عانت ليبيا، أحد أهم منتجي النفط في إفريقيا، طيلة السنوات الماضية من أزمات متلاحقة على جميع الأصعدة وخاصة الاقتصادية بسبب الحروب وصراع الفرقاء السياسيين على الحكم، والأوضاع الإنسانية والصحية المتردية، وزاد الأمر سوءا مع تفشي الفساد الذي بات سمة بارزة في بلد مزقته الحروبفمنذ العام 2011، لم تخرج ليبيا عن العشرين دولة الأكثر فسادا في العالم، بل كانت في أغلب هذه السنوات في العشر مراتب الأخيرة

آخر الإحصائيات قدمتها منظمة الشفافية الدولية، في يناير الماضي، حيث أظهر مؤشر مدركات الفساد لعام 2019، أن ليبيا احتلت المركز الـ168 من أصل 180 دولة شملها التقرير السنوي.وتُبيّن المحاور الأساسية التي يستند إليها التقرير أن الترتيب المتأخر الذي جاءت فيه ليبيا، كان ناتجاً طبيعياً لما تمر به البلاد، حيث ركز مؤشر مدركات الفساد بشكل كبير على "العلاقة بين السياسة والمال والفساد، كما استند على بيانات حول شفافية تمويل الحملات السياسية ووصول الجمهور إلى عملية اتخاذ القرار".

وعلى المستوى الإداري تفشى الفساد في أغلب مؤسسات الدولة،حيث اعترف فتحي باشا أغا وزير الداخلية بحكومة السراج،في أغسطس الماضي،بوجود فساد في جميع مؤسسات الدولة بما فيها وزارة الداخلية التي يشغلها.وتابع باشا أغا في تصريحات للصحفيين فور وصوله من أنقرة أنه أول مَن قال "إن وزارة الداخلية فيها فساد، وذلك لمواجهة هذا الفساد ومعالجته".

وتابع: "ليس لدي شيء أخفيه ومستعد للمساءلة"، مؤكدا أنه يتكلم عن "حالة مرضية اسمها الفساد الذي دمر حياة الليبيين وبيوتهم وأطفالهم ومستقبلهم، عدونا الأول هو الفساد". وطالب باشا أغا بتشكيل لجنة كاملة من الرقابة الإدارية وديوان المحاسبة ووزارة الداخلية ومكتب النائب العام لمراجعة جميع الملفات التي يوجد فيها قصور ويعاني منها الناس.

ولم تكن هذه الاعترافات وحدها التي كشفت عن تفشي الفساد في حكومة الوفاق،بل توضح ذلك من خلال اصدار ديوان عام المحاسبة في طرابلس قرارا بإيقاف عدد من مسؤولي جهاز الطب العسكري التابع لحكومة السراج عن العمل لاتهامهم بالفساد واستغلال المناصب والاستيلاء على المال العام.وقرر إحالة ملفات الأشخاص والشركات المتعاونة معهم إلى كل من المدعي العسكري العام والنائب العام كل حسب الاختصاص.

وأوضح الديوان في بيان له أن الأموال التي تم تخصيصها لمواجهة أزمة كورونا تمّ التلاعب بها من طرف مسؤولين بالجهاز قاموا بتمرير معاملات مالية مخالفة للقوانين واللوائح المعمول بها، فضلاً عن اعتماد وصرف أموال دون وجود ما يقابلها من أعمال على أرض الواقع بمشروعات مراكز العزل الصحي داخل بلديات نالوت والزنتان وزوارة.

وكان المجلس الرئاسي، قد رصد ميزانية كبيرة لمواجهة أزمة كورونا تجاوزت النصف مليار دولار، منح جزءً منها إلى جهاز الطب العسكري وكلّفه بصيانة وتحوير وتجهيز مراكز للعزل الصحي في عدد من المناطق الواقعة غرب ليبيا، بالإضافة إلى توريد وتركيب عيادات جاهز للكشف عن الحالات المشتبهة واستيراد سيارات رش المعقمات للبلدياتغير أن هذه المبالغ التي كان من المفترض أن تخصّص لمواجهة كورونا، تمّ تحويل وجهتها وتربّح منها المسؤولون والموظفون.

وعلى وقع هذه الأوضاع تحرك الشارع  الليبي وشهدت عدة مدن ليبية في أغسطس الماضي مظاهرات، تطالب بإنهاء الفساد المستشري في مفاصل الدولة، ومحاسبة وإقالة المسؤولين عنه.ورفع المتظاهرون في طرابلس العاصمة ومصراتة والزاوية وسبها شعارات مماثلة، تنادي بمعاقبة الفاسدين وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطن.وردد المحتجون  في العاصمة هتافات تنادي بإبعاد كل الطبقة الحاكمة عن المشهد السياسي في ليبيا، محملين إياها مسؤولية ما آلت إليه البلاد.

