تعيش الجماعات الجهادية التونسية حالة من التحولات التنظيمية والتكتيكية، منذ أكثر من عام، في أعقاب الهزائم التي تعرضت لها الجماعات الأم، داعش والقاعدة في سوريا وليبيا والعراق. الأوضاع الجديدة فرضت على المجموعات الموالية في الداخل التونسي إلى تغير طريقة عملها في مواجهة الدولة.

فمنذ العام 2012، العام الذي انطلقت فيه الحرب بين المجموعات الجهادية والأجهزة الأمنية والعسكرية التونسية، كان تكتيك هذه المجموعات يقوم على الهجمات المركزة والكمائن ضد رجال الشرطة والجيش والهجمات المسلحة ضد المصالح الاقتصادية وخاصة السياحية، كما حدث في منتجع مدينة سوسة وفي متحف باردو في العام 2015. أو من خلال زرع الألغام في الجبال للإيقاع بعناصر الجيش. وهذه التكتيكات كانت تعتمد على الأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة، لكن المجموعات الجهادية بدأت تخطط لإدخال أسلحة جديدة لحلبة الصراع، على غرار الدهس والطعن واستعمال الغازات والطائرات المسيرة، والأخطر من ذلك الانتحاريون بالقنابل البدائية. 

وقد شهدت تونس نهاية يونيو المنقض هجمات متزامنة استهدفت، القوى الأمنية في العاصمة التونسية وأسفرتا عن مقتل رجل أمن وسقوط ثمانية جرحى.

لكن تأثيرات هذه الهجمات – على الرغم من اعتمادها على مواد بدائية -تتعلق بمواقع تنفيذها وزمانها. فالهجوم الانتحاري الأول في شارع الحبيب بورقيبة، قلب العاصمة تونس وأحد الأماكن شديدة الرمزية في البلاد، يعطي انطباعاً عاماً بنجاح المجموعات الإرهابية في اختراق التحصينات الأمنية المشددة، خاصة وأن مكان الهجوم لا يبعد إلا أمتاراً قليلة عن مبنى السفارة الفرنسية، وفي الشارع نفسه يقع مبنى وزارة الداخلية التونسية. أما الهجوم الثاني فقد استهدف مرأب مبنى الوحدة الوطنية لمكافحة الإرهاب، وهي الجهاز الأمني المكلف بتعقب الشبكات الإرهابية. 

وترتبط تأثيرات الهجمات بالمكان فقط. بل إن وقوع الهجمات في نهاية شهر يونيو، يمكن أن يؤثر بشكل كبير على الموسم السياحي، الذي تعول عليه الحكومة التونسية لضخ تمويلات في خزائن الدولة، والتحضيرات لإنجاح هذا الموسوم لم تتوقف منذ أشهر. لذلك فإن هجمات متزامنة وفي أماكن ذات رمزية سيادية يمكن أن تؤثر على نظرة السياح وشركات السفر. مع أنه حتى الأن لم تسجل السلطات أي عمليات إلغاء حجوزات في الفنادق أو في وكالات الأسفار.

ويكشف هذا التحول عن حالة الضيق التي تعاني منها المجموعات الجهادية في الجبال وخلاياها النائمة في المدن. حيث لم تعد تستطيع تمرير الأسلحة، بعد فرض طوق صارم على الحدود الليبية والمسارات الخلفية لتمير السلاح نحو الحدود الجزائرية منذ العام 2016. كما تعاني من أزمة مالية خانقة، حتى أنها بدأت في الأشهر الأخيرة تعتمد على عمليات السلب والنهب لتغطية نفقات نشاطها ففي حادثة غير مسبوقة، شهدت تونس في الأول من أغسطس الماضي، عملية سطو مسلح على بنك، في محافظة القصرين التونسية الواقعة على الحدود مع الجزائر، نفذتها مجموعة إرهابية، وهي المحافظة نفسها التي يتمركز في جبالها مجموعات جهادية بعضها تابع لتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وبعضها الأخر موالٍ لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

