تتّسم العلاقات التّونسيّة الجزائرية بحالة من الإستقرار تتخلّلها أحيانا فترات من المدّ و الجزر حسب الظّرف الذي الذي يمرّ به أحد البلدين ،غير أنّها لم تصل أبدًا رغم حدّة الخلافات التي تميّز هذه االعلاقة أحيانا الى المواجهة أو القطيعة الدّائمة ،ربّما هو عامل التقارب الجغرافي و الثقافي و حتّى التاريخي المشترك بدءًا من الإشعاع الثقافي للزّيتونة و صولا الى الكفاح المشترك ضد الإستعمار الفرنسي و وحدة المصير المشترك الذي يُحفّف حدّة الخلافات التي كانت تظهر و تختفي في فترات متباعدة.

بعد إستقلال البلدين ظهرت الكثير من الخلافات السياسية نظرا لتخندق كلا النظامين في البلدين في خندق مختلف ،فالحبيب بورقيبة لم يكن يخفي ميله الى المعسكر الغربي في حين كانت الثّورة الجزائرية مرتبطة بعمق بالمعسكر الإشتراكي و كانت قياداتها متأثّرة كثيرا بالمنهج النّاصري الذي لم يكن على ود كبير مع الحبيب بورقيبة .

غير أنّ العلاقة عموما لم تصل الى حدّ القطيعة النهائية او المواجهة المباشرة بل شهدت فترات من التحسّن و الإستقرار ،ساهم في تهدئتها الكثير من الاتفاقيات المشتركة في مختلف المجالات و مشروع إتحاد المغربي العربي ،الذي لم يستطع في المقابل حجب خلافات كثيرة حول الموقف من الصّحراء الغربيّة مثلا و قضيّة التعدّدية السياسية في الجزائر و تقنين عمل جبهة الإتقاذ الإسلامية بداية التسعينات الشيء الذي أزعج كثيرا حينها النّظام التونسي برئاسة زين العابدين بن علي الذي كان قد دخل في ذلك الوقت في مواجهة قويّة مع الحركة الإسلاميّة في تونس .

الجذور التاريخيّة                         

كان الكثير من المثقفين الجزائرين و رموز الثّورة الجزائريّة قد تلقّوا تعليمهم و تشبّعوا بروح الثقافة العربية الإسلاميّة في رحاب جامع الزّيتونة نظرا للمنهج الثقافي الذي إعتمدته فرنسا في الجزائر في إطار مشروعها لإلحاق هذه الأخيرة بالتراب الفرنسي و ما يتطلّبه ذلك من تغيير جذري في الثقافة الجزائرية و توطين اللغة و الثقافة الفرنسية  ،ما جعل المقاومة الجزائريّة لا تتوقّف عند البعد العسكري وحده بل كان البعد الثقافي الحضاري أحد أهم مجالات المعركة ضد الإستعمار فمن هؤولاء المثقفين نجد الشيخ بن باديس، ومفدي زكرياء، ومحمد السعيد الزاهري، ومحمد العابد الجلالي والطاهر وطار، وعبد الحميد بن هدوقة، وعبد المجيد الشافعي وغيرهم و الذين كان لهم الدّور الفعّال في ما بعد في ترميم الثقافة و الهوية الجزائريّة و إعادة تأصيلها في جميع المجالات .

كما كانت تونس مركز عمل و تنظيم و تدريب و تخطيط للثّوار الجزائرين إبّان ثورة التّحرير الوطني ،كما كان السّلاح يدخل منها و عبرها الى الجبهات في الجزائر ،كما إختلطت الدّماء التّونسيّة و الجزائريّة في كثير من المعارك ،كحادثة ساقية سيدي يوسف المنطقة الحدوديّة بين البلدين .

بدأت الخلافات تظهر في العلاقات التونسية الجزائرية مباشرة بعد إعلان الإستقلال تونس في العام 1956 حيث تتحدّث الكثير من المصادر التاريخية عن محاولات قام بها الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بعد زيارته الى الولايات المتحدة الأمريكية للتوسّط لتهدئة حدّة المواجهة بين فرنسا و جبهة التّحرير الوطني ،حيث حاول طيلة ثلاثة أسابيع من النقاشات و الإتصالات مع قيادات الثّورة الجزائريّة إقناعهم بإنهاء الكفاح المسلّح و الجلوس الى التّفاوض ،الشيء الذي لم يلقى صدى لدى الجزائريين و أثّر كثيرا عن وديّة العلاقة ،غير أنّ ذلك لم يعني تخلّي تونس عن دورها في دعم الثّورة الجزائرية من خلال عبور السّلاح و احتضان قادة الثّورة .

