منذ اندلاع الأزمة الليبية سنة 2011 كان التوجّه التركي واضحا حيال المستجدات بالبلاد إذ وجّه كل تركيزه  نحو المصالح التركية الاقتصادية في ليبيا التي تقدر  بنحو 15 مليار دولار، كما تشكل السوق الليبية أبرز أهم النشاطات التركية ويوجد نحو 120 شركة تركية.

السوق الليبية المغرية دفعت الأتراك للتحرك بكل إمكانياتها لا الإقتصادية فقط حيث تصاعد الانخراط التركي في الصراع الليبي، وذلك عبر تكثيف عمليات تهريب الأسلحة والمقاتلين من تركيا إلى ليبيا، سواء كان ذلك جوًّا أو بحرًا، خاصةً في ظل الهزائم المتتالية لميليشيات حكومة الوفاق في مواجهة الجيش الوطني الليبي.

ولا تُعد هذه الممارسات التركية بالسلوكيات المعزولة أو الظرفية، إذ لم تتوانَ أنقرة على مدار السنوات الماضية عن محاولات تهريب الأسلحة إلى ليبيا بما يُعدّ خرقًا لقرار مجلس الأمن رقم 1970 الصادر في مارس 2011، وهو القرار الذي تمَّ تجديده بإجماع أعضاء مجلس الأمن في 10 يونيو الماضي، حيث تمَّ ضبط حمولة تركية بها حوالي 32 مليون طلقة ذخيرة للبنادق الهجومية والرشاشات، كانت في طريقها إلى الميليشيات المُسلَّحة في طرابلس في نوفمبر 2014، وكذلك في ديسمبر 2014 تمَّ اعتراض أربع حاويات من الأسلحة قادمة من تركيا، وفي يناير عام 2018 أعلنت اليونان عن ضبط سفينة تركية كانت متجهة إلى ليبيا، وعلى متنها حوالي 500 طن من المتفجرات، وفي ديسمبر 2018 تمَّ ضبط حاوية تحوي أسلحة وذخيرة قادمة من تركيا، ومن ضمن الأسلحة المضبوطة 4.3 ملايين رصاصة وحوالي 400 بندقية و3000 مسدس.

ولا تخفي تركيا سياساتها الداعمة للجماعات الإسلامية في العالم العربي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، خاصة في ظل سياسة حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم الحريصة على تقديم نفسه كحزب إسلامي، ومنذ وصوله إلى الحكم في عام 2002، أضحت سياسة تركيا الخارجية تنحاز إلى هذه الجماعات في تحركاتها ضد الدول الحاضنة لها، بالنسبة لليبيا قدمت تركيا الدعم للجماعات الإسلامية بعد سقوط الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، مرورًا بدعم جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والجماعات المسلحة في سوريا، وعليه فإن السياسة التركية ترتسم في اتجاه واضح وهو تبني التحالفات مع الجماعات الإسلامية في العالم العربي.

فالرهان التركي على الإخوان في ليبيا ليس مردّه فقط التطلع نحو استعادة الريادة الإخوانية بل أن المعطى الإقتصادي مثّل عاملا مهما في هذا الخيارحيث بدأت تركيا بالتغلغل في النشاطات الاقتصادية لعدد من المؤسسات الليبية في وقت توقفت مشاريع بمليارات الدولارات منذ عام 2011.

إذ تهدف تركيا إلى استثمار التدهور في الوضع الليبي من أجل انتشالها من أزماتها الاقتصادية المتفاقمة عبر تعزيز العوائد المالية لتدفُّق الأسلحة المُهرّبة إلى ليبيا، حيث إن الحكومة التركية تسعى إلى زيادة صادراتها من الصناعات الدفاعية خلال عام 2019 إلى نحو مليارات دولار، بعد أن بلغت في عام 2018 حوالي 2.2 مليار دولار فقطوفي هذا الإطار، فإن ليبيا الغنية بالموارد الطبيعية، تعتبر فرصة سانحة من أجل زيادة مبيعات الأسلحة جنبًا إلى جنب مع وجود مخططات تركية من أجل الاستفادة من اكتشافات الطاقة في البحر الأبيض المتوسط، خاصةً في ظل الإخفاقات الكبيرة للاقتصاد التركي الذي حقَّق معدل نمو منخفض للغاية خلال عام 2018 بلغ 2.6% فقط وفق بيانات معهد الإحصاء التركي في مقابل 7.4% في عام 2017. كما يشير تقرير صادر عن وكالة "بلومبرجفي يوليو الجاري، إلى أن تركيا تستهدف من دعمها حكومة "السراجاستئناف مشاريع البناء التي تبلغ قيمتها حوالي 18 مليار دولار".

