يبدو الصراع الإقليمي على ليبيا مُتجها إلى تفاهم أمريكي إيطالي يُضعف من الدور الفرنسي، وسط حرص شديد من الجزائر على تنفيذ خطة ترمي إلى تكثيف الرقابة على حدودها مع كل من ليبيا وتونس، لاحتواء الموجات المُحتملة من «العائدين من العراق وسوريا». وبغض الطرف عن مدى صحة ما أوردته صحيفة «لاستامبا» الإيطالية واسعة الاطلاع في شأن حصول اتفاق بين الإدارة الأمريكية ووفد رسمي إيطالي على منح روما وكالة لإدارة الملف الليبي، فالثابت أن العلاقات بين واشنطن وباريس على درجة كبيرة من البرود. ولا يمكن تصور أن تتكل أمريكا على الفرنسيين في تسوية الصراع في ليبيا، طالما أن الرئاسة الفرنسية الجديدة تتوخى سياسة استقلالية تُحاكي خط الرئيس الأسبق شارل ديغول في ستينيات القرن الماضي. وفي هذا السياق تُعبر باريس عن مواقف مُتباعدة عن مواقف الرئيس الأمريكي ترامب من قضايا دولية واقليمية عدة، بينها تسوية الصراع العربي الإسرائيلي على أساس حل الدولتين، وانتهاج الحوار لحل الأزمة مع إيران.

شهر عسل

ليست المنافسة الايطالية الفرنسية على ليبيا بالظاهرة الجديدة، فالايطاليون يعتبرون أنفسهم الأولى بها باعتبارهم دولة الاحتلال السابقة (1911-1939)، التي أخرجت بالقوة بعد الحرب العالمية الثانية، كما أنها حازت على موقع متقدم على أيام شهر العسل بين معمر القذافي ورئيس الوزراء الأسبق سيلفيو برلوسكوني. أما الفرنسيون، الذين سبق أن تسلموا إدارة الجنوب الليبي (منطقة فزان) من الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، فيرون أن هذه المنطقة هي «الامتداد الطبيعي» للمستعمرات الفرنسية السابقة في الساحل والصحراء. وهم يسعون للاستحواذ على دور محوري في ليبيا ما بعد الحرب الأهلية. والأرجح أن هذا المسعى سيصطدم بالتفضيل الأمريكي لإيطاليا، وهو تفضيل قديم بحكم متانة العلاقات الثنائية، خاصة في إطار الحلف الأطلسي، فعندما قام الجنرال زين العابدين بن علي بانقلابه على الحبيب بورقيبة في 1987 كانت روما العاصمة الغربية الوحيدة التي تابعت مخابراتها العملية عن كثب. والأرجح أن فريق الرئيس ترامب وجد تناغما لدى الايطاليين مع رغبة إدارته بمراجعة الخط المُتبع في ظل الادارة السابقة، والمتمثل في دعم المجلس الرئاسي (طرابلس) وحكومة فايز السراج.
بالطبع مازالت واشنطن ماضية في حربها على الجماعات الإرهابية في قوس الحروب والصراعات، بما في ذلك ليبيا، وتُرجح مصادر مطلعة أن فريق ترامب أبلغ مخاطبيه الإيطاليين أن التركيز سيستمر على التصدي للإرهاب، من خلال الضربات الجراحية الجوية. وبفضل انتشار السفن الحربية الأمريكية في المتوسط والقرب الجغرافي للقواعد الأمريكية في جنوب إيطاليا، وأكبرها قاعدة «سيغونيلا»، فإن أيادي الأمريكيين الطويلة قادرة على الاستمرار بتوجيه الضربات داخل ليبيا لمن يرصدونهم من الجماعات المُصنفة في لوائح الإرهاب. أكثر من ذلك، ما فتئ البيت الأبيض يُتابع الأوضاع في ليبيا بغاية الدقة، حتى أن ترامب طلب أخيرا من الكونغرس تمديد العقوبات التي سبق أن فرضتها الولايات المتحدة على بعض أقرباء معمر القذافي وأعضاء سابقين في نظامه، بعدما كان مُتوقعا أن تُرفع في 25 الجاري.
أما الايطاليون فهم حاضرون في ليبيا على أصعدة مختلفة، ليس أقلها الصعيد العسكري، من خلال تحالفهم مع الجماعات الأصولية في مصراتة وطرابلس. وتجلى هذا التحالف بشكل بارز في معارك تحرير سرت من أيدي تنظيم الدولة، التي قادتها جماعات مسلحة آتية من مصراتة، وأقام الايطاليون آنذاك مستشفى ميدانيا وأرسلوا مئات الجنود لحراسته.

