تتواصل الضغوط الإقليمية والدولية من أجل تثبيت وقف إطلاق النار في ليبيا ، والانتقال الى الحوار السياسي بحثا عن منفذ للخروج من الأزمة التي تعرفها البلاد منذ تسع سنوات ، غير أن نذر المواجهة لم تختف تماما ، وخاصة مع استمرار النظام التركي في الدفع بقواته ومرتزقته الى غرب البلاد ، وفي تهريب الأسلحة بشكل يكاد يكون يوميا نحو طرابلس ومصراتة ، والى قاعدة الوطية الإستراتيجية التي بات يسيطر عليها في المنطقة المتاخمة للحدود المشتركة مع تونس
ومنذ المبادرة المعلن في بياني رئيسي البرلمان والمجلس الرئاسي في 21 أغسطس الماضي ، والكشف عن أجندة أممية للحوار السياسي والأمني تتوزع محطاتها بين الرباط وجنيف ، اختارت القيادة العامة للجيش الوطني الصمت ، وعدم التعليق على تحركات المستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الذي يعتبر القائد الأعلى للقوات المسلحة التي يتولى المشير خليفة حفتر منصب قائدها العام ، رغم أنها تتناقض في بعض جوانبها مع رؤية عناصر وأنصار الجيش، وخصوصا في ما يتعلق بتبني المقترح الأمريكي بتحويل خط سرت الجفرة الى منطقة منزوعة السلاح ، أي استبعاد الجيش منها ، والدفع به الى ما وراء الهلال النفطي في اتجاه الشرق ، وحرمانه من أهم المواقع الإستراتيجية في وسط البلاد
ويرى مراقبون أن الهدف من إخراج الجيش من خط سرت الجفرة ، هو التمكين للميلشيات وللتدخل التركي المعلن ، وعزل القوات المسلحة في إقليم برقة من منطلق اعتبارها قوات جهوية رغم أنها تضم أفرادا من مختلف أرجاء البلاد ، بما فيها ألوية إقليمي طرابلس وفزان ، وصولا الى إخراج المشير خليفة حفتر من المشهد ككل ، وهو ما تطالب به تركيا وحكومة الوفاق وجماعة الإخوان ، ويرفضه أغلب الليبيين ،
واعتبر المحلل السياسي عزالدين عقيل أن سعي واشطن وبعض القوى الأخرى لجعل سرت الجفرة منطقة منزوعة السلاح خطر قد يكون هدفه فتح الباب أمام إحتلال ليبيا ، متسائلا عن هدف واشنطن من العمل على إبعاد المشير حفتر من المشهد بعد أن كان الرئيس ترامب اتصل به في أبريل 2019 ليعرب له عن تقديره لجهوده في الحرب على الإرهاب  
و إتهم عقيل، "الولايات المتحدة بمناصرة التدخل العسكري التركي وما ترتب عنه من نقل للمرتزقة وممارسة التدخل المباشر عبر البوارج الحربية التركية.. وقوات الحرب الإلكترونية التي قادت حرب طائرات الدرون ضد الجيش والتخطيط للتدخل التركي لأجل "خلق التوازن بين المليشيات والجيش"، بحسب تعبيره.
لكن ما يدور على الواجهة السياسية ، لا يعكس طبيعة ما يجرى في المديان ، حيث لا يزال الجيش الليبي يعد العدة للتصدي لأي عدوان محتمل من قبل القوات التركية وميلشيات الوفاق وجحافل المرتزقة ، حيث أوضح المتحدث باسم القيادة العامة اللواء أحمد المسماري إنّ الجيش أعاد الصواريخ التكتيكية ( R17 )  للخدمة بعد صيانتها واختبارها وتدريب القوّات عليها، مضيفًا أنّ هذه الصواريخ قوية ورادعة حيث يصل مداها إلى 300 كيلومتر وتمّت صيانة تشكيل قتالي كامل لهذه الصواريخ، كما تمكّنت القوّات من إطلاقها والتدريب عليها.
وحول الوضع العسكري، أكّد المسماري أنّ الموقف العسكري ثابت على ما هو عليه من يوم الـ8 من شهر يونيو الماضي وأنّ قوّات الجيش أوقفت العمليات غربي سرت والجفرة منذ ذلك التاريخ وفقًا لمبادرة القاهرة، ناقيًا قيام الجيش بأيّ أعمال عسكرية غرب سرت، ولم يخرق وقف إطلاق النار لا بحريًا ولا جويًا ولا بريًا، مع احتفاظهم بحق الردّ والدفاع عن النفس.
وأكد خلال مؤتمر صحفي أن القوات المسلحة لن تتراجع محاربة الإرهاب، وأن رجال القوات المسلحة جاهزون دائما لصد أي طارئ أو أي اعتداء في تمركزات الجيش بمحيط غرب سرت والجفرة وعدة أماكن أخرى ،مشيرا الى أن الجيش التزم بوقف إطلاق النار في منطقتي سرت والجفرة، بناء على إعلان القاهرة، نافيًا بشدة التقارير التي تفيد بخرق القوات المسلحة لوقف إطلاق النار في ليبيا.
وأضاف أن عددا من المرتزقة الأجانب من الصوماليين والسوريين يجري نقلهم إلى منطقة الهيشة والقداحية، غربي سرت ،في ظل دعم تركي مستمر للميليشيات الإرهابية ،مبرزا أن هؤلاء المرتزقة تحركوا، يوم الثلاثاء الماضي ، من خلال الدبابات وعربات “غراد” في إطار محاولتهم الاقتراب من منطقة الجفرة، ما يُعد مناورة كثيرا ما تقوم بها الميليشيات في تلك المناطق.
وأكد المسماري أن القوات المسلحة ستتعامل مع من يتجاوز الخطوط الحمراء، وأنها على جاهزية للرد على أي هجوم محتمل.
ويعتقد جل المهتمين بالشأن الليبي أن قيادة الجيش وإن كانت تتابع مجريات الحراك السياسي على أكثر من صعيد ، إلا أنها تمتلك الكلمة الأخيرة في مواجهة استمرار الجانب التركي في الدفع بالمقاتلين والمرتزقة الى غرب ليبيا ، خصوصا وأن ذلك يعتبر تحديا للقرارات الدولية ، ولمساعي إقرار الحل السياسي ، لافتين الى أن التدخل التركي مرفوض من أغلب القوى الإقليمية والدولية ، وخاصة من الدول العربية الفاعلة وروسيا وفرنسا والإتحاد الأوروبي.

*عن بنغازي البيان