزها على التصدي له

قبل أشهر  من الأن ، لم يكن هناك من يحسب مثلا أن إيطاليا ، الدولة الصناعية صحبة واحد من أكبر إقتصادات العالم ، تمر بمثل ما تمر به الأن من ظروف إسنثنائية ، بسبب عدم التهيؤ لمواجهة الفيروس الزاحف ، وإفتقادها للقدرة على حصر تأثيراته منذ الأيام الأولى ، وعجزها عن توفير المستلزمات الصحية الضرورية ،

منذ أسابيع ، ظهر أحد الأطباء في مدينة نلتالي الإيطالية يستغيث بسبب نقص المعدات الطبية في المستشفى ويناشد الصحة بإرسال شحنات جديدة من المعدات والأدوات الطبية ،وصحيفة "ميرور" البريطانية ،أمس ،  خبر وفاته  بسبب نفاد القفازات الطبية وتسبب ذلك نقل العدوى له بسرعة شديدة ونتج عنها موت الطبيب ،مشيرة الى  أن تلك المستشفى كانت تعاني من نقص الأدوات الطبية، وتعتبر في بؤرة الأحداث في إيطاليا فهي تعتبر ووهان الإيطالية نظرا لكثرة حالات الإصابة هناك.

وفي تقرير لها ،قالت صحيفة "جورنال دو ديمانش" الفرنسية  إن في منطقة لومباردي بإيطاليا حيث يعالج أكثر من نصف مرضى فيروس كورونا في مستشفياتها وتم تسجيل ثلاثة أرباع الوفيات فيها باتت مصالح الإنعاش متشبعة بنسبة 95٪ فالمصابون بفيروس كورونا أصبحوا يحتاجون إلى أجهزة تنفس اصطناعية بشكل متزايد وأصدرت كلية أطباء التخدير والطوارئ الايطالية  وثيقة مرعبة حول انتشار الفيروس في بلد غني يعتبر من أحد أفضل أنظمة الرعاية الصحية في العالم.

وأشارت الصحيفة  إلى أن بعض المستشفيات في إيطاليا قد بدأت في عمليات فرز المصابين بفيروس كورونا من خلال إعطاء الأفضلية لمن يحتاجون الى العناية المركزة ولهم الفرصة للبقاء على قيد الحياة.

فقد نشرت الكلية الإيطالية للتخدير والتسكين والإنعاش والعناية المركزة (SIAARTI)، مبادئ توجيهية للمعايير التي يجب على الأطباء والممرضات اتباعها في هذه الظروف غير العادية ،وتم فرض وثيقة على الأطباء، تشمل عمليات الفرز بين المرضى، وهي ما تعرف بـ"الفرز في زمن الحرب المطلوبة"، فبدلًا من توفير الرعاية لجميع المرضى الذين يحتاجون إليها، سيتم تخصيصها فقط للمرضى أصحاب أعلى فرصة للنجاح العلاجي من الفيروس.

أما الأشخاص الأكبر سنًا وليس لديهم احتمالات كبيرة للشفاء، فسيتركون للموت، وتقول الوثيقة إن هذا يبدو قاسيًا، لكن البديل ليس أفضل.

وأكدت الوثيقة الصحية أنه "قد يتعين استخدام الموارد الطبية أولاً لأولئك الذين لديهم احتمالية أعلى للبقاء على قيد الحياة، ومن ثم الذين ما زالوا يافعين، وثالثاً المقدرة على إفادة أكبر شريحة ممكنة من الناس".

وفي الولايات المتحدة، تواجه الدولة ذات الاقتصاد الأكبر عالميا، تحديات كورونا ، وكشفت صحيفة "واشنطن بوست" أن الرئيس  دونالد ترامب أخبر حكام الولايات المتحدة، أن يحصلوا على أجهزة التنفس الاصطناعي وأجهزة التهوية وكمامات الوجه بأنفسهم، وعدم انتظار الحكومة الفيدرالية لتوفيرها لهم.

