لا شك أن ليبيا ومنذ العام 2011،قد دخلت في دوامة من الأزمات والصراعات التي تسبب فيها التدخل الغربي الذي أخرج البلاد من طور الاستقرار الى الفوضى والعنف المتجدد وباتت البلاد نهبا للصراعات والانقسامات.وعلى وقع الضعف الذي تعيشه ليبيا عادت من جديد قضية لوكربي إلى الواجهة مجددا،لتلقي الضوء بشكل أكثر وضوحا على حجم التآمر والابتزاز الدولي الذي تتعرض له البلاد.
 في مساء 21 ديسمبر/كانون الأول 1988،استيقظ العالم على نبأ تفجير طائرة "بان أم 103" فوق مدينة لوكربي الاسكتلندية، ومقتل جميع ركابها البالغ عددهم 259 شخصاً، من ضمنهم 190 أميركي الجنسية، و11 مواطناً بريطانياً، من سكان لوكربي، قتلوا على الأرض، لدى سقوط الطائرة فوق منازلهم.
وعقب الحادث،تصاعدت وتيرة التأويلات والجهات المنفذة للعملية ووجّهت أصابع الاتهام لحزب الله اللبناني وايران، لكن سرعان ما حول مكتب التحقيقات الفيدرالي بوصلة اتهاماته الى ليبيا.واتهم في القضية عبد الباسط المقرحي كما أشارت محاكم امريكية واسكتلندية الى تورط ليبي اخر هو الامين خليفة فحيمة بالحادث في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1991.
لكن المحكمة التي بدأت جلساتها عام 2000،سرعان ما أخلت سبيل فحيمة بعد أن برأته من التهم الموجهة اليه.فيما حكم على المقرحي في الـ13 من يناير 2001 بالسجن المؤبد. وفي نوفمبر 2003، قررت المحكمة العليا في أسكتلندا أن على المقرحي أن يمضي 27 عاما على الأقل في السجن.
وفي الـ20 من أغسطس 2009 أفرجت عنه الحكومة الأسكتلندية لأسباب صحية وذلك بسبب إصابته بمرض السرطان،وقد استقبل المقرحي عند اعادته الى ليبيا باحتفاء كبير ابان حكم العقيد الليبي الراحل معمر القذافي.وفي الـ20 من مايو 2012،أعلن عن وفاة عبد الباسط المقرحي في منزله في العاصمة الليبية طرابلس.
وبدا واضحا منذ البداية أن الحادثة المرعبة تم استغلالها سياسيا ضد نظام العقيد الراحل معمر القذافي. حيث مارست بريطانيا والولايات المتحدة ظغوطهما داخل مجلس الأمن الدولي لإصدار القرار 784 في الـ31 من مارس 1992 بأغلبية 10 أصوات وامتناع 5 أعضاء عن التصويت، لاجبار ليبيا علي الاستجابة لطلب الدولتين،عبر التهديد بفرض عقوبات عليها من بينها حظر الطيران منها وإليها.
ورفضت ليبيا الاستجابة لهذا القرار، وفي الـ15 من أبريل 1992 نفذت الدول تهديدها ووقعت عقوبات على ليبيا. ولم تكتفي بذلك بل قامن بريطانيا وأمريكا في الـ11 من نوفمبر من نفس العام باستصدار قرار آخر من مجلس الأمن تحت رقم 883 يطوّر من نوع العقوبات المفروضة ويوسّعها لإجبار ليبيا على الإذعان لمطالبهما.
ويبدو أن لغز قضية لوكربي مازال مفتوحا،فبعد أكثر من ثلاثين عاما على الحادثة هاهي تعود مجددا الى الواجهة،حيث أعلن وزير العدل الأمريكي وليم بار، مؤخرا،في مؤتمر صحافي عقد في واشنطن، عن اتهام ضابط أمن ليبي يدعى محمد أبوعجيلة مسعود بصنع القنبلة التي أدت الى تفجيرالطائرة، وطالب بتسليمه.
وقبل ذلك،تناقلت وسائل الإعلام الأميركية خبر اعتزام السلطات الأميركية إعادة فتح ملف القضية، بزعم ظهور أدلة جديدة، تشير إلى مشتبه به آخر، تبين وجوده مسجوناً بأحد السجون في العاصمة طرابلس.وقالت صحيفة ”"وول ستريت جورنال" إن الليبي الذي تسعى الولايات المتحدة لتسلمه من أجل محاكمته يدعى أبو عقيلة محمد مسعود وهو موقوف حاليا في ليبيا، لكن صحيفة "نيويورك تايمز" قالت إن مكان وجود هذا المطلوب الليبي مجهول.
