أثارت التزامات الحكومة التونسية بالرفع التدريجي للدعم، وخفض الأجور، مقابل الحصول على تمويل جديد من صندوق النقد الدولي، جدلا واسعا وتحذيرات كثيرة من حدوث اضطرابات اجتماعية وغضب شعبي كبير. وكانت وثيقة حكومية مسرّبةقد أظهرت أن تونس تخطط لخفض كتلة الأجور إلى 15 % من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المقبل، من خلال فرض برنامج للمغادرة الطوعية للموظفين، إضافة إلى رفع الدعم نهائيا عن المواد الغذائية ثم المحروقات والكهرباء والغاز مع موفى 2024، وذلك بهدف إقناع صندوق النقد الدولي بإقراض تونس 4 مليارات دولار.

تسعى الحكومة التونسية برئاسة هشام المشيشي لتوفير برنامج تمويلي لإنعاش الاقتصاد التونسي بأضخم قرض في تاريخ تونس حيث توجّه وفد رفيع المستوى بقيادة وزير المالية التونسي علي الكعلي، إلى واشنطن للنقاش مع صندوق النقد الدولي حول برنامج تمويلي لتونس التي تعاني من أزمة اقتصادية غير مسبوقة مع عجز مالي بلغ 11.5% لأول مرة بنهاية 2020 بينما انكمش الاقتصاد بنسبة 8.8% بسبب تداعيات أزمة كورونا.

تواجه تونس أزمة إقتصادية حادة تهدّدها بالإفلاس في ظل تفاقم الديون الخارجية التي تجاوزت مائة في المائة وحُدّدت قيمتها بــ80.9 مليار دينار (30.3 مليار دولار) مع نهاية سنة 2020 حسب تقديرات مروان العباسي محافظ البنك المركزي. كما أظهرت بيانات المعهد التونسي للإحصاء، تسجيل اقتصاد البلاد تراجعا قياسيا لمعدل النمو بنسبة 8.8% في العام الماضي، وارتفاع نسبة البطالة إلى 17.4%،.كما تتوقع الحكومة تسجيل عجز في موازنة 2021 بمقدار 5.5 مليارات دولار.

من جهة أخرى يرى منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بتونس، إن الاقتراض المتواتر من صندوق النقد لم يساعد على تحسين الأوضاع المعيشية للتونسيين، بل إن وضعهم يزداد سوءا مع كل برنامج جديد، معتبرا أن القوى المحتكرة للثروة وللسلطة والمستفيدة من الغنائم والمكاسب غير المشروعة والمسؤولة عن الأوضاع المنهارة، هي التي تتسارع قبل غيرها للدفع نحو اللجوء إلى الصندوق وتعتبره المخرج الوحيد لتجاوز الأزمة، التي تقود حتما إلى التنامي المتصاعد للمديونية العمومية وإلى ارتهان متزايد للسيادة.

وانتقد المنتدى محاولة الأطراف الأجنبية جاهدة لحشر المنظمات المهنية (الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة رجال الأعمال) في المفاوضات الجديدة، بحثا عن تحقيق ضمان أكثر لتطبيق إملاءاتها وشروطها.

وحيال ذلك، راسل مرصد رقابة (جمعية مدنية رقابية) الحكومة، بهدف الحصول على توضيحات، بخصوص ما وصفها بـ"الالتزامات المؤلمة" التي تعهّدت بها تونس لدى صندوق النقد الدولي، في المفاوضات التي ستنتهي، السبت المقبل، ومستقبل الاتفاقيات الداخلية التي تتضمن التزامات مالية واجتماعية 

وقال الاتحاد العام التونسي للشغل ذو التأثير القوي يوم الأربعاء إنه يرفض الإصلاحات المقترحة لخفض كتلة الأجور وخفض الدعم، معتبرا أنها إجراءات غير اجتماعية، وقال إنه متمسك ببدء مفاوضات لرفع الأجور في القطاع العام في ظل الصعوبات المعيشية للتونسيين

وأفاد الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل سامي الطاهري في تصريح إعلامي خاص أن هذه الإجراءات "أحادية لم نناقشها مع الحكومة، وتفاجأنا بتفاصيلها عبر رويترز"، مضيفا "نحن لا نقبل إجراءات غير شعبية وغير اجتماعية وهي هروب للأمام من الحكومة والبحث عن حلول سهلة ومسكنات". وتابع "أزمة المالية العمومية هي أكبر من مجرد الحديث عن كتلة الأجور ويتعين على الحكومة البحث على أموال كبرى من التهرب الضريبي وتفادي المس بالموظفين وعامة التونسيين الذين يعانون ظروفا اقتصادية صعبة".

من جهته قال الأمين العام المساعد للإتحاد العام التونسي للشغل صلاح الدين السالمي، أن المكتب التنفيذي الوطني لم يطّلع على وثِيقَة الحكومة لصندوق النّقد الدّولي،لا في نسختها الأوليّة ولا النّهائيّة.

وأضاف السالمي في تدوينة له على حسابه الرسمي فيسبوك ،''وَمَنْ يعتقد أن الإتحاد يُوافِق عَلى إلغاءِ الدَّعم نِهائيًّا فَهوَ وَاهِمٌ."


