لا شيء غامضا اليوم في ليبيا مثل غموض الدور الإيطالي. كل القوى حاسمة لتموقعها ضمن لعبة المصالح إلا إيطاليا. بقيت تتأرجح بلا اتجاه. كأن في المسألة اضطرابا أو تخوفا من الانزلاق نحو مسارات لا تريدها. هي تعرف أنها ليست بالقوة التي تجعلها تفرض ذاتها وعلى ذلك الأساس بقيت مثل الباحث عن طريق وسط الأوحال لكي يضمن نجاته. لكن الثابت أن إيطاليا اليوم تتعامل مع الأزمة الليبية بشعار الاقتصاد؛ هي ليست دولة فرض القرارات لكنها دولة البحث عن الحصة في فضاء مغر من نواح شتى.

مشكلة الإيطاليين أنهم لم يتخلصوا من سيطرة التاريخ. لم يتعاملوا مع ليبيا إلا بفكرة المستعمر القديم الذي يريد أن يقفز إلى كل شيء، لكن ربما في إحدى القفزات سيفقد كل شيء. هذا في الواقع تفكير كل منطق استعماري لا يفكّر في مستمعرته إلا بفكرة الطمع، لكن هذا المنطق على العموم لم يعد مجديا لا مع ليبيا ولا مع غيرها. وقد بدأ العقيد الراحل معمر القذافي في تغيير تلك الأفكار عبر الاتفاقية المبرمة مع روما والتي يتجاوز فيها السياسي ماهو اقتصادي باعتبارها سابقة في تعامل المستعمر مع مستعمراته ، من خلال تحصيل اعتذار يعيد جزءا من الهيبة والكرامة اللتين انتهكتا أيام الاستعمار.

العلاقات الليبية الإيطالية في الاقتصاد ليست جديدة، منذ الفترة الملكية دخل الإيطاليون إلى ليبيا بغاية الاستثمار بهدف نيل الحصة من الأعمال في النفط والغاز. الجغرافيا أيضا كان لها دور في تلك العلاقة التي فرضت نفسها بالنظر لانفتاح البلدين على البحر المتوسط. حتى خارج إرادتهما الأمور كانت ستذهب في ذلك الاتجاه.

ففي العام 1959، دخلت شركة النفط العملاقة "إيني" إلى ليبيا بدأت عمليات التنقيب والبحث وإبرام الاتفاقيات وقد واصلت عملها في البلاد حتى في عمق الأزمة والتحارب، وتصريحات رؤسائها إلى الأيام الأخيرة كانت تذهب في اتجاه أن الأمور آمنة والشركة تواصل عملها بكل حريّة بل عبّرت عن موقف سياسي حول وحدة الدولة الليبية التي أكدت الشركة أنها حريصة على أن تبقى ليبيا موحّدة.

تواصل التعاون الاقتصادي بين البلدين للعقود اللاحقة حتى في بعض الأزمات السياسية خلال حكم العقيد معمر القذافي، لكن الاتفاق المفصلي هو الذي أبرمه الأخير في 2008 مع رئيس الوزراء الإيطالي آنذاك واعتبر وقتها ثورة في المواقف الأوروبية تجاه إفريقيا وتجاه المستعمرات تحديدا. ففي 30 أغسطس من نفس العام أبرم الزعيمان اتفاقية اقتصادية ضخمة تشمل فيما تشمل مبالغ تعويضات عن سنوات الاستعمار الإيطالي، في حين تشمل أخرى استثمارات وأموال عينية تتلقاها الدولة الليبية سنويا.

وذكرت الاتفاقية أن ايطاليا ملزمة بدفع خمسة مليارات كتعويض عن المساوئ ابان استعمارها لليبيا، وهي أرقام إضافة إلى أهميتها الاقتصادية، هي تكتسب قيمة اعتبارية باعتبارها تنصف تاريخا من الاحتلال وسفك الدماء. والغريب أن من أتوا بعد 2011، حاولوا إلغاء تلك الاتفاقية باعتبر من أبرمها هو معمّر القذافي الذي يمثل لهم عدوا يجب محو كل ما ارتبط به حتى لو كان في صف الشعب الليببي.

بعد التحولات التي شهدتها ليبيا في 2011، ربما لا توجد أرقام ثابتة في العلاقة الاقتصادية بين البلدين لكن آخر الإحصائيات وثوقية هي التي نشرتها السفارة الإيطالية في ليبيا العام 2017 في تقرير لها، والتي أشارت فيها إلى أن قيمة التبادل التجاري في تلك السنة بلغ حوالي 3.8 مليار، وهو رقم كبير مقارنة بالعلاقات التجارية لطرابلس ببقية الدول سواء كانت الأوروبية أو الإقليمية.

المبلغ الذي ذكرته السفارة كان يشمل قطاع المحروقات الذي استحوذ على حوالي 2.5 مليار دولار من المبادلات التجارية وهي مسألة طبيعية في بلد مثل ليبيا يعيش في أكثر من 95 بالمئة من اقتصاده على النفط. كما اشتغلت شركات أخرى في قطات الخدمات والإعمار التي بدأتها ليبيا في إطار عملية تطوير آنذاك إلى أن جاءت الحرب لتحطمه وليكون الليبيون مع خيار جديد نتابع نتائجه اليوم، وسط أخبار عن نوايا سلطات طرابلس إعادة الاعتبار لتلك الاتفاقية الضخمة التي ستمنح لليبيا فرصة استغلال حليف قوي يمكن الاعتماد عليه حتى في صراع دول الاتحاد الأوروبي في علاقة بالاقتصاد والسياسة والهجرة غير الشرعية..

كما أكدت السفارة الإيطالية في ليبيا في نفس الإفادة أن إيطاليا هي الأولى بين المصدرين اتجاه طرابلس. وهي المستثمر الثالث بين الدول الأوروبية، باستثناء الاستثمارات النفطية، والخامسة على الصعيد العالمي. كما أكدت على وجود أكثر من 100 شركة إيطالية حافظت على تواجدها الثابت وعملها على الأراضي الليبية، في قطاع النفط والبنية التحتية وقطاعات الميكانيكا ومنتجات التكنولوجيا
 
للإنشاءات.

وبعيدا على الجانب الاقتصادي رغم أهميته تتأرجح المواقف الإيطالية في ليبيا في عدة مواقع، لكن المتابع الجيد يمكن أن يستنتج أن روما اليوم أقرب إلى معسكر السراج وحلفه منها إلى الجيش رغم محاولات التعامل بدبلوماسية مع الأحداث وادعاء التموقع الوسط بين مختلف الفرقاء، رغم أن هذا الموقع لا يكتسب قيمة كبيرة والمواقف "المنتصف" لا يمكن أن تثبت شجاعة من أي كان.