أزمة التسليح والأزمة المالية دفعت هذه المجموعات إلى التفكير في بدائل جديدة للمواجهة مع الدولة لكن بنفقات وتكاليف أقل. وهذا التكتيك يسميه بيتر نيومان، أستاذ الدراسات الأمنية، والمدير المؤسس للمركز الدولي لدراسة التطرف (ICSR)، التابع لكلية كينغز في لندن بــ "إرهاب الدولارات الصغيرة"، الذي يعتمد على هجمات فردية أو تنفذها خلايا صغيرة بوسائل بسيطة وغير مكلفة كالدهس بالسيارات والطعن بالأسلحة البيضاء أو بالطائرات الصغيرة المسيرة. فالهجمات الهجمات الفردية تبدو رخيصة. بل إن بعضها ليس لديه أي تكلفة مالية على الإطلاق. وفي معظم الحالات، يتم تمويلهم من قبل الإرهابيين أنفسهم حيث يستخدمون مدخراتهم ورواتبهم وأموالهم التي اقترضوها من أصدقائهم أو أهلهم. أو يتم تمويلها من عائدات الجريمة. الاتجار بالمخدرات والسرقات وعمليات السطو والتداول في سلع مقلدة.

لكن الأزمات اللوجستية والمالية التي تعيشها الجماعات الجهادية في تونس، والتكتيكات البدائية التي تسلكها اليوم، لا يعني أن خطرها قد تلاشى أو ضعف. على العكس تماماً، يمكن أن تشكل هذه الهجمات الفردية بالوسائل البدائية خطراً لا يقل كارثية عن الهجمات المسلحة. وذلك لصعوبة تعقب الأفراد أو استباق هذه الهجمات، وخاصة عمليات الدهس التي أصبحت ضمن التكتيكات الأكثر استخدامًا من جانب التنظيمات الإرهابية لأنها تستهدف الجموع وبوسائل بسيطة وليست في موضع الشبهة الأمنية. وقد شهدت الدول الأوروبية العشرات من العمليات في المواقع السياحية وفي الساحات العامة وكان لها اثار اقتصادية وإنسانية فادحة. ورغم الاحتياطات الأمنية المشددة في البلاد فإن الأجهزة الأمنية ستكون أمام تحدي كبير في التنبؤ بهذه العمليات أو منع وقوعها.

وكانت قيادة تنظيم داعش قد دعت أنصارها وعناصرها، في أعقاب الهزائم التي تلقتها في العراق وسوريا وليبيا بداية من العام 2016 إلى تنفيذ هجمات إرهابية بأبسط الوسائل والموارد المتاحة لديها وكان القيادي البارز في تنظيم داعش أبو محمد العدناني قد طالب في تسجيل صوتي في مايو 2016، عناصر التنظيم وأتباعه، والمتعاطفين معه باستخدام جميع الوسائل المتاحة لتنفيذ الهجمات الإرهابية، مثل، الطعن، أو القذف بالحجارة، أو الدهس بالسيارة، وذلك في حالة ضعف خبراتهم القتالية، وعدم قدرتهم على الحصول على متفجرات أو أسلحة بسبب الإجراءات الأمنية المشددة.

ورغم تحسن الوضع الأمني، لا تزال حال الطوارئ سارية في تونس منذ نوفمبر 2015، حين قُتل 12 عنصرًا في الأمن الرئاسي وأصيب عشرون آخرون في هجوم انتحاري استهدف حافلتهم بوسط العاصمة تونس وتبنّاه تنظيم الدولة الإسلامية. وكانت تونس قد شهدت في أكتوبر الماضي عملية انتحارية في شارع بورقيبة، غير بعيد عن مكان هجوم اليوم، عندما أقدمت فتاة على تفجير نفسها وسط تجمع للشرطة، وقد أدى الهجوم بحسب وزارة الداخلية، إلى مقتل الانتحارية وسقوط 20 جريحاً، موزعين بين 15 أمنياً و5 مدنيين بينهم طفلان.