فقدت ساحة الأدب الشعبي الليبي أحد أبرز أعلامها برحيل الشاعر الشعبي القدير علي الساعدي الفاخري والذي وافته المنية عقب صراع مع المرض في جمهورية مصر العربية ودفن على إثره في مدينة سلوق بليبيا.وقال الحاج محمد الساعدي شقيق الفقيد، لـ "بوابة إفريقيا الإخبارية" اليوم، إن الشاعر الراحل عانى منذ فترة ورما في الكبد ألم به وقد بدأ في تلقي العلاج منه في مصر عام 2012، إلا أنه لم يستكمل ذلك نتيجة لمرض ابنته التي آثر معالجتها على نفسه، غير أن مرضه اشتد عليه مؤخرا مما أضطره للسفر مجددا للعلاج في مصر، لكن الورم كان قد تقدم في جسده لينتقل الساعدي إلى الرفيق الأعلى ويدفن الإثنين في مقبرة "الوارث" بسلوق حسب وصيته.

علي الساعدي الفاخري الذي أتقن الشعر وعرف ضمن كبار الشعراء في ليبيا عامة وبرقة خاصة، من مواليد سلوق عام 1948، بدأ مسيرته مع الشعر منذ طفولته في خمسينيات القرن الماضي، واستمرت أعماله حتى قبيل رحيله، كانت له قصائد شعبية عديدة ودواوين مختلفة، حيث تنوعت قصائده ما بين العاطفي والوطني و وصف الإبل والكرم وغيرها من الألوان التي تفنن فيها، كما كانت له بصمة خاصة في الشعر السياسي الذي لامس مواضيع وملفات كانت من المحرمات قبل صدوح الساعدي بها، ولعل أبرزها قصيدة (علم عالي) والتي هجا فيها من وصفهم برموز الفساد في بنغازي وأجسام الدولة الليبية، حيث ألقاها عام 2009 في مهرجان الشعر الشعبي على الهواء مباشرة بحضور الزعيم الراحل معمر القذافي، قائلا في أحد أبياتها:

(بمية دولار البرميل .. ونا جيعان .. افتولي في حقوق إنسان)

علاقة الراحل الساعدي بالسياسة لم تكن جديدة، فقد شارك في نهاية السبعينيات في محاولة الانقلاب العسكري التي كان يخطط لها صديقه النقيب إدريس اسبيق الشهيبي وكشفها النظام في شهر أغسطس من عام  1980، ليعدم الشهيبي ويسجن الساعدي فيها عام 1981 ويذوق في زنزانته صنوف التعذيب المختلفة، حتى قال قصيدته الشهيرة داخل السخن:

(يا حي يا قيوم .. مالي علي غيرك عتب لا لوم .. تجيب الفرج)

وفعلا جاء للساعدي الفرج عندما أطلق سراحه من سجون القذافي عام 1985، غير أنه استمر تحت المراقبة الأمنية المشددة وتحت عقوبة الحرمان من الحقوق المدنية حتى فبراير 2011، حيث قال في أحداث فبراير قصائد عدة من أبرزها رده على قصيدة الشاعر عبدالمجيد سيف النصر (حشاهم)، إضافة إلى قصيدته على العاصمة طرابلس والتي قال فيها:

(يا طرابلس هانت بدت تجلّى .. قريب تفرحي بقدوم شعبك كله)

علي الساعدي الذي تغنت أعماله بأطفال غزة ومقاومة فلسطين وصدحت أبياته ضد الحرب على العراق وانتقدت قوافيه خنوع الحكام العرب في مناسبات عدة، نالت جلها إعجاب نقاده وعدد من الرواة والمتابعين للأدب الشعبي، حيث وصفه الناقد الدكتور يونس عمر فنوشبـ"أحسن من نطق الشعر الشعبي الليبي"، بينما قال عنه الراوي و وزير التعليم الأسبق الدكتور سليمان الساحلي بأنه "موسوعة متنقلة من الشعر"، كما تناقل قصائده ورد عليها زملاؤه من كبار الشعراء أمثال الشاعر القدير عبدالسلام بوجلاوي الفاخري والشاعر القدير جمعة بوخبينة الزوي والشاعر القدير مراد البرعصي وآخرون كثر.

برحيل علي الساعدي الفاخري يغيب الجسد بعد رثاء وتعازي تقاطرت من كبار الشعراء، إلا أن أعمالا للرجل خالدات لم تغيب، حيث يواصل جمهوره ومعجبوه ترديد قصائده التي عرف بها على غرار (كميته قلبي)، (خطيت بالقلم)، (يا حنان)، (مازلت نا هو نا)، (نمرض إن ما ليلة)، (غيب يا قمر)، (ياريت عندي عزم)، وغيرها مئات القصائد الشعرية المختلفة التي أبدع فيها الساعدي أيما إبداع وأثرت مكتبة الأدب الشعبي في ليبيا، رحم الله الشاعر القدير وأسكنه فسيح جنانه.