منذ انسحاب الجيش الوطني الليبي من المنطقة الغربية التي وقعت أسيرة الغزو التركي عبر الآلاف من المرتزقة والارهابيين الذين أرسلهم نظام أردوغان لنهب ثروات البلد الغني بالنفط،عادت الصراعات والانقسامات الى الساحة من جديد،فمع عودة الصراعات الدموية بين المليشيات برزت مجددا الخلافات داخل حكومة الوفاق.

هذه الخلافات تجلت في خطاب أرسله أحد أعضاء المجلس الرئاسي للجهات الرسمية والمعنية بالدولة ومدير إدارة الشؤون القانونية بعدم اعتماد أي خطاب أو قرار يحمل اسم المجلس الرئاسي إن لم يكن ناتجا عن اجتماع للمجلس ككل وليس أحد أعضائه او رئيسه،فيما يبدو أنه مسعى جديد للحد من تفرد رئيس المجلس الرئاسي الليبي فايز السراج بالسلطة.

ووجه أحمد معيتيق،نائبرئيس المجلس الرئاسي الليبي كتاباً بتاريخ الأربعاء 29 يوليو 2020 إلى مدير إدارة الشؤون القانونية والشكاوى في المجلس الرئاسي يعلمه فيه بأنه "يمنع منعاً باتاً إصدار أي قرارات أو تعليمات أو تعميمات باسم المجلس ما لم تكن مقررة في محضر اجتماع رسمي للمجلس الرئاسي".وتوعد معيتيق في الكتاب المسرب مدير الشؤون القانونية والشكاوى بقوله:"وفي حال قيامكم بأي إجراء يخالف ذلك ستعرض نفسك والإدارة القانونية للمساءلة القانونية".

وكان معيتيق قد احتج في وقت سابق على تعيين السراج لوزير في حكومة الوفاق.وكشف معتيق، في كتاب وجهه إلى السراج في حينه، عن اعتراضه على تعيين حميد محمد بن عمر بمهام وزير الصحة بدلًا من الوزير السابق عمر بشير الطاهر، وطالب بإيقاف القرار لمخالفته بنود الاتفاق السياسي، كما قال، وذلك لعدم عرضه على المجلس للمصادقة عليه.

وتنضاف دعوة معيتيق الى دعوة سابقة لنائب رئيس المجلس الرئاسي عبدالسلام كاجمان، الذي وجه خطاباً في شهر حزيران/ يونيو الماضي، إلى محافظ مصرف ليبيا المركزي، ورئيس ديوان المحاسبة، ورئيس هيئة الرقابة الإدارية ووزير المالية، دعاهم فيه إلى "عدم الاعتداد بأي قرار سياسي، أمني، مالي، إداري، تنظيمي يصدر عن رئيس المجلس الرئاسي إلا بعد استناده على محاضر اجتماع رسمية".

وتشير الانتقادات المتصاعدة لفايز السراج، بسبب إصداره قرارات وتعميمات دون الرجوع لبقية أعضاء المجلس،على تصاعد الخلاف داخل المجلس الرئاسي.وتزيد هذه الخلافات من أزمة المجلس الذي شهد استقالة عدد من أعضائه وعلى رأسهم علي القطراني وفتحي المجبري، وعمر الأسود، وموسى الكوني،وهو ما جعل المجلس منقوص الصلاحيات -وفقا للاتفاق الصخيرات الذي أقر أن تكون القرارات بالإجماع.

وتأتي هذه الخلافات في أعقاب أزمة خلفتها زيارة عراب الفوضى والتنظيمات الإرهابية إلى ليبيا برنار ليفي،والتي كشفت عن حجم الصراع داخل حكومة الوفاق.فبعد جدل بين النفي والتهرب من قبل المسؤولين في حكومة السراج، حسم ليفي الأمر بنشره صور من زيارته لمدينة ترهونة الليبية وسط حراسة خاصة من قبل وزارة داخلية الوفاق.

المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية سارع لإصدار بيان، يؤكد فيه أنه لا علم له بالزيارة، ولم يتم التنسيق معه بشأنها، وأنه سيحاسب من نسقها أو رتبها.لكن التأكيدات الرسمية الليبية توضح أن ليفي وصل إلى الاراضي الليبية بعد حصوله على تأشيرة من وزارة الخارجية التابعة لحكومة الوفاق، بل إن الطائرة التي أقلته من مالطا إلى مصراتة تابعة لوزير داخلية الوفاق فتحي باشاأغا.

وأكد مكتب فايز السراج، أن "لا علاقة" له بزيارة ليفي، وأعلن في بيان، أنه أمر "بالتحقيق في خلفية هذه الزيارة لمعرفة كافة الحقائق والتفاصيل المحيطة بها".ووعد مكتب السراج بـ"اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحق كل من يدان بالتورط مشاركاً أو متواطئاً" في تنظيم هذه الزيارة.فيما أعلن فتحي باشاغا أن الزيارة "فردية وليست لها أبعاد سياسية".

وطرح توقيت الزيارة السريّة لبرنارد ليفي إلى مصراتة تساؤلات عدة تؤكد المهمة الخطيرة لعراب الخراب الذي ساهم في نشوب عدة حروب وفي تدمير ليبيا في 2011، فهي تأتي بعد أيام قليلة من اتفاق الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، عبر مكالمة هاتفية، على مواصلة التنسيق والتشاور بين البلدين كفاعلين أساسيين في المنطقة، وإطلاق عدد من المبادرات الرامية إلى ترقية الحلول السياسية للأزمات السائدة هناك.

