نشر المجلس الأطلسي –مؤسسة بحثية أمريكية مهتمة بالشئون الدولية- تقريرا حول أخر مستجدات الأوضاع في ليبيا، وشدد المركز على أن ليبيا أمام مفترق طرق يقودها أم إلى استقرار وعودتها كدولة قوية أو انهيار تام واستمرارها في حلقة الصراع الذي دخلته البلاد منذ عام 2011.

وقال المركز في 10 مارس شهدت ليبيا انفراجة غير مسبوقة بعد سنوات من الجمود السياسي عندما صدق البرلمان الليبي على حكومة الوحدة الوطنية. هذه الحكومة الائتلافية هي نتاج المفاوضات السياسية التي تقودها الأمم المتحدة في إطار منتدى الحوار السياسي الليبي.  وتم تعيين هذا المجلس –منتدى الحوار السياسي الليبي- لصياغة خارطة طريق جديدة لإنهاء الصراع الليبي والحرب أهلية من جديدة في عام 2014 بين الفصيل الذي يقوده المشير خليفة حفتر في الجزء الشرقي من البلاد وخصومه المؤيدين للإسلاميين في الغالب.

وحدثت الانفراجة عندما تمكن مجلس النواب - البرلمان الشرعي المنتخب في انتخابات 2014 - بطريقة غير معهوده وسلسة ومنظمة من منح تصويت بالثقة لحكومة الوحدة الوطنية.

ومنذ الانتخابات البرلمانية لعام 2014 اشتهر النواب الليبيون بسلوكهم المتعثر والذي منع البلاد من المضي قدمًا. في الواقع لأكثر من خمس سنوات منذ بدء المفاوضات الأولى بقيادة الأمم المتحدة بشأن حكومة الوفاق الوطني لم يتمكن مجلس النواب مطلقًا من الموافقة على حكومة الوفاق الوطني. أيد غالبية النواب حكومة الوحدة الوطنية بمن فيهم عقيلة صالح رئيس مجلس النواب منذ 2014. ووصف صالح اللحظة بأنها تاريخية، مشددًا على ضرورة "تذكير حكومة الوحدة الوطنية بأن تفويضاتها تنتهي في 24 ديسمبر من هذا العام لإجراء الانتخابات. في الموعد المحدد المتفق عليه ... عندها ستعمل حكومة الوحدة الوطنية كحكومة توجيهية حتى انتهاء الانتخابات ". ملأت الهتافات والتصفيق مكان الحدث وهو شيء نادرًا ما نشهده في ليبيا ما بعد 2011.

ونقل رئيسا الوزراء السابقين فايز السراج وعبد الله الثني تهانيهما وتمنياتهما لحكومة الوحدة الوطنية وأعربا عن التزامهما بتسليم السلطة. بالإضافة إلى ذلك سارع اللاعبون الأجانب المنخرطون في الصراع الليبي - مثل مصر وتركيا وروسيا والإمارات العربية المتحدة - في الإعراب عن تهانيهم ودعمهم لحكومة الوحدة الوطنية.

وعلى رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد دبيبة توقعات عالية من الشعب الليبي المتفاقم وسيواجه العديد من التحديات. من الأهمية بمكان الوضع الأمني في ليبيا والذي ينطوي على وجود أكثر من عشرين ألف مرتزق من الفصائل المتنافسة إلى جانب القوات النظامية التي تنتمي إلى عدد من الجهات الأجنبية المتورطة في الصراع الليبي. هذا دون ذكر عشرات الآلاف من الميليشيات التي تمارس سيطرة فعلية على جزء كبير من الأراضي الليبية مما يعني أنها تشكل أكبر تهديد لاستقرار البلاد. وأشار خلال جلسة البربلمان دبيبة إلى أن "المرتزقة والقوى الأجنبية هم خنجر في ظهر ليبيا، وعلينا العمل على تحرير البلاد منهم بحكمة وهدوء وليس بالأبواق والحديث الإعلامي". وبالنظر إلى الوضع المعقد على الأرض لن يكون من السهل على رئيس الوزراء تفكيك الجماعات المسلحة المحلية وتحرير ليبيا من قبضة المرتزقة.

وسيكون التحدي الكبير الآخر هو تلبية طلب رئيس المؤسسة الوطنية للنفط والشخصية الشعبية مصطفى صنع الله لضمان دفع عائدات النفط مباشرة إلى المؤسسة الوطنية للنفط وليس مصرف ليبيا المركزي. أدى التنافس الشخصي بين رئيس المؤسسة الوطنية للنفط والحاكم القوي لمصرف ليبيا المركزي صادق الكبير إلى إعاقة العلاقة بين المؤسستين وأعاق العديد من الإصلاحات اللازمة لصناعة النفط الليبية المعطلة. حقيقة أن دبيبة قد عين وزيراً للنفط وهو ما لم يكن موجوداً في ظل حكومة الوفاق الوطني قد يشير إلى نية رئيس الوزراء رفض طلب صنع الله وإرسال الإيرادات مباشرة إلى وزارة النفط وأن تكون تحت مسؤولية حكومة الوحدة الوطنية.

ومن المحتمل أنه إذا نجحت الحكومة في تنفيذ بعض الإصلاحات الضرورية واستكمال خطط البنية التحتية التي تشتد الحاجة إليها فقد يحاول دبيبة تمديد ولايته لاستكمال مثل هذا الأداء "الفاضل" وتأجيل الانتخابات. في هذه الحالة سيكون مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة فعالاً في ضمان أن تعمل جميع الجهات الدولية الفاعلة المشاركة في دعم الانتقال الليبي بشكل متماسك ضد هذه الإمكانية لضمان إجراء الانتخابات حيث التزم الجميع بالقيام بذلك وقت توقيع على مخرجات المنتدى الحوار الوطني الليبي في فبراير 2021.

وفي الختام إذا أديرت بشكل سيئ فإن أيًا من هذه التحديات يمكن أن يصبح قاتلاً لحكومة دبيبة. سوف يتطلب الأمر الكثير من النوايا الحسنة من الشعب الليبي ومن النخبة الجديدة في البلاد لإفساح المجال للتسوية وقبول الاختلافات لضمان أن يكون المسار مسارًا للحوار السياسي والمواجهة السلمية وليس مسارًا للنزاع المسلح. يجب على الجهات الفاعلة الدولية ولا سيما الإقليمية منها أن تفهم أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتحقيق الاستقرار في البلاد وضمان بعض الأمن لحدود ليبيا. وبالتالي يجب على هؤلاء الفاعلين - بتفاؤل حذر - بذل كل الجهود لضمان الانتهاء الناجح لخارطة الطريق التي صممها منتدى الحوار السياسي الليبي.