منذ أشهر تشهد ليبيا تصاعد وتيرة الجهود المحلية والدولية للتوصل الى تسوية شاملة في ليبيا تنهي سنوات من الصراعات والانقسامات التي وصلت بالبلاد الى منعطفات خطيرة،لكن هذه المساعي مازالت تصطدم  بالأوضاع الأمنية المتردية وخاصة في المنطقة الغربية حيث تسيطر المليشيات المسلحة على العاصمة وتهدد بافشال أي جهود لارساء سلطة موحدة تنهي الفوضي.

تشهد العاصمة الليبية طرابلس،منذ سنوات انفلاتاً أمنياً وسيطرة لميليشيات مسلّحة على مؤسسات حيوية تابعة للدولة.وفشلت حكومة الوفاق في السيطرة على الأوضاع وتحييد نفوذ المليشيات ذات الولاءات المختلفة.فشل أقر به مؤخرا وزير الداخلية في حكومة الوفاق الليبية فتحي باشاغا،الذي اكد بأنه يواجه مشاكل في معالجة خليط الميليشيات المسلحة المسيطرة على غرب ليبيا.

ونقلت وكالة أسوشييتد برس الأمريكية،عن باشاغا قوله "واجهت مشاكل في معالجة قضية الميليشيات لأن بعضها مسيطرة على جهاز المخابرات ومؤسسات أخرى وشخصيات في الدولة تتحالف معها وتقدم لها الدعم".وقال أنه يعتزم معالجة المشكلة من خلال تحديد الميليشيات التي يجب نزع سلاحها وتلك التي يمكن استيعابها في الأجهزة الأمنية.

وأعلن باشاغا عن تحضيرات لهجوم كبير قادم تشنه القوات التابعة لحكومة الوفاق المدعومة من تركيا في غرب البلاد، للقضاء على المسلحين واستهداف مهربي البشر.وتنشط في ليبيا عصابات متخصصة في تهريب المهاجرين غير النظاميين إلى دول أوروبا، ويدير أفرادها أنشطتهم بعيدا عن أعين الأجهزة الأمنية وأحيانا بالتواطؤ معها،وفق تقارير أممية ودولية.

وفي منتصف شهر أكتوبر الماضي،ألقي القبض على أبرز زعماء التهريب عبد الرحمن ميلاد الملقبّ باسم "البيدجا"،المطلوب للجنائية الدولية والنيابة العامة بتهمة الاتجار بالبشر في طرابلس.ورغم كون البيدجا مطلوبا دوليا، إلا أنه شارك في وقت سابق ضمن قوات الوفاق في الحرب ضد الجيش الليبي بطرابلس.كما شارك في مؤتمرات خارجية خاصة في إيطاليا ممثلا رسميا للدولة الليبية نيابة عن حرس السواحل.

وفي ديسمبر الماضي،رصدت وسائل إعلام محلية ليبية ظهور مهرب تمت معاقبته من مجلس الأمن الدولي، ومطلوب للنائب العام، يدعى محمد كشلاف وكنيته "القصب"، إلى جانب صلاح النمروش، وزير الدفاع بحكومة الوفاق، خلال زيارته لمقر حرس المنشآت النفطية.واعتبر مراقبون أن وجوده بعد اعتقال شريكه عبدالرحمن ميلاد، الملقب بالبيدجا، يطرح تحديًا حول مدى خطط وزارة الداخلية بحكومة الوفاق للتصدي للميليشيات.

وبحسب تقارير اعلامية يسيطر كشلاف على مصفاة الزاوية للنفط منذ سنوات، كما يوصف بأنه "أحد أغنياء وأباطرة التهريب في مناطق الساحل الغربي، علما بأنه يقود ميليشيات تابعة لحرس المنشآت النفطية، وهو مدرج على قائمة عقوبات مجلس الأمن الدولي، التي تشمل حظر السفر وتجميد الأموال. بالإضافة إلى عقوبات محلية من النائب العام في طرابلس.

وتعيد تصريحات فتحي باشاغا القاء الضوء على حجم الخلافات والصراعات في أروقة حكومة الوفاق على النفوذ في المؤسسات والصلاحيات في العاصمة طرابلس،والتي كا أبرزها في اب/اغسطس حين أعلن رئيس المجلس الرئاسي حينها اقالة وزير الداخلية وإحالته على التحقيق في أسلوب معالجته الاحتجاجات التي شهدتها العاصمة طرابلس.وهي الخطوة التي قوبلت باحتفالات من المليشيات التي أطلقت الرصاص في الهواء بميدان الشهداء.

وبالرغم من قبوله التحقيق معه حينها، لم يتردد باشاغا في استعراض سطوته وتحدي قرار تنحيته حين استقبلته مليشيات مدينة مصراتة بـ 300 مدرعة، فور وصوله إلى مطار معيتقه قادما من أنقرة.وزعم باشاغا، في تصريح إعلامي، بأنه يتحدث باسم سبعة ملايين ليبي، وخلق دولة قادرة على المحاسبة وحماية أموالها، مشيرا إلى أن حالة المواطن الليبي صعبة جدا ويعيش ظروف غير ملائمة للحياة".على حد تعبيره.

