"العثمانية الجديدة"، التي تلخص البرنامج الاستراتيجي لحزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس التركي رجب أردوغان، لها جانبان داخلي وخارجي، والأخير هو ما يهمنا في هذا المقال، حيث يمتد إلى ما خارج تركيا، في استراتيجيات متنوعة حسب الدول وارتباط تركيا به.

العالم العربي وشمال إفريقيا، يدخل ضمن ما تسميه تركيا الأردوغانية "المجال العثماني" والذي يشير إلى أن نفوذ الخلافة العثمانية يعتبر أساس السياسة الخارجية المعتمدة في علاقة تركيا بهذه الدول الآن.

 وتهتم تركيا الأردوغانية بالإضافة إلى نشر نموذج الرؤية السياسية لحزب العدالة والتنمية، بجانبين وهما نشر" الإسلام التركي" والليبرالية الاقتصادية بصيغتها الخاصة، ولهذا تستثمر تركيا في الترويج لرفاهيتها الاقتصادية ولانسجامها عصريا مع قيم الإسلام.

 للترويج لنموذج " الإسلام التركي" والرفاهية وحرية الاستثمار والإقامة في بلدان " المجال العثماني"، اتبعت تركيا ذات الاستراتيجية التي تعتمدها إيران في خلق كيانات تابعة داخل البلدان المستهدفة "منظمات واحزاب تعتبر دول داخل دول"، حزب الله الحوثي نماذج معبرة، منفذة لرؤى طهران ،دينيا واقتصاديا وتخريبيا وحربيا"

 في ذات الإطار، تعمل تركيا أردوغان، ولعل ذلك كان سببا رئيسيا في خلاف الرئيس رجب مع رفاقه في حزب العدالة والتنمية من قبيل صاحب كتاب " صفر مشاكل" والمنظر الرئيس لتركيا العدالة والتنمية كنموذج ماليزي في الشرق الأوسط، وزير الخارجية والوزير الأول السابق داود أوغلو، وكذا الرئيس السابق عبدالله غول. 

استغل الرئيس أردوغان، انبهار قوى الإسلام السياسي في العالم العربي، وخاصة في شمال إفريقيا ليرسم خططه للتغلغل داخل الفضاء الذي يعتبره فضاءا " عثمانيا" حان الوقت للعودة إليه وحكمه ،ولو بطريقة غير مباشرة.

 في تونس  كما ليبيا، ارتبط حزب العدالة والتنمية التركي بعلاقات متينة مع حزب النهضة التونسي وحزب العدالة والبناء الليبي، وعبر النهضة نفذ إلى جوار "الفضاء العثماني" مستغلا شعبيته الكبيرة والتقدير خاص لدى نخب وقواعد تنظيمات الإخوان المسلمين بشمال إفريقيا والشرق الأوسط، ليرتبط بعلاقات مع حزب العدالة والتنمية المغربي، إذ لا يخف منسق العلاقات بين الحزبين "الإسلاميين" المغربي إدريس بوانو، استفادة حزبه من تجربة إسلاميي تركيا، لكنه يؤكد أن تلك العلاقات تقوت أكثر في عهد عبد الاله بنكيران وأثمرت توقيع اتفاق التبادل الحر بين المغرب وتركيا.

وعبر النافذة التركية الأردوغانية، تتشابك علاقات الأحزاب الإسلامية المغاربية، العدالة والبناء الليبي مع حركة النهضة التونسي والعدالة والتنمية المغربي، وخلفهما وعبر دائرة أخرى جماعات عدة وعلى رأسها جماعة العدل والاحسان المغربية المحظورة.

وهذا يظهر بشكل واضح من خلال  مشاركة الذراع الدعوي لحزب العدالة والتنمية "حركة التوحيد والإصلاح"، وجماعة العدل والإحسان، في قمة كوالالمبور الإسلامية، أثارت كثيراً من الأسئلة، والتي دعا لها وحضرها قمة زعماء كلّ من دول قطر وإيران وتركيا، وفتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان ونائب أمينها العام، وعمر أمكاسو، عضو مجلس الإرشاد.

وعن حركة التوحيد والإصلاح، التي تُعدّ الجناح الدعوي لحزب العدالة والتنمية، حضر كلّ من عبد الرحيم شيخي، رئيس الحركة ذاتها، وامحمد طلابي.

 رعاية تركيا لجماعة العدالة والبناء الليبي وعلاقاتها القوية بحزب العدالة والتنمية المغربي، كان صلة الوصل الرئيسية في تشابك العلاقات بين الحزبين، الليبي والمغربي، فقلما يزور مسؤول ليبي منتمي لهذا الحزب المغرب دون أن يعقد لقاء جانبية مع أعضاء من حزب العدالة والتنمية المغربي، لرسم الاستراتيجيات  المعدة سلفا في أنقرة منها ما هو سياسي وجمعوي واقتصادي.

وهذه اللقاءات تتواصل في أشكال متعددة ولعل آخرها في زيارة رئيس مجلس الدولة الليبي خالد المشري للمغرب.

في فترة ما بعد" 17فبراير" في ليبيا، عين في المغرب، سفيرا ليبيا جديدا من مدينة مصراته، وكانت المصالح الليبية في المغرب تتخبط بسبب أطماع البعض وتغير الاحوال السياسية، لهذا ظهرت عدة مشاريع في السفارة ،قيل أنها لتعميق الترابط مع الجانب المغربي، بينما كانت الأهداف خفية.

من هذه المشاريع، مشروع كان يديره منسق العلاقات بين حزب العدالة والتنمية المغربي والتركي، ادريس بوانو سالف الذكر، ويتخلص في قيام الجانب الليبي بتمويل تدريبات لأطر ليبية مهندسين وتقنيين واستراتيجيين، على ان يتولى الجانب التركي التدريب والجانب المغربي الاستضافة واللوجستيك، ويستمر لسنوات، عقدت الاتفاقية مع شركة يرأسها ذات المنسق، لكن التمويل الكبير "بالدولار" وشك السلطات المغربية في خفايا المشروع الضخم، اوقف المشروع.

تفاجأ من حضروا المنتدى الاقتصادي الليبي بالمغرب مؤخرا في الرباط وطنجة، بأن الهيئة التي تشرف على المنتدى اعلاميا هي ذات العناصر المكلفة بالتواصل في رئاسة الحكومة المغربية بقيادة زعيم حزب العدالة والتنمية المغربي الدكتور سعد الدين العثماني.

وكان أهم الحضور بالإضافة إلى وزراء حكومة السراج، السفير التركي بالمغرب والقطري ومسؤولي شركات كبيرة في البلدين، أحد كبار رجال الأعمال الليبيين الذين ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين ويقيم بين تركيا والمغرب ولندن .

 وعندما تساق الأمثلة الناجحة لآخر أنجح الاستثمارات الليبية في المغرب، تجد أنها شركات ثلاثية بين إخوان مسلمين من المغرب وتركيا وليبيا، وفي مجالات استراتيجية طب العيون والمصحات والمدارس التعليمية وشركات النسيج.