في بداية العام 2011 عاشت تونس على وقع تحولات علّق التونسيون عليها آمالا كبيرة و أحلاما "زهرية" كانت دفينة لسنوات طويلة. تحولات  فتحت آفاقا جديدة نحو نهج سياسي جديد شعاره الديمقراطيّة، و الأمل في حياة سياسية تعددية من شأنها النهوض بالوضع العام للبلاد اجتماعيا واقتصاديا

منذ 14 يناير 2011 و الأمل بحياة سياسية مستقرة تساهم في إصلاح الوضع العام، يراود التونسيين ولكن المد و الجزر الحاد أبى إلا أن يجعلها أكثر تعقيدا و ارباكا و "إحباطا" فتوالت الحكومات وتعددت. وكلما بدأت حكومة في مشروع إما فشلت فيه أو طالب الجميع باستقالتها لعجزها أو لطفو ملفات فساد داخلها. شبح االفشل ظل يطارد أحلام التونسيين في كل حكومة يتم تشكيلها بعد أخذ و رد و مشاورات و انتخابات، ليعود الوضع من جديد إلى نقطة الصفر، ويطرح سؤال جوهري هو متى ستغادر أحلام هذا الشعب البدايات؟

سحب الثقة من حكومة الفخفاخ..تواصل للأزمة أم "يبطى شوية" ؟

بعد مرور 10 سنوات على تحولات يناير تعاقبت على الدولة التونسية 11 حكومة كاملة آخرها حكومة الفخفاخ التي ينادي الكثيرون بسحب الثقة منها بعد 4 أشهر من تشكيلها و بداية عملها، كان معظمها في الحجر الصحي الشامل أين شهدت البلاد كغيرها من البلدان سبات شبه كلي، و كانت محاربة الجائحة الوبائية أبرز تحديات الحكومات العالمية عامة و الحكومة التونسية خاصة، و قد نجحت بشكل عام في السيطرة على الوضع والحفاظ على استقرار الوضع الوبائي وعودة الحياة الطبيعية و فتح الحدود منذ بداية شهر يونيو.

لكن ملف "شبهة فساد" تحوم حول رئيس الحكومة التونسي الحالي، جعل الكثيرين من سياسيين و مجتمع مدني و مواطنين ينادون بسحب الثقة من حكومته بل وطالبوه أثناء جلسة الإستماع بعد 100 يوم عمل بتقديم استقالته. و قد أثارت الجلسة العامة لنواب مجلس الشعب التونسي التي عقدت يوم الخميس 25 يونيو 2020، خلال حوار تقييمي مع رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ حول فترة المائة يوم الأولى من العمل الحكومي وبرنامج مرحلة ما بعد الجائحة الوبائية، جدلا واسعا لما شابها من توتر و مداخلات مشحونة و حتى كلمة رئيس الحكومة التونسية إلياس الفخفاخ لم يخرج منها الشعب التونسي و المتابعين و النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي إلا بعبارة "يبطى شوية". حيث قال عياض اللومي القيادي في قلب تونس ورئيس لجنة التحقيق في شبهة تضارب المصالح المتعلقة برئيس الحكومة موجها حديثه للفخفاخ في ذات الجلسة  "مدام ولات فاها يبطى شوية  بيناتنا القضاء"، لمشيرا إلى أن الفخفاخ ليس فوق الشبهات لأن هذا ملف فساد خطير، مؤكدا أنه أخذ الصفقة بعد تسلمه لمنصب رئيس الحكومة معتبرا ان تصرف الائتلاف الحاكم يندى  له الجبين.

و تشهد هذه القضية منذ أيام تطورات لافتة حيث أكد رئيس هيئة مكافحة الفساد شوقي الطبيب خلال جلسة برلمانية أن ما فعله الفخفاخ يعد مخالفا للقانون والدستور، وهو مايضع حكومته و مستقبلها السياسي على المحك، و أوضح وزير الدّولة لدى رئيس الحكومة المكلّف بالوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد،محمد عبو، أن موقفه و موقف  التيار الديمقراطي من رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ مرتبط بنتائج التحقيق حول شبهة الفساد المتعلّقة به، مؤكدا على ثقته في الهيئة العامّة للمصالح العموميّة وفي الهيئات الرقابيّة التي كلّفها بفتح تحقيق في شُبهة تضارب المصالح التي طالت رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ. 

وأضاف عبو أن هناك ضغوطات مسلّطة على رئيس الحكومة واتهامات من الرأي العام والمعارضة وبادر بدوره بفتح تحقيق في الغرض، الذي من المنتظر أن تتبيّن نتائجه بعد ثلاث أسابيع بداية من الخميس الفارط 25 جوان. وأشار أنّ نتائج التحقيق مهمّة بالنسبة للتيار الديمقراطي، وأكّد عبو أنّه في خدمة التونسيّين وليس هدفه إرضاؤهم ''ليست غايتي إرضاء التونسيين بل خدمتهم''.و انه في حال ثبوت "شبهة الفساد و تضارب المصالح" سيكون أول المطالبين باستقالة رئيس الحكومة التونسية الحالي إلياس الفخفاخ.