وقالت الصحيفة، إن ترامب أجرى عددا من الاتصالات بالحكام ليخبرهم بأنها مسؤولية الولايات ،بينما حذر خبراء صحيون في الولايات المتحدة من عدم وجود أجهزة تنفس اصطناعي كافية في المستشفيات إذا تفشى وباء فيروس كورونا المستجد

ووفق لموقع «أخبار الصحة اليوم» الأمريكي . توقعت جمعية طب الرعاية الحرجة أن 960.000 مريض بالفيروس التاجي في الولايات المتحدة قد يحتاجون إلى وضع أجهزة التنفس الصناعي في مرحلة أو أخرى أثناء الفاشية ،غير أن الدولة العظمى لديها فقط حوالي 200 ألف من الآلات ، حسب تقديرات المنظمة ، وحوالي نصفها من النماذج القديمة التي قد لا تكون مثالية للمرضى الأكثر خطورة، وأيضا ، يتم استخدام العديد من أجهزة التنفس بالفعل من قبل المرضى الآخرين الذين يعانون من أمراض شديدة غير التاجية.

وقال الدكتور لويس كابلان ، رئيس جمعية الرعاية الحرجة ، إن "القضية الحقيقية هي كيفية زيادة إنتاج أجهزة التنفس بسرعة عندما تتجاوز الحاجة الكمية المعروضة"، ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن إدارات عدد من المستشفيات الأمريكية إنه ليس ثم مصدر متاح لتصنيع أو استيراد المزيد من الأجهزة التى تمثل فارقا بين حياة أو موت الحالة المصابة.

وأضافت الصحيفة أن أزمة نقص الأجهزة تواجه بقدر من الاستهانة من قبل المسؤولين الحكوميين الأمريكيين وعلي رأسهم الرئيس دونالد ترامب الذي قال لحكام الولايات الأمريكية "فلتجدوا تلك الأجهزة بأنفسكم".

ووفق كريس جريج متحدث اتحاد الشركات والمصانع الطبية الأمريكية "أدفوميت"،  تستورد الولايات المتحدة نصف احتياجاتها من أجهزة التنفس من شركات أجنبية أبرزها شركتى دروجار وجيدانج وفقا لمنظمة إيكرى لتقييم التكنولوجيا الطبية وبالمقابل توجد أقل من 10 شركات أمريكية تنتج تلك الأجهزة أبرزها جينرال إلكتريك وميدترونيك وهى لا تستطيع توفير الكثير من الأجهزة بالوقت الحالى نظرا لأن بناء الجهاز معقد ويحتاج لمئات القطع المستوردة من الخارج وذلك غير متاح بسبب تصاعد الأزمة بدول الخارج

وقالت وكالة "بلومبرغ" الأميركية، أن  الأطباء والعاملين في ولاية واشنطن وجدوا  طريقة مبتكرة لصناعة أقنعة الوجوه، الضرورية لرعاية المرضى خاصة من كبار السن ،حيث اعتمدوا  على اللوازم المكتبية الموجود في المستشفيات مثل صفائح الفينيل والشرائط اللاصقة والنايلون، وغيرها من المواد المتوفرة التي لا تلفت الانتباه عادة في كل مكان.

وقالت بيكا بارتلز المديرة التنفيذية للوقاية من العدوى في مجموعة مستشفيات سانت جوزيف، إن الكمية الموجود من أقنعة الوجوه تشارف على النفاد ، وأمام هذا الوضع المقلق، عمد خبراء السيطرة على العدوى والجودة في هذه المستشفيات، على تصميم نماذج أولية لكمامات يمكن تحل مكان الكمامات التقليدية لمواجهة فيروس كورونا.

وفي حال لم تتلق مجموعة المستشفيات الكميات المطلوبة من الكمامات، فإنها تحضر خطة طوارئ تقتضي باستيراد مواد خادم من الموردين لاستئناف عملية صناعة الأقنعة بطريقة يدوية في وقت لاحق ، وقالت مسؤولة أخرى في المجموعة، إنه "كان يجب على السلطات الأميركية توقع حدوث نقص في المعدات الطبية"، مشيرة إلى أن البلاد باتت في وضع صعب لا يمكن تجاهله، رغم التحذيرات العديدة في هذا الشأن.

وفي إسرائيل ، أوردت القناة 12 الإسرائيلية وثيقة صدرت عن مدير قسم اللوجيستيات في حالة الطوارئ في وزارة الصحة الإسرائيلية، أظهرت النقص الحاد في أجهزة التنفس من طراز C1 وC6، بالإضافة إلى نقص حاد بالكمامات والملابس والنظارات الواقية للطواقم الطبية والأشخاص بالعزلة.فيما نقلت تقارير صحفية أن رئيس مجموعة علي بابا الصينية للتجارة الإلكترونية، جاك ما، أعلن أنه يعتزم التبرع للحكومة الإسرائيلية بـ50 ألف صندوق معدات فحص كورونا، بالإضافة إلى 10 آلاف كمامة للطواقم الطبية.