مستنقع بلا قاع

في المقابل كثفت فرنسا من حضورها العسكري في ثلاثة بلدان توجد على الأطراف الجيوستراتيجية لليبيا، وهي النيجر وتشاد وشمال مالي. وبالرغم من سقوط الذريعة التي استُقدمت بموجبها القوات الفرنسية إلى المنطقة في مطلع 2013، وهي القضاء على «احتلال الجماعات الجهادية لشمال مالي» بحسب ما كانت تقول إدارة الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا أولاند، فإن الرئيس الحالي ماكرون يبدو أميل إلى التخفيف من حجم القوات الخاصة المُرابطة في المنطقة، لأسباب تتعلق بضغوط الموازنة. ويُقدر قوام تلك القوات بأربعة آلاف عنصر. وأعطى أولاند قبل خمس سنوات من الآن دفعة غير مسبوقة للحضور الاستعماري الفرنسي في منطقة الساحل والصحراء. واستهدف الجيش الفرنسي تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي»، إلى جانب جماعات أصولية مالية متنافسة على النفوذ في المنطقة، أبرزها «جماعة أنصار الدين» بزعامة الطوارقي إياد أغ غالي، الذي استطاع معاودة توحيد الجماعات التي فرت من الغزو الفرنسي في إطار ما سُمي «جماعة نُصرة الاسلام والمسلمين».
غير أن الوضع ظل يلُفُه الغموض بعد خمس سنوات من إطلاق عملية «سيرفال»، التي استكملها أولاند بعملية «برخان»، إذ بقيت مافيات التهريب المتحالفة مع الجماعات المسلحة تتنقل في المنطقة وتباشر أعمال التهريب وترتكب الجرائم المنظمة، بما فيها تصفية الحسابات بين الميليشيات المتنافسة. وتعرض الجنود الماليون والنيجريون إلى كمائن وهجمات من الجماعات المسلحة تُقدر بأضعاف ما تعرضت له القوات الفرنسية. وأكدت مصادر أممية أن العمليات الإرهابية والأعمال الإجرامية عموما تضاعفت مرتين أو ثلاثا بعد انتشار القوات الخاصة الفرنسية في شمال مالي. ويقول المحلل الفرنسي تييري أوبرلي إن الإرهاب عائدٌ بقوة إلى شمال مالي، بين السكان العرب والأمازيغ على السواء، وأنه سرى مثل السرطان إلى الدول المجاورة، وخاصة بوركينا فاسو والنيجر. واعتبر أوبرلي، وهو أحد الخبراء في شؤون المنطقة، أن التدخل الفرنسي الذي يستعين بأحد عشر ألف جندي افريقي من القبعات الزُرق، لم ينجح في التصدي للجماعات الإرهابية، واقتصر بالكاد على احتوائها. وحذر من أن القوات الخاصة الفرنسية «تنزلق إلى مستنقع بلا قاع».

قوة اقليمية

على الصعيد الإقليمي تبدو الجزائر أهم قوة عسكرية واقتصادية قادرة على التأثير في مجريات الملف الليبي، وهي تعتبر الإرهاب أهم خطر يهدد المنطقة، إذ حذرت في القمة الثلاثين للاتحاد الافريقي الشهر الماضي، من تزايد الأخطار الأمنية، مُشددة على ضرورة التكاتف الافريقي لمجابهتها، خصوصا بعد سلسلة التفجيرات التي هزت مالي أخيرا. ويعتبر الجزائريون أن التداخلات الغربية في المنطقة غير مجدية، لا بل تزيد من تعقيد المشهد، مُستدلين بكون قادة الجماعات مثل إياد أغ غالي وعدنان أبو وليد الصحراوي مؤسس «الدولة الاسلامية في الصحراء الكبرى»، يمرحون في المنطقة ويتنقلون عبر الحدود من دون صعوبات. ويمكن القول إن أخشى ما تخشاه الدول الافريقية هو عودة المقاتلين السابقين من سوريا والعراق إلى بلدان الساحل والصحراء، باعتبارها الخاصرة الرخوة، لتعزيز صفوف الجماعات المحلية، ومن بينها جماعة «بوكو حرام»، التي باتت تنفذ عمليات بعيدا عن معقلها الأصلي في نيجيريا. وفي هذا السياق حذر رئيس مجلس السلام والأمن في الاتحاد الافريقي اسماعيل الشرقي (جزائري) الشهر الماضي، من احتمال عودة نحو 6000 مقاتل افريقي من سوريا والعراق، وتداعياتها على الأمن الإقليمي. ويرى الجزائريون في تلك العودة المحتملة مصدرا رئيسا من المصادر التي تهدد الأمن الإقليمي في السنوات المقبلة. وهذا ما حمل الجزائريين، الذين يرفضون إرسال قواتهم إلى الخارج، على تكثيف مراقبتهم للحدود المشتركة مع كل من تونس وليبيا والنيجر ومالي، باستخدام وسائل تقنية متطورة.

ولم تعرف الجزائر عمليات إرهابية كبيرة منذ سنة 2013، لكن المخاطر مازالت قائمة في ظل تحرك الجماعات المسلحة على مقربة من حدودها الجنوبية وأحيانا داخل أراضيها. وبالرغم من التعاون القائم بين الأجهزة الجزائرية والغربية على هذا الصعيد، يعتقد الجزائريون أن انسحاب القوات الغربية وتشكيل قوات افريقية مُدربة ومسلحة تسليحا جيدا يشكلان انطلاقة حقيقية ليس لإعادة السلام إلى منطقة الساحل والصحراء وحسب، وإنما لضبط الجماعات المسلحة داخل ليبيا نفسها، وقطع التزويد بالسلاح عنها. ومع استمرار تباعد المواقف بين العواصم الغربية وأهم قوة عسكرية في المنطقة، تستفيد الجماعات من هذا المناخ لتُفرخ مزيدا من الخلايا وتجند مزيدا من المقاتلين في بلدان ليس أمام شبابها اليائس سوى محاولة الهجرة إلى أوروبا عبر ليبيا، بطرق غير شرعية، أو الانخراط في الجماعات المسلحة التي تؤمن لهم راتبا يسد الرمق.

 

 

*القدس العربي