وفى ضوء دعم تركيا لقطاعات من الفصائل والجماعات المتطرفة النشطة فى ليبيا، وطدت أنقرة علاقتها بأطراف رسمية وغير رسمية فى الداخل الليبي، ما كان سببا فى تسرب ملايين الدولارات من الثروات الليبية للبنوك التركية،حيث كشفت تقارير أن جماعة الإخوان المسلمين حولت ملايين الدولارات إلى الليرة التركية في إطار جهود مكثفة يقودها الليبي علي الصلابي في طرابلس.

وعملت الجماعة عبر وسائل إعلامها على ترويج دعايات تدعو الليبيين لتحويل الدينار الليبي إلى تركيا.

ورغم أنه من الصعب التأكد من قيمة تلك التحويلات المالية، إلا أن سيطرة قيادات إخوانية على مفاصل هامة في الاقتصاد الليبي بما فيها المصرف المركزي ما سهل تلك الجهود.

في سياق متصل،تمثل مشروعات إعادة الإعمار كعكعة تسيل لعاب شركات المقاولات والبناء التركية، على الرغم من استفادة أنقرة من حالة الفوضى التي تعيشها ليبيا المنقسمة بين حكومة طبرق في الشرق وحكومة طرابلس في الغرب، التي تضمن تدفق العملة الصعبة من البنوك الليبية إلى الخزانة التركية مقابل الحصول على السلاح التركي الذي تستخدمه الميليشيات ضد الجيش الوطني الليبي.

وتسعى تركيا لاستحواذ أكبر مقدار ممكن من مشاريع إعادة الإعمار في ليبيا، بما ينعكس بالإيجاب على الاقتصاد التركي الذي يُعاني منذ العام 2016، وذلك من خلال الدفع بشركات المقاولات التركية للعمل في ليبيا، فضلاً عن تعويض الخسائر الاقتصادية التي تعرّضت لها تركيا في ليبيا بعد العام 2011،سواء لتدهور الأوضاع الأمنية أو لقرار حكومة الشرق الليبي بإيقاف التعامل مع الشركات التركية بسبب دعم تركيا للإسلاميين في الغرب.

في ذات الإطار،تناولت وكالة "بلومبرغالأمركية في تقرير لها الاسباب التي جعلت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتدخل في الحرب الليبية إلى جانب قوات الوفاق ضد الجيش الوطني الليبي.

وأشارت الوكالة الأميركية إلى أن دعم نظام أنقرة لمجموعات طرابلس يهدف إلى الحصول على مشاريع إعادة إعمار في ليبيا.

وأضافت "تركيا ترغب في الاستفادة من صفقات إعادة إعمار في ليبيا تقدر بحوالي 18 مليار دولار".

كما تسعى أنقرة أيضا من خلال دعم تلك المجموعات إلى محاولة ضمان نصيب من النفط والغاز في البحر الأبيض المتوسط، خاصة في بلد يتميز بكونه أحد أكبر احتياطات النفط في أفريقيا.

من ذلك،يرى مراقبون أن أنقرة تهدف إلى تعزيز نفوذها في دول شمال أفريقيا، خاصة في ليبيا وتونس والجزائر، وذلك لدعم تيار الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة في تلك البلدان حتى يكون لكيان الإخوان شوكة في خاصرة مصر التي ترتبط بحدود مباشرة مع ليبيا تمتد لأكثر من 1200 كم، فضلاً عن رغبة النظام التركي في التوسع داخل دول الساحل الإفريقي عبر ليبيا التي ترتبط أيضاً بحدود مع تشاد والنيجر

وتسعى  أنقرة لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع السلط المتعاقبة في ليبيا ، وذلك بهدف رفع معدل الاستثمارات التركية في ليبيا التي تعتبر إلى حد الآن دون المأمول في ظل صراع دول محتدم حول الإستفادة من مغانم الدولة الغنية.