بعد إستقلال الجزائر و انتصار ثورة التحرير ، تم التوقيع على اتفاقية دبلوماسية وقنصلية بين البلدين في 26 يوليو 1963، وعلى اتفاقية إنشاء اللجنة الكبرى المشتركة للتعاون بين البلدين في 6 يناير 1970.

وفي كانون الثاني/ يناير 1963 استدعت تونس سفيرها في الجزائر بحجة تواطؤ الجزائر مع عناصر عسكرية تابعة لبن يوسف حاولت اغتيال الحبيب بورقيبة في تونس .

هذا الإجراء كان تمظهرا لخلافات إيديولوجيّة عميقة بين النّظامين ،فأحمد بن بلة المرتبط بالمشروع النّاصري القومي الإشتراكي لم يكن مرتاحا كثيرا لبورقيبة الذي يراه كان متخندقا مع المعسكر الغربي و أنّه طالما عادى الثّورة الجزائرية حسب رأيه لذلك كان بن بلة منحازا لغريم بورقيبة صالح بن يوسف المرتبط بدوره بالمشروع القومي النّاصري .

هذه الخلافات ظهرت مرّة أخرى عندما منحت تونس حق اللجوء السياسي للعقيد الطاهر الزبيري رئيس هيئة الأركان في الجيش الجزائري والذي قاد محاولة انقلاب ضدّ حكم الرئيس هواري بومدين المنقلب بدوره على أحد بن بلة.

في عهد الشاذلي بن جديد و مع إنشاء الإتحاد المغاربي إتّسمت العلاقات الثنائية بالكثير من الإستقرار الذي لم يحجب بعض الخلافات حول قضيّة الصّحراء الغربيّة مثلاً ،غير أن هذا الإستقرار لم يدم طويلا فمع أحداث 5 أكتوبر 1988 في الجزائر التي تزامنت مع تغيير في السّلطة في تونس التي آلت الى الجنرال زين العابدين بن علي بعد إنقلاب أبيض على "الرجل المريض" الحبيب بورقيبة ،حيث كانت التعدّدية السياسية المعلنة في الجزائر و ظهور جبهة الإنقاذ الإسلاميّة من الأشياء التي عكّرت صفو العلاقة بين البلدين خاصة و أن النّظام التّونسي كان قد دخل في مواجهات كبيرة مع الحركة الاسلاميّة في تونس بعد فترة الإنفتاح السياسي أواخر الثمانينات التي أعقبت بيان 7 نوفمبر 1987 الذي جاء به الرّئيس السابق زين العابدين بن علي .

هذه الخلافات عمّقتها إقامة راشد الغنّوشي زعيم الحركة الإسلاميّة في الجزائر و الذي كان محكوما بالإعدام في تونس ،و رغم وصول وفد وزاري الى الجزائر للمطالبة بتسليم الغنّوشي فان المطلب لم يحظى بالموافقة نظرا لخوف السلطات الجزائرية حينها من ردّة فعل الشارع في فترة الذّروة لصعود الحركة الإسلاميّة في البلاد .

ولكن مع تزايد الضغوطات التونسية على الجزائر ،طلبت السلطات من راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية أن يغادر البلاد فتوجّه هذا الأخير الى السودان ومنه توجه الى بريطانيا حيث تحصّل على الإقامة و اللجوء السياسي .

العلاقات التونسيّة الجزائريّة بعد 14 يناير 2011

بعد سقوط نظام الرئيس بن علي ،و مع موجة "ثورات الرّبيع العربي" حاولت الجزائر النأي بنفسها عن هذه الموجة التي أطاحت بالكثير من الأنظمة العربية ،و كانت متخوّفة من "تصدير الثّورة" اليها ،الشيء الذي دفع بالساسة التونسيين في كل مرّة الى تطمين الجزائر الى هذه النّقطة و كانت كل حكومة تتشكّل بعد الثّورة يختار رئيسها التوجّه للجزائر كأوّل وجهة خارجية له ،الشيء الذي قابلته الجزائر بمنح تونس هبة بقيمة 10 مليون دولار و قرضا بقيمة 40 مليون دينار .

