اليوم الثالث.. الحوار (11)

••••

"إن أبطال التاريخ هم أفراد يضحون من أجل قضايا . ليـس هناك أي تعريف آخر لذلك. ولكن أي قضايا؟ إنهم يضحون من أجل آخرين... ولكن أي آخرين؟"

معمر القذافي 

أساس حركة التاريخ، الكتاب الأخضر- الفصل الثالث

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

...كانت الشمس قد استدارت كلية نحو الغروب، وكأنها تسابق النهار، لتهيىء لليلةٍ جديدةٍ مستقرها ومستودعها وبعض من تجلياتها وكل فيض خواطرها

أما العاصفة الترابية فقد هدأت وبدأت الريح في السكون حتى خمدت تماماً، بينما ظلت الكثبان الرملية متوهجةً ملتهبةً بانتظار برودة الليل وبرده

نهض العقيد من تحت تلكم الشجيرة ممسكاً بأحد فروعها، ثم تابع مسيره وسط كثبان الرمال، وتابعته المسير كعادتي متأخر عنه قليلا، مقتفياً آثار خطواته.

ولا زال السؤال يؤرقني عن رسالة العقيد وعن سيرته وعن الميت الحقيقي وعن الفارس الذي لا يموت والذي يبقى حيّا حتى لو سجي في قبره وغادر الدنيا، بل وحتى ولو لم يعلم له قبر، ولَم يوارى عليه الثرى..

هو الفارس الذي يعيش بين الناس حياً في خبزهم المفقود، وفي مائهم المسكوب.. يتحسسون غيابه في ظلمات الوطن التي يتراكم بعضها فوق بعض.. وفِي الظلمات التي استوطنت في غيابه، القلوب قبل أن تستوطن البيوت والشوارع .. يفتقدونه في كرامة سلبت.. وأمن ضاع.. وسيادة أنتهكت.. وبلاد بيعت في كل أسواق النخاسة.. 

هو الفارس الحي الذي لا يموت ولو فصل جسده عن راْسه كجده الحسين رضوان الله عليه.. أو جده المجاهد حمد بومنيار الذي أعدمه الطليان في غرد بو زريدة، بين ودان وهون.. 

يا له من تساؤل رهيب ومهيب.. فيه وجل وخوف وترقب وهواجس.

قلت له إذن من هو الميت يا سيدي العقيد؟! وكيف يمشي بيننا حياً رغم الأموات التي تتحرك أمامناً كالأنعام بل وأضل سبيلاً؟!

تذكرت وأنا أسأله، سؤالي هذا، قولته الشهيرة ذات مرة إن "الفارس لا يموت..الثوري لا يموت.. الشجاع لا يموت.. البطل لا يموت.. بل يموت الجبان.. ويموت الخائن.. ويموت العميل.."..

قلت في نفسي وأنا استحضر مشاهد واقع اليوم.. نعم يموت المرتد الذي استبدل قيم غالية ومبادئ سامية بفتات مهين.. 

ويموت الديوث الذي لطالما قد قميصه من دبّر، حتى لو جلس في المكاتب الفاخرة وأمتهن التجوال في أنطاكيا وحوض الأناضول .. 

ويموت صنم الهزائم، ولو جعل منه أصحاب الحدث الأكبر والأصغر إنموذجاً في تعليق نياشين بيع الوطن

ويموت العميل مهما تصدر من مشهد زائف وديكور من الوهم..

ويموت الزنديق مهما أعفى لحيته ورفع إزاره وألحن في القول وأطال في صلاته مكاءاً وتصدية، وتصدر منابر التكفير فارتد بصقه على وجهه..

ويموت "قليل الأصل" الذي كان جده سائساً سراجاً لخيول الطليان ويهود الحارة، ولو مشى على البساط الأحمر طوال عمره.

ويموت الهارب ولو سولت له مرأة توهم الرجولة ما يجعله يهش بعصا "الشرف" على بعض غلابة النيل..

ويموت المذعور الذي ألقى سلاحه أمام باب العزيزية مولياً دبره غير متحفز لقتال، ولو منحته كل قنوات فبراير صكوك الغفران.. 

أمًا الخلً الوفي فلا يموت، ولو رقصت الكلاب على جثمانه الطاهر في أرض الزعفران.. 

ولا يموت شيخ الأشراف ولو  تناثر جسده الطاهر في قنفودة، ليوهب الحياة للأطفال والنساء.. 

ولا يموت سليل المجاهدين ولو مزق طيران الناتو جسده على مشارف بنغازي يوم الزحف المقدس..

ولا يموت الفارس الذي ثبتت إصبعه على الشهادة ولو بقى وحده في ميدان القتال يوم سقوط البريقة..

ولا يموت شيخ الفرسان الذي كانت صرخته "انهضوا ليبيا ما تنهضوني".. ولو بقى جسده في الميناء. 