ونقل موقع "ارم نيوز" الاخباري عن الأكاديمي الليبي المختار الجدال أن "المتهم الجديد أبو عقيلة موجود في سجون الميليشيات منذ عام 2012، وأن أعترافاته جاءت بناءً على تحقيقات من قبلها، وفي ظل غياب محاكمة عادلة، وأساليب تحقيق إنسانية".
وأضاف الجدال،أن "وزارة داخلية الوفاق هي من تواصلت مع السلطات الأمريكية، ولا يستبعد أن يكون وزير الداخلية فتحي باشاغا وراء الموضوع؛ لكسب تأييد أمريكي لدعم مساعيه لرئاسة الحكومة الجديدة".معتبرا أن "أمريكا تستعد لتغيير نمط تعاملها مع المشكلة الليبية.. وسيستخدمون هذا الشخص ذريعة للتدخل من جديد، وبشكل مغاير في ليبيا".
وتلقي هذه التطورات الضوء على حجم التذبذب التخبط الذي رافق القضية خاصة وأن الجديث عن براءة ليبيا تواصل خلال السنوات الماضية.ففي الـ29 من أغسطس 2011،نقل تقرير نشرته شبكة "سى إن إن" الأميركية،عن الدكتور جيم سواير الذي قتلت ابنته في الحادث، قوله إنه متأكد من براءة المقرحي، وأن الأميركيين دفعوا مليوني دولار للشاهد الرئيسي في القضية لتوريطه
وفي ديسمبر 2018، نشرت صحيفة "الديلي ميل" البريطانية، تحقيقا مطولا عن الحادثة. وقالت إن التحقيقات اتهمت المقرحي بناء على مجموعة من الأكاذيب الملفقة. وأشارت إلى أن الليبي عبدالمجيد جعاكة، كان أحد الشهود السيئين في القضية حيث ادعى رؤية المقرحي وهو يحمل حقيبة سامسونايت بنية اللون من صالة القادمين بمطار لوكا في مالطا بتاريخ الـ20 من ديسمبر 1988. وفي صباح اليوم التالي زعم أن الحقيبة تم تحميلها على متن رحلة إلى فرانكفورت، ثم نقلت إلى لندن في رحلة طيران بان آم لتنفيذ الهجوم.
بناء على تلك المعلومات الملفقة، اعتبرت الصحيفة أنه حكم على المقرحي بالسجن مدى الحياة في محاكمة غير عادلة وغير عادية جرت في قاعدة جوية أميركية غير مستخدمة بالقرب من أوتريخت بهولندا. وتابعت أن عدم الكفاءة والانتقام والنفعية السياسية كانت وراء إلقاء التهمة على ليبيا ومن ثم التغطية على الفاعل الحقيقي من أعلى المستويات في لندن وواشنطن.
وفي ديسمبر 2020،نقلت صحيفة "تلغراف" البريطانية عن العميل السابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، جون هولت، أن الشاهد الرئيسي في قضية تفجير لوكربي "له تاريخ في اختلاق القصص".وقال هولت إنه كان مسؤولا عن كتابة برقيات سرية تظهر أن العميل الليبي المزدوج الذي قدمه الادعاء الإسكتلندي باعتباره الشاهد الرئيسي في محاكمة تفجير لوكربي "كان له تاريخ في اختلاق القصص".
دلائل كبيرة ووقائع واضحة تثبت أن القضية تم استغلالها سياسيا ضد ليبيا،وكانت النتيجة عقوبات شنيعة بما فيها الحصار الذي تعرض له الشعب الليبي ما بين العامين 1993 و1999. ورفع في الـ12 من سبتمبر 2003 بعد أن اضطرت ليبيا لتوقيع اتفاق مع لندن وواشنطن لدفع تعويضات لأسر الضحايا.
ويثير ظهور القضية مجددا على السطح،في هذه الظروف التي تعيشها ليبيا خاصة مع غياب سلطة موحدة وتواصل الصراعات والتدخلات الخارجية، تساؤلات كثيرة، ليس أقلها: لماذا الآن؟ وما الغاية من الأمر؟ وهل يمثل هذا الظهور فصلا جديدا في فصول ابتزاز ليبيا واجبارها على دفع ثمن ذنب لم ترتكبه؟