تتسارع الأحداث على تخوم العاصمة الليبية في ظل تصاعد حدة الاشتباكات بين قوات الجيش الوطني الليبي والقوات الموالية لحكومة الوفاق في معركة تستمر منذ الرابع من أبريل الماضي عندما أطلقت القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية عملية "طوفان الكرامة" لتحرير طرابلس من سلطة المليشيات المسلحة وارساء الأمن والاستقرار فيها بعد سنوات من الفوضى.

ومنذ اندلاع الاشتباكات في  العاصمة الليبية،تصاعدت التساؤلات حول تركيبة القوات الموالية لحكومة الوفاق،حيث برزت على الساحة تحالفات بين أبرز المليشيات المسلحة المسيطرة على العاصمة والي تدعي تبعيتها للحكومة وانضمت اليها مليشيات من مناطق أخرى كانت في السابق تتصارع معها حول النفوذ والسلطة.

لكن الأهم من ذلك كان تصاعد الاتهامات لحكومة الوفاق بالتحالف مع المجموعات المتطرفة المصنفة دوليا ارهابية،وبالرغم محاولات حكومة السراج منذ أسابيع على تبديد هذه الاتهامات،فإن الظهور المتكرر لقيادات متطرفة محسوبة على التنظيمات الارهاية تقاتل إلى جانب ميليشيات طرابلس ضد الجيش، يحبط تلك المحاولات ويثير الكثير من التساؤلات.

آخر هذه التساؤلات أثيرت مع ظهور رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج، بجانب القيادي في الجماعة الإسلامية المقاتلة صالح الدعيكي، خلال صلاة عيد الفطر  في ساحة الشهداء في طرابلس،وهو ما أثار جدلا واسعا بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي الأمر الذي اعتبره البعض يدل على علاقة وطيدة بين المجلس الرئاسي والجماعات المتطرفة في ليبيا.

وبحسب بطاقة سابقة صادرة عن الأجهزة الأمنية في ليبيا فإن "صالح هدية الدعيكي" هو من مواليد 1973 بطرابلس كان قد غادر ليبيا عام 1990 إلى أفغانستان للالتحاق بالحرب الدائرة هناك، كما شارك في الحرب الدائرة في أفغانستان بين القوات الأفغانية والقوات الروسية وقد تلقى التدريبات العسكرية اللازمة لذلك، وذلك قبل القبض عليه وترحيله إلى ليبيا.وأدرج الدعيكي في "قوائم الإرهاب" الصادرة عن لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب الليبي في يوم 10 يونيو 2017.

واعتبر مراقبون أن هذا الظهور كشف ارتهان حكومة الوفاق لجماعة "الاخوان" التي تحالفت مع العديد من العناصر الارهابية والمطلوبين لمواجهة الجيش الليبي.ونقل موقع "ارم نيوز" عن أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنغازي، أحمد نجم،قوله، إن رئيس حكومة الوفاق فايز السراج "مغلوب على أمره ولا يعلم خبايا الأمور"، مبينًا أن المحيطين به "يورطونه من خلال جلب المطلوبين دوليًا والمتهمين بالإرهاب، وتصوريهم بجانبه.

وأوضح نجم أن "علاقة المجلس الرئاسي بالجماعات المتطرفة واضحة منذ بداية تأسيسه، لاسيما أن المجلس الرئاسي للحكومة يضم عددًا من المتطرفين، منهم محمد العماري، عضو التجمع الإسلامي والداعم لمجلس شورى ثوار بنغازي وأنصار الشريعة خلال حرب بنغازي، رغم تصنيفه كمنظمة إرهابية من المجتمع الدولي، بالإضافة إلى محمد كاجمان، عضو حزب العدالة والبناء الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين".

وأكد نجم أن تركيبة المجلس الرئاسي الأساسية "تضم طيفًا من الإسلاميين، وبعضهم يحمل ميولًا متطرفة"، مبينًا أن وجود علاقة بين الحكومة والمتطرفين "ليس غريبًا، لاسيما مع وجود ممثلين لهذه المجموعات داخل المجلس الرئاسي".كما أشار إلى أن رئيس حكومة الوفاق، فايز السراج،"مسلوب الإرادة، وأنه رضخ لهذا التيار الإسلامي خلال الحرب الأخيرة، حيث يرى هذا التيار أن ليبيا هي المحطة الأخيرة لسيطرة الإسلاميين في شمال أفريقيا".

ويضع ظهور شخصيات محسوبة على تنظيمات إرهابية إلى القوات الموالية لحكومة الوفاق في موقف صعب أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، خاصة وأنها تصر على نفي مشاركة متطرفين في القتال معها ضد الجيش الوطني الليبي.ونفى فائز السراج ومسؤولون من حكومة الوفاق مرارا وجود مقاتلين ينتمون لتنظيمات إرهابية ضمن قواتهم.

وحاولت حكومة الوفاق الترويج لمحاربتها الارهاب،حيث أعلنت وزارة داخليتها،منذ أسبوع، القبض على قيادي بتنظيم "القاعدة" يدعى علي الطاهر محمد البدري المكني بـ"أبو جندل".وأشارت الوزارة في بيان إلى أنّ الأجهزة الأمنية المختصة بمكافحة الإرهاب تلقت معلومات تفيد بأن "أبو جندل" من العناصر الإرهابية ولديه قيود أمنية، تتعلق بكونه يحمل الفكر الجهادي وينتمي إلى مجموعة تابعة لتنظيم "القاعدة" خلال فترة التسعينات.

