تتواصل تعقيدات المشهد الليبي في ظل اصرار النظام التركي على مد نفوذه في البلاد وتأجيج الأوضاع فيها خدمة لأجنداته المشبوهة،وهو ما يقابل بتحذيرات متواصلة من الجيش الوطني الليبي الذي أكد في أكثر من مناسبة عن جاهزيته للتصدي للعدوان التركي خاصة مع استمرار التصعيد في جبهة سرت-الجفرة التي تمثل هدفا رئيسيا لأنقرة في اطار مساعيها للسيطرة على الحقول النفطية.
تحذيرات جديدة أطلقها الجيش الوطني الليبي تزامنا مع تواصل الانتهاكات التركية في الأراضي الليبية،حيث حذرت القيادة للقوات المسلحة الليبية،على لسان اللواء أحمد المسماري، المتحدث باسمها،فجر السبت 01 أغسطس 2020، السفن والطائرات من الاقتراب في المجال الجوي أو البحري دون التنسيق معها.
وقال المسماري،في بيان نشره على صفحته في "فيسبوك":أنه "إلحاقا لبلاغات القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية.. تلفت القيادة عناية الدول التي تقترب سفنها أو طائراتها من المياه الإقليمية أو الأجواء الليبية، إلى ضرورة التنسيق مسبقا للحيلولة دون وقوع تصادم معها".


ولم يصرح المسماري بهوية السفن التي تم رصدها بالقرب من المياه الاقليمية الليبية لكن تصريحاته تشير الى التهديدات التركية المتواصلة في البحر المتوسط.وهو ما أكده مدير ادارة التوجيه المعنوي في الجيش الليبي، العميد خالد المحجوب،السبت،باتهامه حكومة الوفاق وتركيا بالتصعيد في البلاد، مشددًا على أن الجيش سيستهدف أي تقدم عسكري تركي.
وأكد المحجوب،في مقابلة مع قناة "العربية" الإخبارية،التزام الجيش بمبادرة القاهرة والدعوات الأممية لوقف إطلاق النار، مضيفًا: "نراقب الجبهات لرصد أي تحرك عسكري تركي وسنرد على أي تحرك عسكري تركي في ليبيا".وشدد على أن الجيش لا يريد التصعيد لكنه سيرد على أي هجوم، مؤكدًا أن كل الأهداف العسكرية مشروعة في حال أي تصعيد.
وأضاف المحجوب: "إن العدو التركي يستخدم الجو والبر والبحر في ليبيا، كما أن الأتراك يواصلون استقدام المرتزقة إلى ليبيا".ولفت إلى أن تركيا تواجه مشاكل عدة بسبب تورطها في أكثر من منطقة، موضحًا في الوقت نفسه أن دعوة الجيش للسفن والطائرات التي تدخل المجال الليبي للتنسيق مع الجيش هو "لضمان سلامتها خوفًا من حدوث أي خطأ".
وتأتي تحذيرات الجيش الليبي بالتزامن مع تواصل عمليات نقل المرتزقة الى ليبيا،حيث كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان،عن وصول دفعة جديدة من الفصائل الموالية لأنقرة، تضم مئات المرتزقة السوريين، بالإضافة لوصول عدد آخر من الإرهابيين الأجانب.وارتفعت أعداد المرتزقة الذين ذهبوا إلى ليبيا، حتى الآن،إلى نحو 17 ألف مرتزق سوري، بينهم 350 طفلا دون سن الـ18، في حين بلغ عدد الإرهابيين الأجانب 10 آلاف،وفق احصائيات المركز.


