هل فشلت أيدولوجيا العولمة وهل انتصر هانتيجتون؟!

Nov 13, 2017
هاني نسيره -بوابة إفريقيا الإخبارية

لم يكن الجانب الأبرز من العولمة حين صعودها مفهومها أوائل التسعينيات هو الجانب السلبي المتعلق بالغزو والتغريب والأمركة كما ظلت تردد خطابات الأيدولوجيات المغلقة منذ نشأتها طوال القرنين الماضيين وحتى الآن، ولكن كان جانبا مشرقا بشر بواقع عالمي جديد على مستوى الأوطان وعلى مستوى المجتمعات والأفراد، واقع تحدث فيما تحدث عن مواطنة عالمية، وعن عدالة عابرة للقارات، وعن حقوق إنسان ممكن لها، وعن ثورة معلوماتية تجعل العالم حقيقة قرية كونية صغيرة. 
ظهر مفهوم العولمة بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي السابق، تصارع تصورها بين التفاؤل الذي بشر بنظام عالمي جديد يمهد للدمقرطة ويرفض الحكم الشمولي، وهو ما أكدته تصريحات ل جورج بوش الآب في يونيو سنة 1992 بعد تحرير الكويت وطرد قوات النظام البعثي لصدام حسين من أن نظام عالميا جديدا نشأ مدافعا عن الديمقراطيةومنتصرا لها ورفضا للاستبداد والتسلط والعنف وانتهاك حقوق الإنسان، وبدا هذا النظام العالمي الجديد تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وحدها دون قطب آخر، وكان الحديث عن عالم أحادي القطبية، اعتبره المفكر الأمريكي من أصل ياباني فرانسيس فوكوياما نهاية التاريخ، في كتابه بالعام نفسه، وكأن الرأسمالية نمطت العالم لحرية السوق والتجارة، ومعها الديمقراطية التي ستنمط دوله في الحريات السياسية والمدنية وحقوق المواطنة، فرأى كما كان عنوان كتابه" نهاية التاريخ والإنسان الأخير".
ما كتبه فوكوياما سنة 1992 سريعا ما تحفز له عالم السياسة الراحل صامويل هانتيجتون في مقالة له بالفورين بوليسي سنة 1993 ثم طوره في كتابه الشهير" صدام الحضارات" الصادر في عام 1994 وآثار الكثير من الاهتمام العالمي ولا يزال. 
ظل هاجس صدام الحضارات والهويات وأن العولمة فرصة لصعود النزعات والهويات الفرعية وصدام الأيدولوجيات والحضارات الكبرى، وتنازعها السيادة والنفوذ في العالم هو ما يرجحه من سيناريو قادم لمسيرة البشرية. 
ظل هاجس صدام الهويات أو الحضارات عند هانتيجتون – التي يستخدمهما بمعنى واحد-هاجسا مستمرا له، وكان آخر كتبه عن تحديات " الهوية داخل أمريكا " بين الغالبية الأنجلوساكسونية البيضاء وبين غيرهم من اللاتين والمسلمين وبين تنوعات آخرى داخل الهوية الأمريكية نفسها... 
ما نريده في هذا المقال ليس أن هانتيجتون انتصر في طرحه على فوكوياما فقط، ولكن الإشارة أن العولمة زامن ولادتها تبشير أيدولوجي مفارق للواقع حينها، طرح الأماني حولها ولم يدرك التخوفات، وحسم بنهايات كانت في الحقيقة بدايات...ولكن يظل ما بشرت به من قيم حداثية وإيجابية ضرورة لايمكن الكفر بها، ولكن تظل في خانة الأماني التي لم تتحول لوقائع بعد.
من ذلك ما نجده من تراجع دور المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وتأثيرها، فضلا عن أزماتها البنيوية والمالية، التي تهدد بعضها الاختفاء، أو ما نجده من تهديد الهويات والنزعات اليمينية للدول والمجتمعات الغربية نفسها، من البريكست حتى استفتاء كاتالونيا الأخير وما هو متوقع بعده، إلى بقاء بعض الدعوات حيية لا تستطيع حضورا في عالم الواقع كما هو مثلا اليوم العالمي للتسامح الذي نحتفل به هذا الشهر. 
ففي 16 نوفمبر من كل عام تحتفل الأمم المتحدة والكثير من دول العالم باليوم العالمي للتسامح، هذا اليوم الذي حددته اليونسكو عام 1995 م ليكون مناسبة متجددة لتذكر قيمة ومبادئ التسامح والقبول بالآخر والتعايش بسلام بين التنوع الخلاق أو اختلاف الثراء داخل الأوطان أو داخل القرية الكونية الكبيرة التي بشرت بها العولمة. 
لم يكن يتوقع المبشرون بالتسامح حينها صعود النزعات اليمينية في الغرب، أو أحداث الإرهاب والعنف العالمي، فقد نشأت القاعدة سنة 1997 وبايعتها وتوالت فروعها في مختلف أنحاء العالم، حتى وصلنا للمرحلة الأكثر عنفا في سوريا والعراق، والتي صارت شاغله الأًصلي، ونشوء شبكات إرهابية منظمة امتدت شرقا وغربا وهددت الجميع.. 
ربما كان التبشير باليوم العالمي للتسامح جزءا من بشارة فوكوياما ب" نهاية التاريخ" والشك حينها فيما طرحه الراحل صامويل هانتيجتون من صدام الحضارات والثقافات والهويات الفرعية واصطراعها في العديد من الدول، ولكن أثبت الوقت حسب العديد من المراقبين أن هانتيجتون كان أكثر دقة في إرهاصاته منه.
ولكن لا يعني ذلك عدم أهمية هذه القيم وضرورة تفعيلها، بل يعني تذكرها وتردادها والدعوة إليها عولمة إيجابية عليها فقط أن تطور من نقدها الذاتي لتصحح أخطاء ما عرف بالفوضى الخلاقة وترفع عن نفسها شبهة التوحش الرأسمالي التي ظلت عالقة بها. 


رابط مختصر

عبر عن رأيك

كيف تري مبادرة مجلسي النواب و الدولة لحل الازمة الليبية ؟