وزادت ملامح عجز حكومة الوفاق أمام نفوذ المليشيات وضوحا من خلال تصريحات هيثم التاجوري، قائد "كتيبة ثوار طرابلس"،في ديسمبر الماضي حين وصف حكومة السراج، بـ"الهزيلة"،معتبرا أنه لا وجود للجيش والشرطة.وطالب التاجوري،بأن يكون على علم بكل من يريد دخول طرابلس، سواء كانت دوريات، أو أية قوة تريد الانتشار في المدينة، وذلك على خلفية اتهامات كان قد وجهها لوزير داخلية الوفاق فتحي باشاغا، واتهامه بمحاولة السيطرة على مداخل ومخارج العاصمة طرابلس.

من جهة أخرى يؤثر عجز حكومة الوفاق أمام سطوة المليشيات على تنفيذ الاتفاقات التي أسفرت عنها الاجتماعات والمفاوضات بين الفرقاء.ففي وقت سابق،أعلن "لواء الصمود" الذي يقوده صلاح بادي المعاقب دولياً،التابع لحكومة السراج رفضه الانسحاب من مناطق التماس تنفيذاً لدعوات 5+5.وقال الناطق باسمه احميد الجرو على حسابه بموقع فيسبوك : "أستغرب من كتائب تقول أننا سنلتزم بتعليمات 5+5،مع العلم بأن القوات والقوات المساندة تبعيتها لوزارة الدفاع ورئاسة الاركان وليس للجان. قبل تفتح الطريق أفتح دماغك"، وفق قوله.

وبدوره،نفى آمر محور البحر في غرفة عمليات سرت الجفرة التابعة لقوات الوفاق خالد عيسى كرواد، صدور أي تعليمات بالانسحاب من الطريق الساحلي سرت مصراتة.وشدد القيادي في الوفاق في بيان على عدم إخلاء المناطق التي تتمركز فيها مليشياته وعلى جاهزيتها لصد أي هجوم عسكري محتمل للجيش الليبي، وزعم دعم جهود اللجنة العسكرية 5+5 وما ينبثق عنها من اتفاق لحقن دماء الليبيين وإخراج المرتزقة عن أرض الوطن.

وكانت اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، اتفقت في ختام اجتماعاتها في مدينة سرت في نوفمبر الماضي، على فتح الطريق الساحلي بين الشرق والغرب لتسهيل حركة المواطنين، وكذلك إخراج المرتزقة والمقاتلين من خطوط التماس، غير أن تطبيق تلك التفاهمات ما زال يبدو صعبا في ظل عجز حكومة الوفاق عن السيطرة على المليشيات الموالية لها ناهيك عن ارتهانها للاوامر التركية التي تصر على تأجيج الصراعات مجددا.

ودفعت أنقرة بآلاف المرتزقة والارهابيين الى الأراضي الليبية مازاد في تأجيج وتيرة الصراعات في البلاد.وشهدت طرابلس حالة من الاحتقان الاسبوع الماضي بعد تظاهر عدد من المرتزقة السوريين بسبب تأخر رواتبهم ومستحقاتهم المادية.وكشف المرصد السوري لحقوق الإنسان كشف في بيان له، عن تصاعد الاستياء في صفوف المرتزقة السوريين بسبب الاحتيال عليهم ماديًا، عبر المتاجرة برواتبهم الشهرية واقتطاع قسم كبير منها، فضلاً عن التأخير بتسليمهم إياها.

ومنتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، كشف المرصد السوري أن إجمالي المرتزقة الذين أرسلتهم تركيا إلى ليبيا بلغ 18 ألف سوري، إضافة إلى 2500 تونسي، مؤكدًا أن بينهم أطفال أقل من 18 عاما وصل عددهم إلى 350.وأضاف أن 10 آلاف و750 مرتزقا عادوا إلى سوريا بعد انتهاء عقودهم وأخذ مستحقاتهم المالية، مؤكدا وجود 10 آلاف آخرين من الموالين لتركيا، بينهم 2500 من حملة الجنسية التونسية.

وتبدو معظلة المليشيات والمرتزقة أبرز التحديات التي تواجهها ليبيا حيث دعت الولايات المتحدة الأميركية في وقت سابق حكومة السراج الى حل الميليشيات وإدماج بعضها في أجهزة الدولة وذلك لإنهاء الأزمة التي خلفتها تلك المجاميع المسلحة وتداعياتها السلبية على امن البلاد.كما دعا الجيش الوطني الليبي ودول إقليمية مثل مصر في أكثر من مناسبة الى إنهاء ازمة الميليشيات والمرتزقة وهي من اهم الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات الليبية.

فشلت كل مساعي المصالحة الوطنية في ليبيا على مدار الأعوام الماضية، في الانتقال بالوضع الليبي من حالة الفوضى والتردي الأمني إلى الاستقرار وإعادة البناء.وفي الوقت الذي تؤكد فيه التطورات الأخيرة حجم التفاؤل بالتفاهمات بين الفرقاء لإخراج هذا البلد العربي من الأزمات التي يعيش على وقعها منذ سنوات،فان استمرار وجود المليشيات المسلحة والمرتزقة يهدد نجاح أي استحقاقات سياسية قادمة في البلاد.