وبل ذلك بيومين أعلنت داخلية الوفاق القبض على عدد من المنتمين لتنظيم داعش بينهم أمير ديوان الحسبة للتنظيم خلال أبريل الماضي، بجانب عنصر آخر من تنظيم القاعدة. وذكرت الوزارة في بيان نشرته عبر صفحتها بموقع فيسبوك، أنها نفذت "عددا من العمليات الأمنية بالتعاون المعلوماتي مع بعض الدول الصديقة التي مازالت تدعم جهود الأجهزة الأمنية والعسكرية لحكومة الوفاق الوطني لمكافحة الإرهاب"..

وبدا واضحا أن هذه المحاولات موجهة للخارج،خاصة بعد أن عبّرت دول كبرى عدة ومنظمات دولية عن قلقها من صدور تقارير إعلامية تشير إلى انضواء بعض الإرهابيين والمطلوبين للعدالة بصفوف القوات الموالية لحكومة الوفاق الليبية في معاركها ضد الجيش الوطني الليبي في العاصمة طرابلس.

حيث أصدر الاتحاد الأوروبي بياناً عبّر فيه عن قلق الأعضاء من تورط عناصر إرهابية وإجرامية في القتال، بمن في ذلك الأفراد المدرجون في قائمة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في إشارة إلى المهربين الذين يقاتلون في صفوف الوفاق مثل عبد الرحمن الميلادي "البيدجا" وصلاح بادي وإبراهيم الجضران وغيرهم.

وبدورها أدانت فرنسا من جانبها، في بيان رسمي صادر عن وزارة خارجيتها تورط بعض المجموعات والأشخاص، الموضوعين على لائحة الأمم المتحدة للعقوبات، مثل المهرّب المعروف عبد الرحمن الميلادي المعاقب فرنسياً وأممياً، وقائد لواء الصمود صلاح بادي، وإبراهيم الجضران، وغيرهم من المتطرفين المرتبطين بتنظيم القاعدة وعلى رأسهم زياد بلعم، وكلهم من المقاتلين بصفوف القوات الموالية لحكومة الوفاق.

ويتهم الجيش الليبي والأطراف السياسية الداعمة له حكومة الوفاق بالتعاون مع التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيم داعش، لاسيما بعد الهجمات التي شنها التنظيم مؤخرا على تمركزات للجيش في الجنوب.وكانت الحكومة المؤقتة،قالت في 6 مايو،في أعقاب الهجوم الإرهابي الغادر الذي تعرض له أحد مقرات القيادة العامة للقوات المسلحة في سبها،أن هذا "الهجوم الغادر والجبان أثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الحشد الميليشياوي الإرهابي الذي تقاتله القوات المسلحة الآن في طرابلس وضواحيها يضم في صفوفه عناصر تنظيم داعش الإرهابي وما إشادة عدد من الميليشيات وقادتها بهذا الهجوم إلا خير دليل على ذلك".

وكشفت معركة طرابلس عن انتشار العديد من العناصر الارهابية الفارة من مناطق في شرق وجنوب البلاد وانضمامها للقتال في صفوف المليشيات ضد الجيش الليبي على غرار فلول مجالس شورى بنغازي وإجدابيا ودرنة الفارة من المنطقة الشرقية وبقايا تنظيم أنصار الشريعة وتنظيم القاعدة الفارة من صبراتة وسرت ومناطق الجنوب.

كما تصاعدت مؤخرا التحذيرات من انتقال عناصر ارهابية الى ليبيا عن طريق دول تسعى لمنع سقوط المليشيات الموالية لها في العاصمة طرابلس.وكشفت تقارير اعلامية أن تركيا كثفت من عمليات تجميع العناصر الإرهابية الفارة من المعارك في سوريا، خاصة أفراد تنظيم "جبهة النصرة؛ حيث شرعت في نقلهم جواً إلى الأراضي الليبية لدعم الميليشيات المسلحة.

وتنخرط تركيا بصفة كبيرة في الصراع الدائر في العاصمة الليبية حيث تدعم المليشيات الموالية لها والتي تعتبر رهانها الأساسي لنهب ثروات ليبيا.وأعلن الجيش الوطني الليبي، أن مقاتلاته الجوية أسقطت في ساعة مبكرة من صباح أمس، طائرة تركية مسيّرة قامت بالإغارة على قواته في العاصمة طرابلس، مؤكداً نجاحه في تدمير الطائرة أثناء هبوطها في المدرج الذي خرجت منه في قاعدة معيتيقة، دون تسجيل ضحايا أو تأثر حركة الملاحة الجوية..

ونقلت صحيفة "الشرق الأوسط" عن اللواء عبد السلام الحاسي قائد مجموعة عمليات المنطقة الغربية بالجيش الوطني قوله أن إسقاط الطائرة التي تعد ثاني طائرة تركية من نوعها يسقطها الجيش منذ بدء معركة تحرير طرابلس في الرابع من أبريل/نيسان الماضي، يعنى أن "تركيا هي من تحارب الجيش الوطني عبر إرسالها طائرات ومدرعات إلى الحكومة غير الشرعية".

ويجمع المراقبون،على إن حكومة الوفاق رهينة للميليشيات والتنظيمات الارهابية التي تتلقى الدعم التركي في محاولة لعرقلة تحرير العاصمة طرابلس.ويؤكد هؤلاء أن محاولات حكومة الوفاق التأكيد للمجتمع الدولي أنَّها بعيدة عن التعامل مع الإرهابين والمطلوبين باءت بالفشل في ظل المؤشرات المتصاعدة على الأرض التي تؤكد عكس ذلك وهو ما يمثل ضربة قوية لحكومة السراج من شأنها التأثير على الاعتراف الدولي بها.