وبعد هذه التحركات الشعبية الكبيرة، أطلقت السلطات في العاصمة الليبية طرابلس، حملة لملاحقة عدد من مسؤولي حكومة الوفاق المتهمين بالتورط في الفساد، والذين كان آخرهم رئيس لجنة ترشيد المرتبات بوزارة المالية الأمين بوعبد الله الذي ألقي القبض عليه بقرار من رئيس النيابة العسكرية في طرابلس، بسبب التقصير والإهمال منذ توليه المنصب مطلع سبتمبر الماضي، فضلاً عن التأخّر المتعمّد في صرف مرتبات موظفي وزارة الدفاع، وفق لائحة الدعوى الصادرة عن النائب العام العسكري.

وقرر مكتب النائب العام، تمديد سجن مدير مصرف ليبيا الخارجي محمد بن يوسف، ومدير قطاع الاستثمار بالمصرف، الشارف شلبي، وهو صهر رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، وذلك بتهمة إصدار المصرف ما يقرب من 80 مليون دولار، في استثمارات غير مدرجة، ترتب عنها ضرر جسيم بالمال العام، وتم تحديد العديد من الأسماء المسؤولة التي ستصدر بحقها أوامر قبض في الأيام المقبلة، نظراً لضياع 580 مليون دولار على الدولة الليبية، نتيجة استثمارات غير مدرجة.

كما أصدر مكتب النائب العام قراراً بتوقيف وكيل وزارة تعليم الوفاق عادل جمعة لمدة 30 يوماً على ذمة التحقيق في قضايا تتعلق بشبهة فساد في عقد توريد مقاعد دراسيةوأمر قسم التحقيقات بمكتب النائب العام، الأسبوع الماضي، بحبس وكيل وزارة المالية أبوبكر الجفال بتهم فساد، مشيراً إلى أن الأمر جاء على خلفية اتهام المسؤول بإساءة استعمال السلطة لتحقيق منفعة للغير وإهدار المال العام.

وأمر قسم التحقيقات بمكتب النائب العام في طرابلس، بحبس وزير الحكم المحلي في حكومة الوفاق ميلاد الطاهر ووكيل وزارته صالح الصكلوك، على خلفية تهمة نهب مال عام، بذريعة تمويل شركات خدمة عامة في المنطقة الشرقية دون وصول المبالغ المالية للجهة المستفيدة.وحسب قسم الإعلام بمكتب النائب العام، حُبس أيضاً مدير مستشفى سبها لتوقيعه استلام مواد طبية ومعدات لمنطقته لم تصل للمستشفى.

كما أمر مكتب النائب العام بحبس مدير إدارة الحسابات بوزارة المالية أحمد المنتصر، على خلفية إساءة استعمال السلطة بتحقيق منفعة للغير وإلحاق ضرر بالمال العاموقرر حبس رئيس المجلس البلدي لمدينة بني وليد، سالم نوير، على خلفية تصرفه في مبلغ ثلاثة ملايين دينار مخصصة للنازحين بالتواطؤ مع أفراد من أسرته وفق الاتهام.

وتؤكد هذه التطورات مدى تفشى الفساد في ليبيا الذى أثر بشكل كبير على الاقتصاد الليبي وجعله يقف على حافة الهاوية .مشهد وصفه المندوب الأممي السابق إلي ليبيا غسان سلامة، في العام 2017 في حواره مع مجلة "ليدرزالتونسية، بأنه تجاوز الفساد وصار عملية نهب منظم لموارد الدولة، مضيفا بأن هناك منظومة اقتصادية بالكامل تكونت بعد سقوط نظام القذافي تعتمد علي الاستيلاء علي مقدرات الدولة ونهب مواردها المالية، مما أدي إلي بروز طبقة سياسية تدعم هذا النهب، وليس لها مصلحة في أن يتغير هذا الوضع.

وبعدما حذّر من خطورة "الوضع القائم"، دعا المبعوث الأممي إلى تحرك عاجل لكسر منظومة الفساد، محذرا من أنها إذا استمرت تجعل من العملية السياسية "عملية تجميلفقط، وقالإن عمليات النهب "بلغت أقصى مستواها ممّا جعلها تخلق أثرياء جدداً كلّ يوم، في حين أصاب الفقر الطبقة الوسطى في الصميم". مشيرا إلى "انحدار مستوى عيش مجمل الليبيين بنسق سريع للغاية في الوقت الذي تتجمّع فيه الثروات المكتسبة في غالب الأحيان بطرق غير مشروعة بين أيادي أناس تختلف أدوارهمأفراد عصابات وسياسيون ومنحرفون".

ويمكن القول إنّ تصنيف ليبيا وفق التقارير والتصنيفات الدولية كدولة يتفشى فيها الفساد بشكل كبير،ليس بالأمر الهين ولا يجوز الاستخفاف به، فهذه التقارير والتصنيفات مؤشرات تفضح ما هو مسكوت عنه.وبحسب المراقبين،فإن المواطن الليبي هو من يدفع ثمن هذه الظاهرة المتفشية،في الأوضاع الإقتصادية المتردية وما يصاحبها من تداعيات على الأوضاع المعيشية الضلع الآخر في مربع الأزمة التي يدفع ثمنها المواطن الليبي منذ سنوات.