دخلت ليبيا منذ سنوات في أتون الحروب، التي أفرزت عشرات الميلشيات والجماعات المسلحة ذات الخلفيات المختلفة، الإجرامية والجهادية والسياسية، لكنها تستثمر في مجال واحد هو الموت والترهيب. وقد تحولت إلى واقع مرير تعيشه البلاد. وتشكلت تلك الميليشيات على أسس دينية وطائفية أو على أسس سياسية، وكذلك يمكن أن تكون حرة الحركة والتوجه فتعمل لمن يمكن أن يدفع لها أكثر.

وفي ظل إنتشار هذه المليشيات المسلحة شهدت ليبيا تناميا كبيرا في العمليات الاجرامية وعلى رأسها عمليات الاختطاف والاغتيال التي ازدهرت بشكل كبير في البلاد بعد أن أصبحت لغة العنف والصراعات المتجددة سمة من سمات المشهد الليبي الذي تغلفه الفوضى وغياب معالم الدولة.

وفي أحدث عمليات الاغتيال في ليبيا، اغتيل مدير إدارة المتابعة بوزارة العدل التابعة لحكومة الوفاق وليد الترهوني، بعد اختطافه على يد مجهولين خلال الأيام الماضية.وفق ما أعلنته الوزارة الخميس.ووفق منشور الوزارة عبر صفحتها على "فيسبوك"، فقد عُثر على جثة وليد عبدالرحمن الترهوني مدير إدارة المتابعة بالوزارة مقتولًا، بعد اختطافه منذ يومين.

وذكر بيان الوزارة:"تنعى وزارة العدل وليد عبدالرحمن الترهوني مدير إدارة المتابعة بالوزارة والذي اغتالته يد آثمة، بعد أن تم اختطافه من قبل مجهولين خلال الأيام الماضية".وقدمت الوزارة تعازيها إلى أسرة الفقيد والعاملين بالوزارة، معلنة إدانتها بشدة هذا الفعل الشنيع، مؤكدة أنها لن تدخر جهدا في الوصول إلى الجناة وإحضارهم لساحة القضاء لينالوا جزاءئهم العادل.

والحقوقي المعروف وليد الترهوني من سكان مدينة البيضاء، وهو نجل التربوي الشهير عبدالرحمن الترهوني.ولم تذكر الوزارة تفاصيل أخرى عن الواقعة، لكنّ وسائل إعلام ليبية قالت إنّ جثمان الترهوني وجدت عليه آثار تعذيب وكدمات.فيما لم تُصدر حكومة الوفاق أي بيان أو توضيح رسمي حول الحادثة، أو الجهة المُتورطة في مقتل مدير مكتب المتابعة بالوزارة.

وتأتي عملية الاغتيال بالتزامن مع اطلاق ميليشيا مسلحة ، يوم الثلاثاء، سراح  وزير النفط السابق، الدكتور عبدالباري العروسي، وذلك بعد أسبوعين من اختطافه.ونقل موقع "ارم نيوز" عن مصادر إعلامية ليبية، إن "العروسي توجه بعد إطلاق سراحه إلى بيته، وهو الآن بين ذويه ومعارفه"، دون إعطاء تفاصيل إضافية.

ولم يصدر أي بيان عن وزارة داخلية حكومة الوفاق بشأن اختطاف  العروسي أو الإفراج عنه، إذ كان أوقفه مسلحون مجهولون  يوم الـ 24 من تموز/يوليو الماضي، في منطقة العاصمة طرابلس، وأقتادوه إلى جهة مجهولة.ولم يتضح على الفور ما إذا كان اختطاف العروسي على خلفية جنائية أم سياسية، في العاصمة التي تسيطر عليها الميليشيات المسلحة، وتمارس فيها القبض والاختطاف دون مسوغ قانوني وأحيانًا على الهوية، حسب مصادر محلية.

وشغل العروسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، والذي ينحدر من مدينة الزاوية، منصب وزير النفط في حكومة علي زيدان منذ عام 2012 وحتى 2014.والعروسي هو ثاني شخصية بارزة تنحدر من مدينة الزاوية يجري اختطافها، إلى جانب قائد الشرطة الزراعية، اللواء عبدالحكيم المشاط، الذي اختطف يوم الأربعاء 31 يوليو الماضي على خلفية الشك بدعمه لعملية الكرامة.

وداهمت قوة من ميليشيا النواصي مقر الشرطة الزراعية واعتقلت المشاط وعدًا من الضباط بناءً على أوامر من وزير الداخلية بحكومة الوفاق فتحي باشاغا بتهمة تأييد عملية الكرامة. يشار إلى أن وزير الداخلية فتحي باشاغا شكل لجنة للقبض على كل من تحوم الشكوك حوله بدعم الجيش الليبي الذي أطلق منذ الرابع من نيسان/ أبريل الماضي عملية عسكرية لتحرير العاصمة طرابلس من الميليشيات.

