في ظل تفاقم المشكلات الاقتصادية في ليبيا، جراء الانقسامات السياسية وتفشي الفساد ما أدى الى ارتفاع حدة الأوضاع المعيشية المزرية في مختلف أنحاء البلاد بسبب توالي أزمات التي تثقل كاهل المواطن. ودفعت هذه الأوضاع المعيشية الصعبة الى اندلاع الاحتجاجات الشعبية في عدد من المدن الليبية شرق وغرب ليبيا.

الى ذلك، شهدت مدينة بنغازي شرق ليبيا، احتجاجات، انطلقت منذ الخميس، بسبب انقطاع الكهرباء ونقص السيولة في المصارف وارتفاع سعر الدولار بالسوق الموازي والفساد الاداري والمالي بمؤسسات الدولة. وأكدت تقارير اعلامية توافد عشرات الشباب إلى وسط بنغازي، حيث بدأوا في إحراق إطارات مطاط، وأغلقوا شارع جمال عبد الناصر.

بدورها شهدت مدينة المرج خروج مسيرات للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، تخللتها محاولات اقتحام مديرية أمن المدينة، فيما قام عدد من المتظاهرين بإشعال النيران في مبنى رئاسة مجلس الوزراء بالحكومة الليبية بمدينة بنغازي، خلال الساعات الأولى من صباح الأحد، وأظهرت صور نشرت على وسائل للتواصل الاجتماعي آثار الحريق على واجهة المبنى.

ودعت زارة الداخلية بالحكومة الليبية، المواطنين إلى عدم المساس بمقرات الدولة أو تجاوز حق التظاهر والتعبير السلمي. وقالت الوزارة في بيان أصدرته الأحد، "قمنا بواجبنا في حماية المتظاهرين السلميين وتأمين المظاهرات، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، ولاحظنا جنوح بعض المتظاهرين إلى الاعتداء على المقرات الحكومية، ومحاولة اقتحام بعض الإدارات الأمنية بقوة السلاح".

وأكدت الوزارة أن "إعادة بناء الأجهزة الأمنية جاء نتيجة جهود مضنية بذلها ضباط وضباط صف وأفراد هيئة الشرطة وقياداتهم". وشدد البيان، أن مهمة وزارة الداخلية بكافة الأجهزة التابعة لها في حماية الأرواح والممتلكات، لا تكتمل إلا بوعي المواطن وإدراكه أن صون وحماية مقراتها وأرواح منتسبيها التزام عليها يقع ضمن مهامها.

من جانبه، دعا مجلس الحكماء والأعيان في مدينة المرج، جميع المتظاهرين؛ إلى عدم المساس بالمواقع الأمنية والعسكرية، والتعبير عن حقوقهم بشكل سلمي مطالبا الأجهزة الأمنية بضبط النفس وحماية المحتجين السلميين. وأكّد مجلس الحكماء والأعيان على حق التعبير عن الرأي داخل أي مكان بالمدينة، شريط عدم انتهاج سياسة الفوضى والتخريب.

وتعهدت القيادة العامة للجيش الليبي، بحماية المتظاهرين والوقوف إلى جانب الشعب في تحقيق مطالبه والخروج في مظاهرات للمطالبة بحقوقه. وأكد المتحدث باسم الجيش الليبي أحمد المسماري في بيان تلاه مساء الأحد، على حق الشعب الليبي في التظاهر، ووقوف القيادة العامة للجيش إلى جانب الشعب في سبيل تحقيق مطالبه العادلة وخاصة الأمن.

ودعا المسماري، "المتظاهرين لعدم إعطاء فرصة للمخربين باستغلال المظاهرات، والانتباه للمندسين"، مؤكدا أن "الجيش الليبي يتعهد بحماية المحتجين وتفويت الفرصة أمام المتسللين لحرف التظاهرات عن مسارها". كما دعا، المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات صارمة ضد "الميليشيات والمرتزقة التي نهبت وعاثت فسادا في ليبيا". وفق نص البيان.

وبالتزامن مع ذلك، نظم متظاهرون اعتصاما حاشدا أمام مقر رئاسة مجلس وزراء حكومة الوفاق الليبية في طريق السكة، بالعاصمة طرابلس. واحتج المتظاهرون على استمرار تردي الأوضاع المعيشية وانقطاع الخدمات الأساسية، مستنكرين قرارات رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج الأخيرة.

وشهدت مدن غرب ليبيا وخاصة العاصمة الليبية طرابلس منذ 23 أغسطس الماضي، تحركات احتجاجية حاشدة تحت شعار ثورة الفقراء. وندد المتظاهرون فيها بتدهور الظروف المعيشية وانقطاع المياه والكهرباء وانتشار الفساد. وحاولت المليشيات المسلحة اجهاض الاحتجاجات الشعبية حيث فتحت النار على المتظاهرين واختطفت عددا منهم واعتقلت آخرين.

وتعاني ليبيا من الانقسام والفوضى منذ العام 2011،وبرغم بوادر الانفراج التي تلوح بين فينة وأخرى، فإن المشهد الليبي مازال يغوص في دائرة الاضطراب والفوضى هنا وهناك، مايزيد من تردي الأوضاع المعيشية للمواطن الليبي في ظل أزمة انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، ومأزق السيولة النقدية، وغلاء المعيشة وارتفاع أسعار العملات الصعبة وتوقف المصارف، علاوة على تردي الأوضاع الأمنية.

وبحسب الأكاديمي في الجامعات الليبية والناشط السياسي وأحد أنصار النظام الجماهيري د. محمد كردمين، في تصريح لـ"بوابة إفريقيا الإخبارية"، فأن الحراك الاجتماعي السلمي في ليبيا سيستأنف بوتيرة أقوى خلال الأيام المقبلة لإيقاف المعاناة والصراع المسلح الذي تقوده ذات الدول التي أسقطت الدولة الليبية عام 2011

وطالب كردمين، المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته لحماية المتظاهرين السلميين العزل من "الميليشيات المسلحة والمرتزقة التي تم جلبها من تركيا بموافقة القوى الغربية والولايات المتحدة الأمريكية, وغيرها من الدول المتدخلة في الشأن الليبي". مشددا على أن الحراك الشعبي السلمي الذي سينطلق قريبا لا يستثني الجنوب والشرق الليبيين.

وتأتي هذه التحركات الاحتجاجية في وقت تكثف فيه الحراك السياسي عبر مشاورات في المغرب واجتماعات في القاهرة وسويسرا بحثا عن حلول للأزمة المستعصية. ويأمل الليبيون في التوصل الى توافق بين الفرقاء حول تسوية سياسية شاملة تمهد الطريق أمام توحيد مؤسسات الدولة وفرض القانون والاستقرار، وهو ما من شأنه النهوض بالاقتصاد الليبي وانهاء المعاناة عن المواطن.