الخلافات والانقسامات داخل حكومة الوفاق تتزامن مع عودة الصراعات الدموية بين المليشيات المسلحة التي تحالفت في وقت سابق للقتال ضد الجيش الوطني الليبي وسرعان ما عادت الى حرب النفوذ في العاصمة الليبية طرابلس خاصة مع انتشار الآلاف من المرتزقة والارهابيين الموالين للنظام التركي الطامح للسيطرة على البلاد ونهب ثرواتها.

ولم يعد يمر يوم دون اشتباكات بين المليشيات ومحاولات تصفية واغتيالات كان آخرها تعرض القيادي المليشياوي الليبي مفتاح صالح الشاذلي آمر مليشيا "سرية أبابيل" لمحاولة اغتيال، مساء الأربعاء، في العاصمة طرابلس.ونقلت صحيفة "العين الاخبارية" عن مصدر عسكري ليبي إن الشاذلي نجا من محاولة تصفية عقب صدامات مع عدد من قيادات المليشيات الأخرى.

وأوضح المصدر أن آمر مليشيا "سرية أبابيل" من مواليد أكتوبر 1991 ويسكن العاصمة طرابلس، قد تعرض لمحاولة تصفيته دون تحديد الفاعلين، وأنه توعد عقب نجاته بالرد الحاسم عبر حسابه على فيسبوك.وأشار إلى أن "الشاذلي" كان على صدام مع المليشيات الأخرى الموالية لحكومة فايز السراج، وقد سبق وتوعد السراج وحكومته بالجحيم إذا لم يلبوا مطالب من أسماهم بـ"الثوار" وتسليم السلطة لهم.

وتعرض عدد من قادة المليشيات لحملة اغتيالات او تصفية أو اعتقال من قبل نظرائهم في المليشيات الأخرى وسط اندلاع اشتباكات عنيفة.فمطلع يوليو/تموز الجاري قتل عدد من قادة مليشيات طرابلس، التابعين لوزارة داخلية حكومة السراج،في اشتباكات مع مليشيات أخرى تتبع نفس الوزارة في منطقة جنزور، غربي طرابلس.

وفي 11 يوليو الجاري،خرجت مليشيا "ثوار طرابلس"بسيارات عسكرية وأسلحة ومقاتلين،في شوارع العاصمة الليبية طرابلس،في استعراض واضح للقوة من قبل إحدى الفصائل المنضوية ضمن قوات حكومة الوفاق والتي كانت على خلاف قوي مع وزير داخليتها فتحي باشاغا على مدى الأشهر الماضية خاصة أنه يتهم بموالاة ميليشيات مصراتة على حساب نظيراتها في طرابلس، وأنه يخطط لإخراجها من المشهد السياسي والأمني.

ففي مايو الماضي تفجر الخلاف الذي بدأ قبل ذلك بأشهر، بين ميليشيات طرابلس خصوصا كتيبتي "ثوار طرابلس" و"النواصي"، وباشاغا المحسوب على مدينة مصراتة ومسنود من مليشياتها، بعد أن وجه لهما اتهاما بالفساد وباستغلال النفوذ والابتزاز والتآمر ضد وزارة الداخلية واختراق جهاز المخابرات واستخدامه ضد مؤسسات الدولة، كما هدد بملاحقتهم قضائيا.

وتصاعدت حدّة الخلافات بين ميليشيات طرابلس ووزير الداخلية المحسوب على ميليشيات مصراتة التي تمثل تنظيم الإخوان.وبحسب مراقبن فأن باشاغا منذ توليه هذا المنصب، يستهدف بشكل متكرّر ميليشيات طرابلس، من أجل تفكيكها وإنهاء سيطرتها على مؤسسات الدولة خاصة المالية منها، لفسح المجال أمام ميليشيات مصراتة الموالية للإخوان، للاستحواذ على السلطة ومراكز القرار في العاصمة.وفق ما أوردت "العربية نت" في تقرير سابق لها.

وتتصارع مليشيات طرابلس على النفوذ في مناطقها خاصة مع وجود فوارق عقدية وولاءات مختلفة بين الجهوية والانتماءات لتنظيمات إرهابية مختلفة منها الموالي لتنظيم داعش أو القاعدة أو الإخوان.وتعاني العاصمة الليبية منذ سنوات من سطوة المليشيات وانضاف اليها أزمة المرتزقة والارهابيين الموالين لتركيا لتتضاعف معاناة المدينة وأهلها جراء تردي الأوضاع الأمنية والمعيشية.

وبالرغم من اجماع الكثير من المتابعين للشأن الليبي على ضرورة انهاء الصراع المسلح بين الليبيين وووقف التصعيد الأخير خاصة حول مدينتي سرت والجفرة، والذهاب الى طاولة الحوار أملا في الوصول الى تسوية تنهى الأزمة الشائكة،فانهم يشيرون من جهة أخرى الى أن أي استحقاق قادم في ليبيا لا يمكن تحقيقه في ظل وجود المليشيات المسلحة وسيطرتها على مؤسسات الدولة،ويؤكد هؤلاء أن تفكيك المليشيات وانهاء الغزو التركي واستعادة سلطة الدولة من شأنه وضع ليبيا في الطريق الصحيح نحو بداية البناء.