ولا يموت شيخ الفدائين "حامل الراية الخضراء" الذي كانت دعوته "اجعني من مخفيين القبور في حناجر الطيور" فأوفى بما عاهد عليه واستجيبت دعواه إذا شاء القدر أن ينقل رفاته الطاهر من أرض القرضابية ليخفى في نواحي اجدابيا فيظل حياً بين الناس

وأمًا سليل الخائنين فيموت ولو دفن في البقاع.. 

ولا يموت الشريف سليل الشرفاء، ولو غاب الدهر كله، ولا تقبل الأرض أن تواريه في بقعة واحدة، بل تمنح له كل البقاع كما منحته كل القلوب حبها...

تابعت المسير، خلف العقيد، بخطىٍ تتثاقل ونفسٍ يملؤها الفخر والإعتزاز وبعض الحزن وهي تردد تلك العبارات التي تشحذ الهمم وتجذر الثبات وتحصن القلوب

و فجأة توقف العقيد أمام أمواج من الرمال ذات تعاريج رسمت العاصفة الترابية بعض من أشكالها الهندسية، وكأنها فسيفساء متناهية الدقة، وأشار إليً بيده، أن انتبه ولا أحطمن هذه الزخارف بقدمي دون أن أعلم.. وعوضا عن أن يجيبني عن تساؤلاتي وهواجسي عن الميت الحقيقي قال العقيد وهو ينظر إليً، لم يؤتي أحد من الملك كنبي الله سليمان، فقد جعل الله له ملكا لا ينبغي لغيره، ولا لإحدٍ من بعده.. حتى أنه عند موته ظلت الشياطين مصفًدة، ولولا الدآبة التي أكلت مسناته فخرً على الأرض، لظلت الشياطين في المهانة والعذاب إلى يوم البعث لجبنها ولخوفها ولكونها رعديدة لا تملك شجاعة المواجهة ولا تملك أدوات التحدي ..

ثم توقف وسألني إن كنت أعرف مغزى هذا الكلام!   

تلعثمت في تفسيره ثم قلت له بجرأة تماماً كالشايطين التي حدثتني عنها بالأمس والتي خرجت من أصفادها بعد أن كانت تطوف حول خيمتكم  لا تقيل النهار ولا تنام الليل، واليوم قد بانت عوراتها وظهرت سوءاتها ولَم يعد ينفعها طفق ورق التوت.. 

ثم أضفت، وقد ابتسم العقيد لكلامي،   أانت يا سيدي وكونك قاريء مميزا للتاريخ.. بل وصانعاً له.. ولإحداثه.. كيف ترى مغزاه.. وما علاقته بسيرتك التي يدلي فيها كل بدلوه وهل في هذا إيماءة للميت الحي والحي الميت؟

ربت العقيد على كتفي برفق ثم قال، إن الملك مهما تعاظم يأتي يوماً ويبلى ولكن السير الخالدة مهما خاض فيها من خاص فلن تقبل الدنس.. هو التاريخ يا أبني من يتكفل بتوثيق أحداثه بعيدا عن أقلام وأبواق المرجفين..

لم أشأ أن أثقل كاهل العقيد إذ بدأ شيئاً من الإحباط جلياً في نبرة صوته وقد استوقفني،كلامه عن السير غير المدنسة فقلت له كي أبعد عنه شبح مسحة الإحباط التي لاحت أمام ناظري و أدركت بعض منها، قلت له، ولكن هل توجد سيرة لا يطالها دنس

أجاب العقيد أن الدنس لا يطال السير بحد ذاتها بل يتعلق بأولئك الذين تصدوا لها، ولم يتركوا لإصحابها حرية إيصالها حتى بعد حين

ثم واصل مسيره بتريث مترقباً الشفق الأحمر الذي أخذ يلامس الكثبان الرملية من بعيد.. حيث ليلة صحراوية أخرى، بدأت تطل بتجلياتها وحيث يطيب الحوار مع سكون الليل.. ولما لا والحديث سيدور حول  سيرة ليست ككل السير، وهواجس ليست ككل الهواجس وتجليات ليلة ليست ككل الليالي، واحداث ليست كباقي الأحداث.

سرعان ما أقبل الليل وولت الشمس مدبرة وأخذت العتمة تتسلل من وراء الكثبان الرملية، التي أبت إلا أن تحافظ على بريقها عنوة، رغم أنف الظلام.. 

قال لي العقيد عندما شاهدني أتأمل هذا المشهد الذي لم يرد حتى بمخيلتي يوماً، أن الطبيعة الصحراوية هي مثل النفس البشرية الصافية لا يزيدها الظلامإالا نصوعاً، وحتى النجوم والأقمار لا يزداد لمعانها إلا إذا تهاطل الظلام عليها.. 

خفق قلبي لقولته "لا يزيدها الظلام إلا نصوعاً"، ونظرت في وجهه ملياً كالمريد المجذوب المنتشي بعبق "الجاوي"، إذ جال بخاطري بيت لأحد شعراء بني وليد الرصيفة الذي قال ذات مرة

"فرادي سيده... سواد فبراير بياض يزيده.. زعيم ثورة الفاتح..". 