وليست هذه المرة الأولي التي تستهدف فيها المليشيات كل من يعارضها،فبعد إطلاق الجيش الليبي عملية "طوفان الكرامة" في الرابع من أبريل/نيسان الماضي لتحرير العاصمة من قبضة الميليشيات وجيوب الإرهاب، شهدت العاصمة الليبية حالات اختطاف لعدد من المسؤولين والمواطنين.

فقد قامت إحدى الميليشيات باختطاف رئيس مركز طرابلس الطبي، نبيل العجيل، في محاولة لإجباره على الاستقالة، ليتم إطلاق سراحه بعد ثلاثة أيام.كما قامت ميليشيات باختطاف مستشار وزير الصحة بحكومة الوفاق ناجي جبريل، واتهمته بـ"الخيانة"، بعدما وفر الدم لمستشفيات مدينة غريان التي يسيطر عليها الجيش الليبي.

كما تم اختطاف وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوفاق، أوحيدة نجم،وأطلق سراحه بعد قرابة الشهر ونصف من اختطافه ، من قبل مجموعة مسلحة بطرابلس.كما تجدر الإشارة إلى أن رئيس المخابرات الليبية، عبدالله الإدريسي، ونائبه، عبدالمجيد الضبع، ونائب رئيس المخابرات العسكرية تم اختطافهم بتهمة المخابرة مع القيادة العامة للجيش الليبي،وفق تقارير اعلامية.

ومنذ سنوات،يتعرض الليبيون في العاصمة الليبية طرابلس،في ظل سيطرة المليشيات المسلحة عليها، لشتى أنواع الجرائم من اعتقال تعسفي، خطف، قتل، احتجاز بدون محاكمة في ظل غياب حكومة قادرة على بسط سلطتها على مجموع تراب البلاد.ووفقا لتقارير دولية، فإن طرابلس وعلى مر السبع سنوات الأخيرة، شهدت عمليات ابتزاز للمسؤولين وإجبارهم على دفع المليارات للجماعات المسلحة، حتى لا يواجهوا خطر الاختطاف أو التهجير أو القتل.

ولم يسلم المواطن الليبي من هذه الجرائم، فبعد اقتراب الجيش من العاصمة بدأت الميليشيات في شن حملات تفتيش عشوائية، إذ أنها تقوم باختطاف كل من يشكون في تأييده الجيش الليبي.وكان المركز الإعلامي لغرفة عمليات الكرامة التابعة للجيش الليبى،أعلن في مايو الماضي إن المليشيات المتحالفة مع حكومة الوفاق اعتقلت تعسفيا وأخفت قسرًا مئات الأشخاص من مؤيدى القوات المسلحة الليبية فى طرابلس.وأفاد المركز فى بيان له أن مليشيات مصراتة ألقت القبض على نحو 180 شخصًا من مؤيدى الجيش الليبى وقامت باحتجازهم بإحدى المزارع الواقعة على طريق السدرة.

وأشار المركز الإعلامى التابع للجيش الليبى إلى أن المحتجزين جرى سجنهم داخل ما يعرف بـ "مزرعة المجدوب" والموجودة فيها غرفة عمليات لبعض مليشيات مصراتة، هذا إن لم يتم نقلهم لجهة أخرى، مؤكدا أن عمليات القبض والاحتجاز ليست الأولى من نوعها، حيث سبق اقتياد الكثيرين لمجرد الاشتباه بتأييدهم للقوات المسلحة الليبية.

وتواجه المظاهرات السلميّة في العاصمة الليبية طرابلس،بالرصاص الحيّ، لاسيّما إذا ما تجرّأت جموع المتظاهرين على المطالبة بإخراج جميع التشكيلات المسلحة غير الشرعية من العاصمة طرابلس.ويتعرض كل من يخالف المليشيات للإختطاف أو الإعتقال التعسفي أو القتل دون رادع في ظل غياب سلطة الدولة والقانون.

وتعيش العاصمة الليبية تحت سيطرة المليشيات المسلحة التي تمارس عملياتها الاجرامية في حق المواطنين على غرار اقدام عنصر من إحدى الملشيات المسلحة المتغوّلة بمنطقة السراج في العاصمة طرابلس،الخميس 16 مايو/أيار بقتل الشاب وليد جمعة بدم بارد وأمام أبنائه، في مشهد خلّف ردود فعل قوية.وتسببت عملية القتل في حالة كبيرة من الاحتقان بين متساكني المنطقة، الذين عبّروا عن استهجانهم لتواصل سطوة المليشيات داخل العديد من المناطق دون أن تتخذ ضدها السلطات المحلية أيّ قرار.

ووفق مراقبين فإن حوادث الاختطاف والاغتيالات والاعتقالات التعسفية وسياسة تكميم الأفواه في ظل الانفلات الأمني التي تشهده العاصمة الليبية،باتت تؤكد على ضرورة تحريرها من قبضة الميليشيات المسلحة  التي مثلت كابوسا أرهق الليبيين طيلة سنوات والتي ساهمت في اطالة أمد الأزمة في البلاد.حيث يأمل الليبيون في انهاء الفوضى والانطلاق في بناء دولتهم بعد تحقيق الأمن والاستقرار فيها.