صراعات و"شلل نيابي" تحت قبة البرلمان التونسي

وصفت العديد من الصحف التونسية والعربية ما يحدث من تجاذبات وصراعات تحت قبة البرلمان التونسي بـ" الشلل البرلماني" و اعتبره الكثيرون عرقلة للمسار الديمقراطي الذي قامت عليه الثورة و خروجا من السعي إلى المصلحة العامة الشعبية إلى المصالح الحزبية الخاصة و الضيقة. وهناك صور كثيرة من المشاحنات و الصراعات و الفوضى سادت البرلمان و أثارت جدلا واسعا.


وفيما تؤكد حركة النهضة الإسلامية في عديد تصريحاتها " إنه لا وجود لأزمة سياسية في البلاد، مشيرة أن مؤسسات الدولة "متماسكة" هناك آخرون   يعتبرونها  "رجلا مريضا" في الحياة السياسية التونسية. وقد علت أصوات كثيرة تنادي باستقالة راشد الغنوشي من رئاسة البرلمان، أصوات من داخل البرلمان وخارجه معتبرين "أن الأزمة السياسية الخانقة التي تمر بها البلاد تعود أساسا إلى سيطرة حركة النهضة الإخوانية على مقاليد السلطة وهيمنتها على المواقع الحساسة و الهامة في البلاد"، حسب تعبيرهم.

وقد دعت الهيئة السياسية لجبهة الإنقاذ في تونس، الاثنين 8 يونيو 2020، إلى حل البرلمان واللجان والهيئات المنبثقة عنه، وانتخابات برلمانية مبكرة، وتشكيل حكومة مصغرة لتصريف الأعمال، وذلك بعد أيام من مساءلة برلمانية لرئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، بعد تدخله في الشأن الليبي بتهنئته لرئيس حكومة الوفاق فائز السراج باسترجاع مناطق كانت تحت سيطرة الجيش الليبي.

كما دعت الجبهة إلى الاستفتاء على النظام السياسي، واعتماد نظام رئاسي ديمقراطي، وتنقيح قانون الأحزاب وتضم جبهة الإنقاذ أحزابا  وشخصيات سياسية ومكونات أخرى.كما صاحبتها احتجاجات ومطالب شعبية "باستقالة الغنوشي معتبرة أن مسار الثورة حاد كثيرا بعد سيطرة حركة النهضة على الوضع السياسي".

هجمة شرسة على الاتحاد العام التونسي للشغل وتهديدات باغتيال أمينه العام


يشهد الاتحاد العام التونسي للشغل منذ فترة "هجمات شرسة " تتمثل باتهام قيادات المنظمة بالفساد وهو ما نفاه الاتحاد في أكثر من مناسبة بل دعت قيادته الى التوجه الى القضاء وتقديم الملفات في حالة وجودها. وأكد الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل أن المنظمة "تتعرض إلى هجمة شرسة من قبل بعض الفقاقيع الجديدة والمراهقين السياسيين الجدد."

و أضاف في تصريحات له يوم 27 يونيو 2020،" نريده قضاء عادلا منصفا لأن مصلحتنا في ذلك ، لكن للأسف الشديد القضاء مسيطر عليه بعض الطيف السياسي وكل القضايا قبرت انطلاقا من قضايا الاغتيالات السياسية ، واعتداءات روابط حماية الثورة أو هكذا يسمون أنفسهم وهم في الواقع روابط سفك الدماء ..اعتداءات 9 ابريل على اتحاد العام التونسي للشغل كل هذه القضايا لا حياة لمن تنادي"

و قد بلغت التهديدات حد المطالبة" باهدار دم الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل"، الذي استنكرته رئاسة الجمهورية و رئاسة الحكومة وعديد الأحزاب السياسية و المجتمع المدني و العائلة النقابية الموسعة و اعتبروا التعدي على المنظمة العمالية إعتداءا على التاريخ الوطني لما يحتله الإتحاد العام التونسي للشغل من مكانة هامة في الحياة السياسية و الاجتماعية منذ تأسيسه.

وضع سياسي حرج و متأزم تعيشه تونس، من شأنه أن يؤثر سلبا على الوضع الوبائي والاجتماعي و الاقتصادي الصعب الذي تعيشه." لعنة سياسية" طاردت البلاد منذ ثورة 14 يناير، تتسبب في "شلل حاد" على كل الأصعدة، حيث يعتبر الاستقرار السياسي العمود الفقري للنهوض بالأوضاع  وتعديل مسار الثورة وتحقيق أهدافها. لكن بعد 10 سنوات مازال الوضع في حالة جزر متواصل أمام تطلعات شعب ينتظر مدا يروي يابسة "الخيبات السياسية" المتواصلة.