وفي دولة عربية كلبنان ، تبين من بين كل عشرة أجهزة تنفّس في لبنان اثنان فقط يعملان، بحسب أمين سرّ نقابة مُستوردي المُستلزمات والأجهزة الطبية جورج خياط الذي يملك إحدى شركات استيراد هذه الأجهزة. خياط أوضح أن في لبنان نحو 500 جهاز فقط، «نحو 20% فقط منها تعمل». أمّا السبب فهو «النقص الحادّ في المُستلزمات الطبية وقطع الغيار اللازمة لها بسبب أزمة الدولار المندلعة منذ أشهر»، في وقت «تتهافت» الدول على شراء هذه الأجهزة ضمن إجراءات الاستعداد لفيروس «كورونا».

إلى ذلك ، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن الانقطاع الحاد والمتصاعد في العرض العالمي لمعدات الحماية الشخصية (PPE)، بسبب الطلب المتزايد والإقبال على الشراء الناشئ عن الهلع والتكديس وإساءة الاستعمال، ما يعرض  الأرواح لأخطار الإصابة بفيروس كورونا الجديد وغيره من الأمراض المعدية.

ويعتمد عاملو الرعاية الصحية على معدات الحماية الشخصية لحمايتهم وحماية مرضاهم من الإصابة بالعدوى ونقلها إلى الآخرين ،غير أن نقص هذه المستلزمات يعرّض للخطر حياة الأطباء والممرضين وغيرهم من العاملين في الخطوط الأمامية لرعاية المرضى المصابين بعدوى كوفيد-19، جراء صعوبة الحصول على إمدادات أساسية كالقفازات والأقنعة الطبية وأجهزة التنفس ونظارات الوقاية وواقيات الوجه والأردية الطبية والمريلات.

وفي هذا الصدد يقول المدير العام للمنظمة، الدكتور تيدروس أدحانوم غيبريسوس، إن "عاملي الرعاية الصحية حول العالم يواجهون خطراً حقيقياً عندما لا تتوفر سلاسل إمداد مأمونة. يتعين على قطاع الصناعة والحكومات أن تتخذ إجراءات عاجلة لزيادة العرض ورفع القيود على الصادرات وفرض تدابير تضع حداً للتكهن والتوجه نحو التكديس. لا يمكننا وقف تفشي عدوى كوفيد-19 دون حماية العاملين الصحيين أولاً".

وقد أخذت الأسعار في الارتفاع منذ بدء تفشي عدوى كوفيد-19، حيث ارتفعت أسعار الكمامات الطبية بستة أضعاف وارتفعت أسعار أقنعة التنفس من نوع N95 بمقدار ثلاثة أضعاف، فيما ارتفعت أسعار الأردية الطبية بمعدل الضعف.

وقد يستغرق إيصال الإمدادات أشهراً برمتها فيما تتفشى ممارسات التلاعب بالأسواق حيث تُباع الأسهم عادةً لمن يطرح السعر الأعلى ،وكانت  المنظمة شحنت أكثر من نصف مليون مجموعة من معدات الحماية الشخصية إلى 47 بلداً*، ولكن الإمدادات تشهد استنزافاً متسارعاً.

واستنادا ًإلى نموذج توقعات المنظمة، يُقدّر عدد الكمامات الطبية اللازمة لأنشطة الاستجابة لتفشي كوفيد-19 بما مجموعه 89 مليون كمامة شهرياً. أما قفازات الفحص الطبي فيُقدّر مجموع الاحتياجات منها بنحو 76 مليون قفاز، فيما يُقدّر الطلب الدولي على نظارات الوقاية بما يصل إلى 1.6 مليون نظارة شهرياً.

ويشير المراقبون الى أن جائحة كورونا قد تؤدي الى تغيير جذري في النظام العالمي ، لكن المؤكد  أنها ستدفع العالم الى مزيد من التواضع أمام قدرات الطبيعة ، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالإنتشار الفيروس على شاكلة كورونا الذي سيجعل كبار واضعي الخطط الإستراتيجية امام تحدّ حقيقي ، يتجاوز بكثير الردع العسكري أو الهيمنة الإقتصادية ، الى تأمين البشرية من أخطار الأوبئة والجوائح ، خصوصا وأنها لا تعتمد على نظام فرز بين الشعوب والدول والفئات والطبقات والأديان والحضارات وإنما تهدد الجميع بلا استثناء