وظل خيالي مشدوداً إلى العقيد وأنا أردد هذا البيت، حيث أدركت مغزى عبارته، فهو الهدف المستهدف لعباءات الظلام, وكل الرويبضات وسماسرة الكلم, وأقلام بدون ضمائر . وعوام دهماء تنعق بما تسمع.. وكهنة ديدنهم النجاسة والنخاسة، تربصوا به كل مقعد، وسخروا له كل ما تلت عليهم الشياطين.. فكان الرجل كالمعدن النفيس، يزداد لمعاناً وبريقاً كلما توهم الظلام إنه نال منه.. وكان كالنجم الدري يزداد نوراً وإشعاعاً كلما تطاولت عليه العتمة.. فذهب حقد زبدهم جفاء ومكثت في الأرض سيرته التي تنفع الناس.

قلت له أهو الطهر والبركة يا سيدي! أم أنك تمتمت واستجاب ربي لما قلت، تماماً مثل تلك الدعوات الربانية الماحقة والتي لم تخطيء سهامها يوماً!

جال بذاكرتي موقفاً لازلت أذكر تفاصيله منذ أن كنت طفلا إذ كنت أنام مع جدتي "رابحة بومنيار"، وكنت استأنس بأحاديثها والقصص التي ترويها وحكايات "الجدات" وسمر الليالي،   وذات ليلة، "حكت" لي في أحد "حكواياتها" عن عمتها "مبروكة بنت الفارس جدة العقيد أم والده، إن جدتي "نجلة أم النواجي لمرابطبن" التي أوتيت من الكرامات ما أوتيت، أوصت جدتي "عائشة بن نيران" قائلة لها إذا ضاق بك ما حولك فاعلمٓ إنك لا تسألين بعيد.. وما عليك إلا "بدعوة" أمهاتك وجداتك.. "حمر الشفاشيف" ، إذ كان دعاؤهن "يا سيدي ربً.، تمتمت وأنت تعرف ما قلت"..

يا له من توكل في زمن التواكل.. ويا لها من تجليات ضمائر صافية، ضمائر نقية لو أقسمت على الله لأبرها.. ضمائر لا تراودها الحيل التي تحايل عليها أهل الأهواء حتى جعلوا لها باب في الفقه أسموه "باب الحيل الشرعية"، لوأد شريعة سمحاء لا يأتيها الباطل من ببن يديها ولا من خلفها

نعم يا سيدي هكذا روت جدتي "رابحة" عن جدتي "نجلة" عندما اعتدت "باندا من عبيد الاستعمار، على "النجع" وكيف ساق الله وقتياً تلك "الغبيرة" العاتية ذات الريح الصرصر، التي ذهبت بكل شيء وأحالته إلى عهن منفوش، إلا بيت جدتي "نجلة" والتي تمسكت "بركيزة" البيت وظلت تردد "يا سيدي ربً تمتمت وأنت تعرف ما قلت". 

قلت له في نفسي، أقسم لك يا سيدي إنها كرامات وما هي بخرافات،، إنها كرامات  تطابق ما قاله جدك رسول الله حين ذكر "الرجل الأشعث الأغبر الذي لو أقسم على الله لأبرّه"..كرامات ككراماتك التي حصدتهم كلهم من لاعق "المستكة" إلى "تيس الجبل الاثيوبي الذي نفق مؤخراً بعد أن طارده عشم أمك الطاهرة "عائشة بالنيران" والتي أمد الله عشمها بكورونة صغيرة نالت قبله من محمود جِبْرِيل وتوعدت العبد الذليل بالويل والثبور والعذاب المهين والهلاك المبين، حتى يكون اَية وعضة لعديم الكرامة وديوث الأتراك وزنديق دار الفتنة وأتباعهم

ثم اقتربت منه أكثر وقلت له بصوت لازال أجشاً ترهقه بحة  .

نعم هي كذلك يا سيدي ولهذا أنتم لا تخشون على سيرتكم من الدنس؟.

توقف العقيد عن المشيء ووضع مرفقه على كتفي وكانه أراد مكافأتي عن بعض استجابتي له، ثم قال أذكر في أحد الأعياد   زارني في خيمتي عمي غيث الزناتي، وكان شيخاً حكيماً ذو نظرة ثاقبة، قلت له وقد أردت استنطاق حكمته، وكان من ضمن الحظور يومها جلود، والبراني، وحمد قداف الدم، وعبدالسلام الزادمة، وعمر أشكال،  قلت له "يا عمي غيث أنت ثوري جداً" فضحك قائلاً بحكمته المعهودة: "يا عمورا ها الهايشة اللي لوحتها عليً شن تبيني نديرلها"..

صمت العقيد وضغط على عينيه بإصبعه ولَم يعقب! ولكن نفسي لم ترد لتترك لا شاردة ولا واردة إلا وسألت العقيد عمًا يرمي إليه...

 فارتأيت سؤاله عن تداعيات تلك "الهائشة" التي ألقيت في حضور حراسً خيمته!...