وفي ظل هذه التنازلات والتخطيط لرفع الدعم، أثير جدل كبير خاصة حول ارتفاع سعر الخبز الذي يمثل الخبز الغذاء الأساسي للمواطن في تونس على غرار باقي الدول العربية، كما انه مكون غذائي أساسي في الكثير من أكلاته. ويرمز الخبز كذلك لاستقلال الدولة وعدم اعتمادها على المعونات الخارجية. فإذا كانت الدولة تستطيع توفير الخبز بسعر مناسب لمواطنيها، فذلك يعني اعتمادها على محصولها من القمح أو الدقيق أي نوع آخر من الحبوب بشكل كبير. أما إذا ارتفع سعر الخبز فذلك يعكس اعتماد الدولة على استيراد الحبوب أو اعتمادها على المساعدات الخارجية أو وجود أزمة اقتصادية في هذه الدولة

في هذا الصدد أكّد الخبير الاقتصادي عز الدين سعيدان أنه اجتماعيا من غير الممكن رفع سعر الخبزة، ولكن اقتصاديا فإن سعر الكلفة يصل إلى 630 مليما على أساس رفع الدعم عن الطاقة والحبوب، وأضاف أن هذا السعر غير قابل للتطبيق نهائيا. من جهته أكد الخبير الاقتصادي رضا قويعة أنه من المستحيل بلوغ هذا السعر حيث أن الزيادة ستكون بين 20 و30 مليما، لأن رفع أسعار الخبز ومشتقات الحبوب بشكل عام لها انعكاسات على الوضع الاجتماعي، وأوضح أنه لا يمكن رفع أسعار المواد الأساسية الغذائية إلا بنسبة ضئيلة.

من جهة أخرى أفاد مقرر لجنة المالية التونسية والتنمية والتخطيط فيصل دربال، أن عدم استشارة الحكومة للجنة قبل الذهاب إلى نيويورك من أجل قرض صندوق النقد الدولي أوقعها في اخلالات كبيرة رغم أن اللجنة ترى في القرض فرصة الحكومة الأخيرة لإنقاذ البلاد، حسب تعبيره. مضيفا أن الإخلالات التي نبه منها الإتحاد العام التونسي للشغل من الإصلاحات المفروضة من قبل صندوق النقد الدولي هي جدية وواقعية " إذا أن القرض باش يدخل تونس في حرب أهلية لن نصادق عليه ! لن نصادق على قرض يجعل من ثمن 'الخبزة' 630 مليم !". كما حذّر من حصول احتقان اجتماعي كبير بالبلاد، إذا "تم رفع الدعم عن المواد الأساسية بطريقة مسقطة من طرف الحكومة"

فيما اعتبر موقع "تونس تتحرى" المتخصص في صحافة التحري، أن ما افاد به مقرر لجنة المالية والتنمية والتخطيط النائب فيصل دربال بخصوص جعل المصادقة على قرض صندوق النقد الدولي سعر الخبزة يرتفع إلى 630 مليما، غير دقيق.

ويأتي هذا التوصيف على خلفية عدم تطابق آراء عدد من الخبراء الاقتصاديين الذي قامت وحدة التحري لموقع تونس تتحرى بالاتصال بهم للتثبت من صحة هذا الرقم، حيث أكد الخبير المالي ياسين بن اسماعيل أن سعر الخبزة قد يتجاوز الرقم الذي أعلن عنه دربال ليبلغ 900 مليم إذا تمت مراجعة سلة المواد المعتمدة في عملية احتساب نسبة التضخم، وأضاف أن جهاز الإنتاج متوقف لذلك فإن ارتفاع الأسعار شيء طبيعي. 

وأطلق القيادي بحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد وعضو البرلمان التونسي منجي الرحوي، صيحة فزع بعد تسريب مفاوضات الحكومة مع صندوق النقد الدولي بخصوص رفع الدعم في آخر التسريبات وقال أن الحكومة تنكرت وتخلت عن شعبها في الأوقات الصعبة وتعاملت بمنطق غرق السفينة وهروب الجرذان، وأضاف أنهم قاموا بالتلقيح بصفة سريّة ولم يحترموا الأولوية وأن نواب البرلمان فضلوا أنفسهم وصحتهم على صحة المواطنين. 

وفي تعليقه على الوضع الإقتصادي للبلاد قال "وزير المالية أمورو واضحة جدا وكان يلقا يبيع تونس ما عندوش مشكلة، وصندوق النقد الدولي يستثمر في جوع التوانسة ونحن في طريق رفع الدعم عن المواد الأساسية الخبزة باش تولي ب630 ملّيم وكيلو الطماطم ب7 د ولتر الحليب ب4 د. مشدّدا على أن رفع الدعم هو جريمة في حق الفئات الوسطى في تونس "إلي بش يتم سحقها تماماً " المهندس والطبيب والأمني والأستاذ والعامل والفلاح وغيرهم من أبناء الوظيفة العمومية مهوش بش تعطيهم فلوس تسد العجز الحاصل عن رفع الدعم".

هنا تقف تونس في أخطر منعرج على الإطلاق خاصة مع الأزمات الخانقة التي تطوق بقوة البلاد في كل قطاعاتها من الاقتصادية إلى الاجتماعية والصحية في ظل أزمة سياسية طال أمدها وغابت حلولها.وهو ما يقلل فرصها في تحقيق انتعاش إقتصادي خاصة بعد أن استنفذت كل حلولها الداخلة والخارجية ما يجعل من صندوق النقد الدولي "أملها الوحيد في الإنقاذ" ويقول الخبراء أن النقد الدولي له أثر كبير في دفع هذه الدول إلى تغيير سياستها الاقتصادية في القرن الماضي، تحت دعوى "إصلاح الاقتصاد" مما أدى إلى توجّه هذه الدول إلى تقليل الدعم أو رفعه على المنتجات الغذائية وفي مقدمتها الخبز مخاطرة بالوضع الاجتماعي والتحرك الشعبي الذي سينفجر جراء ذلك.