وحسب رأي المحلل السياسي و الدّيلوماسي السابق عبد الله العبيدي في تصريح لموقع "جدل بالحبر التونسي" فإنّ وصول حركة النّهضة الى الحكم في تونس بعد 23 أكتوبر 2011 لم تكن تنظر إليه الجزائر بعين الرضا " لأنّها حركة ذات طابع إسلامي عانى منه النظام الجزائري سنوات التسعين، مع إقرار بأن ّ هذا قد يشكّل خطرا على حدودها، في ظلّ أوضاع إقليميّة متوتّرة، خاصّة في مالي و ليبيا "

و كانت  تونس قد إتخذت إجراءات  من جانبها كقرار الحكومة التونسية، الذي يسمح للمواطنين الجزائريّين بالدخول إلى تونس باستعمال بطاقة التعريف الوطنيّة فقط داخل مشروع أطلق عليه الرئيس التونسي المؤقت المنصف المرزوقي "الحريات الخمس"، و هو قرار رفضته الجزائر مبرِّرة موقفها بأنَّها غير معنيّة بالأمر، وعَزَت ذلك إلى الظُّروف الأمنيّة الّتي تَحكُم المنطقة ، والّتي لا تُشجِّع في نظرها على إتخاذ مثل هذا الإجراء.

في 8 يناير 2013 صادق البرلمان الجزائري، على مشروع قانون متعلق بترسيم الحدود البحرية مع تونس. "ويتضمن مشروع القانون المتعلق بالموافقة على اتفاقية الحدود البحرية بين الجزائر وتونس، مادتين وملحقاً يشمل تسع مواد تهدف في مجملها إلى الضبط النهائي للحدود البحرية بين البلدين من خلال ممارسة كل طرف في مجاله البحري، سيادته أو حقوقه السيادية أو ولايته القانونية. وتنص الاتفاقية وفق التقرير التمهيدي للجنة الشؤون الخارجية والتعاون والجالية على تبادل المعلومات في حال التنقيب لاستكشاف أو استغلال الموارد الطبيعية على مقربة من خط الحدود البحرية، وفي حال إمكان استغلال هذه الموارد كلياً أو جزئياً انطلاقاً من الجانب الآخر لخط الحدود يضبط الطرفان باتفاق مشترك الترتيبات المتعلقة بهذا الاستغلال" (الحياة اللندنية 09/01/2013).

إبّان حكم حركة النّهضة الإسلاميّة في تونس و قبل تشكيل حكومة المهدي جمعة التي أفرزها الحوار الوطني برعاية الإتحاد العام التّونسي للشغل ،إستقبل الرئيس الجزائري كلاًّ ن راشد الغنوسي زعيم حركة النّهضة و الباجي قايد السّبسي رئيس حركة نداء تونس للتوسّط و تهدئة حدّة الخلافات و حدّة الأزمة السياسية في تونس الشيء الذي إنعكس مع لقاء باريس الشّهير بين الرّجلين على مسار التوافق و الخروج من الأزمة السياسية الحادة التي أعقبت إغتيال السياسيين شُكري بالعيد في 6 فبراير 2013 و محمّد البراهمي في 25 يوليو 2013 و التي كادت تدخل بالبلاد في نفق مظلم بعد الإنقسام الحاد الذي عرفه الشّارع التّونسي .

التعاون الإقتصاديّ و العسكريّ بين البلدين

حسب وزارة الخارجيّة التّونسيّة فإنّ هذه العلاقات شهدًا نمواً مطرداً خاصة على مستوى التعاون الاقتصادي والصناعي (شركات مشتركة) توج بتوقيع البلدين على معاهدة الإخاء والوفاق في 19مارس 1983 والتي انضمت إليها موريتانيا لاحقا. وعرفت العلاقات التونسية الجزائرية تطورا هاما تمثل خاصة في تكثيف نسق التشاور بشأن ملفات التعاون الثنائي والقضايا السياسية محل الاهتمام المشترك وتوقيع عدة اتفاقيات هامة. وتدعمت العلاقات الاقتصادية بين البلدين من خلال التوقيع سنة 2001 على الاتفاق الإطاري الجديد للتعاون الصناعي الهادف إلى تطوير صيغ الشراكة والاستثمار المباشر بين البلدين. كما شهد حجم التبادل التجاري بينهما تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة.

كما تجاوز عدد الاتفاقيات والبرامج التنفيذية المبرمة منذ 1963 بين البلدين 115 وثيقة من أهمها اتفاقية الإقامة لسنة 1963 والاتفاقية التجارية والتعريفية لسنة 1981 واتفاقية نقل المسافرين والبضائع والعبور عبر الطرقات البرية لسنة 2001 والاتفاق حول الترتيبات المؤقتة المتعلقة بضبط الحدود البحرية بين البلدين لسنة 2002.