وعلى مدى الأشهر الماضية، ومنذ إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التدخل العسكري في ليبيا، نقلت بلاده آلاف المرتزقة السوريين إلى طرابلس لدعم المليشيات المسلحة، في معاركها ضد الجيش الوطني الليبي في غرب البلاد،وبالرغم من انسحاب الجيش الليبي من غرب ليبيا استمرت عمليات التحشيد ونقل المرتزقة في اطار مساعي تركيا لاحتلال مدينتي سرت والجفرة.
والأحد الماضي كشف المسماري ان أنقرة نقلت عتادا عسكريا  إلى الميليشيات عبر السفن التجارية موضحا في تصريحات لقناة "سكاي نيوز عربية" أن تركيا تستخدم دبابات أميركية ومنظومات هوك الصاروخية على الأراضي الليبية.ونشر المسماري عقب ذلك فيديو في صفحته الرسمية على الفايسبوك لعدد من المرتزقة على متن احدى طائرات شركة الافريقية الليبية.
وسبق أن أعلن المسماري أن محاور مدينتي سرت والجفرة تم تحصينها بقوة خلال الفترة الماضية وتدعيمها بأسلحة ودروع ورادارات ودفاعات جوية، مجدداً التأكيد على استعداد قوات الجيش لأي مواجهة عسكرية محتملة.فيما أعلن المركز الإعلامي لغرفة عمليات الكرامة، التابع للجيش الوطني الليبي، يوم الخميس الماضي، إسقاط طائرتين مسيرتين تركيتين جنوب وغرب سرت.
وتطمح تركيا إلى بقاء دائم في ليبيا وتثبيت حكم الإخوان والاستيلاء على الثروات الليبية ومنطقة المتوسط الغنية بالمحروقات.واشترط النظام التركي في وقت سابق وقف اطلاق النار في ليبيا بانسحاب الجيش الوطني الليبي من مدينة سرت والحقول الليبية ما كشف بوضوح أطماع أردوغان في الثروات النفطية الليبية.


وفي غضون ذلك،تواصل مصر تحركاتها الدبلوماسية لمنع اندلاع حرب في ليبيا،حيث أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري،خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حرص بلاده على التنسيق الدائم وبشكل منتظم مع بعثة الأمم المتحدة في ليبيا.وفق ما أورد المكتب الإعلامي لوزارة الخارجية بالحكومة المصرية.
واستعرض شكري "موقف مصر الواضح والداعم للحل السياسي الليبي-الليبي، البعيد عن التدخلات الخارجية الساعية للهيمنة على مقدّرات الشعب الليبي".مشددا على ضرورة الدفع نحو الحل السياسي قدما على ضوء ما أكده "إعلان القاهرة" مؤخراً من إمكانات التوصُل إلى مثل هذا الحل في إطار المبادئ والخلاصات التي أقرتها قمة برلين.
  وفي 6 يونيو/حزيران الماضي، طرحت مصر مبادرة تضمن العودة للحلول السلمية في ليبيا، ولاقت تأييدا دوليا وعربيا واسعا. وتضمنت المبادرة المصرية التي أطلق عليها "إعلان القاهرة" التأكيد على وحدة وسلامة الأراضي الليبية واستقلالها، واحترام كافة الجهود والمبادرات الدولية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، والعمل على استعادة الدولة الليبية لمؤسساتها الوطنية مع تحديد آلية وطنية ليبية ليبية ملائمة لإحياء المسار السياسي برعاية الأمم المتحدة.
لكن حكومة الوفاق وحليفتها تركيا أعلنا رفضهما للمبادرة المصرية والاصرار على مواصلة العمليات العسكرية واشترطت أنقرة انسحاب الجيش الليبي من مدينة سرت ذات الأهمية الكبرى بسبب موقعها الاستراتيجي، حيث تقع بين طبرق شرقا وطرابلس غربا، وتعتبر مفتاح السيطرة على ليبيا بكاملها، لكونها نقطة التقاء كافة ربوع المناطق اللبيبة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وقربها من موانئ وآبار النفط الرئيسية الثلاثة البريقة ورأس لانوف والسدرة، فضلا عن أنها تقع في إحدى المناطق الغنية بالنفط بين حقول سرت ومرادة وزلة.
ودفع التعنت التركي ورضوخ حكومة الوفاق لأوامر الباب العالي القاهرة الى توجيه رسائل قوية بامكانية تدخلها العسكري المباشر حال الهجوم على مدينتي سرت والجفرة اللتين اعتبرتهما القاهرة "خطا أحمر".ويشير مراقبون الى أن العبث التركي من شأنه أن يجر المنطقة الى حرب اقليمية كبيرة ستكون عواقبها كارثية خاصة مع انتشار التنظيمات الارهابية التي تحاول استغلال الفوضى الأمنية لتنفيذ مخططاتها العابرة للحدود.