ليبيا.. متاهة الأزمات

Jan 07, 2017
عبدالباسط غبارة - بوابة إفريقيا الإخبارية

تشهد الساحة الليبية هذه الفترة تطورات سريعة ومتناقضة،على ضوء الصراعات والانقسامات بين الفرقاء اضافة الى انتشار التنظيمات الارهابية هنا وهناك والتي تثير الكثير من المخاوف في الوسط الليبي رغم هزيمة تنظيم الدولة في معقله في سرت.

وتعيش ليبيا منذ العام 2011 حالة من الفوضى بسبب الانقسامات التي أدت الى انتشارالارهاب وتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة في ظل غياب دولة موحد ذات سيادة.ورغم المساعى الاممية  المبذولة لإنهاء الانقسام،إلا أن الأزمة الليبية أبت أن تراوح مكانها في ظل تعنت أطراف النزاع وتواصل الخلافات.

أزمة سياسية

عبر حوار ليبي جرى في مدينة الصخيرات المغربية،وقع التوقيع على اتفاق في 17 ديسمبر 2015، انبثقت عنه حكومة وحدة وطنية باشرت مهامها من طرابلس أواخر مارس الماضي.لكن هذه الحكومة عجزت عن بسط سيطرتها حتي في العاصمة طرابلس حيث تنتشر المليشيات المسلحة التي تدين بولاءات مختلفة والتي تدخل بين حين وآخر في حروب تزيد من تأزيم الوضع المعيشي للمواطنين الذين يعانون تحت وطأة الاختطاف والاغتيال والارهاب علاوة على تردي الأوضاع المعيشية.

ورغم التحركات السياسية الغير مسبوقة،داخل ليبيا وخارجها لدعم الاتفاق السياسي وحكومة الوفاق،فقد تعرضت الأخيرة، الى انتكاسة جديدة تمثلت في استقالة نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، موسى الكوني، من موقعه الذي شغله لقرابة عام،متزامنة في ذلك مع خلافات متصاعدة بين أعضاء المجلس على خلفية قرارات تم اتخاذها مؤخراً.

وأحدثت هذه التطورات الأخيرة رجة عنيفة داخل المجلس الرئاسي ، خاصة وأنها تأتي في ظل موجة من التقلبات والمتغيرات التي تشهدها الأوضاع الليبية منذ إنتهاء مدة العمل باتفاقية الصخيرات،والتي تُنذر بتشكل مشهد سياسي جديد في البلاد،إضافة إلى استمرار مقاطعة نائب رئيس المجلس علي القطراني وعضو المجلس عمر الأسود، مما يضع المجلس في مأزق خطير ستكون له تداعيات مباشرة على حكومة الوفاق الوطني التي تُعاني هي الأخرى من انعدام الانسجام وتزايد المشكلات، التي دفعت وزير الداخلية فيها العارف الخوجة إلى الاستقالة.

أزمة أمنية

سجل المشهد الأمني في ليبيا تصعيدًا بين قوات الجيش الليبي والمجموعات المسلحة في مصراتة، حيث شاركت فصائل متشددة من مصراتة في هجوم نفذ انطلاقا من قاعدة الجفرة الجوية في الجنوب على منطقة الهلال النفطي التي تضم أبرز مرافئ تصدير النفط،ونجحت قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر في صد المهاجمين.وردت قوات الجيش الليبي خلال الأسبوع الفائت، عبر استهداف طائرة عسكرية في الجفرة.وبعد الهجوم الذي أوقع قتيلا وعدة جرحى، أعلنت فصائل مصراتة،عن إرسال تعزيزات إلى الجفرة وسبها الواقعة على بعد 600 كلم جنوب طرابلس.

وتتزايد المخاوف من تصاعد التوتر في المنطقة الصحراوية بين الجيش الليبي بقيادة المشيرخليفة حفتر، ومجموعات مسلحة من مصراتة، وهو الأمر الذي حذر منه مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا، مارتن كوبلر، هذا الأسبوع، قائلا إن "التوتر في الجنوب مصدر قلق"، داعيا "كل الأطراف إلى التحلي بضبط النفس".فيما أعربت الولايات المتحدة عن "قلقها العميق"، وأضافت أن أعمال العنف الجديدة "لا تخدم سوى داعش وغيره من المجموعات المتطرفة".

من جهة أخرى، لا يزال التهديد الجهادي قائما في ليبيا،رغم طرد تنظيم الدولة الإسلامية من سرت،وخسائره الكبيرة في بنغازي على يد الجيش الليبي، حيث يؤكد خبراء وجود عدة خلايا جهادية في الجنوب وفي الشرق والغرب بما يشمل العاصمة طرابلس.وتشكل هشاشة الوضع السياسي الداخلي في ليبيا، الذي ينعكس على الوضع الميداني، عاملا مساعدا على تزايد مخاطر التنظيم في المرحلة القادمة.ففي الوقت الذي يستمر فيه الخلاف بين الأطراف الليبية يتوفر على مقاتلين بإمكانهم تنفيذ عمليات في العمق الليبي لتشتيت الأنظار واستنزاف القدرات العسكرية الليبية.

وتتصاعد المخاوف في ظل تردي الوضع الأمني في البلاد،وهو ما دفع وزارة الخارجية الأوكرانية اصدار بيان ذكرت فيه أن الأوضاع الأمنية الصعبة والمُتفاقمة التي تعيشها ليبيا تدفعها إلى الطلب من رعاياها تجنب السفر إلى هناك، خشية حصول اضطرابات أو حوادث من الصعوبة بمكان توفير الحماية الأمنية والدبلوماسية لأي من الرعايا على الأرض الليبية، لافتة إلى أن البعثة الدبلوماسية الأوكرانية لدى ليبيا تُمارس عملها من العاصمة التونسية.

أزمة اقتصادية

أضر استمرار الانقسام السياسي مع انخفاض أسعار النفط العالمية بالمالية العامة الليبية،وهو ما يهدد بأزمة اقتصادية تتهدد البلاد.وفي هذا السياق،قال محافظ مصرف ليبيا المركزي بالبيضاء (شرق)، على الحبري، إن "احتياطيات ليبيا من النقد الأجنبي تكفي حتى عام 2018، وإنها حاليا تبلغ 80 مليار دولار".ودعا الحبري خلال حديثه أمام مجلس النواب في شرق البلاد، مساء الثلاثاء الماضي، إلى ضرورة وضع خطة اقتصادية عاجلة للوضع الاقتصادي في البلاد، مشيرا إلى أن غطاء العملة المحلية يشمل 30% من الذهب، بالإضافة إلى حقوق السحب الخاصة وأذونات خزانة تصدرها وزارة المالية.

وفي سياق متصل،أكد مدير "المركز الليبي للبحوث والتنمية"، السنوسي بسيكري،في مقال له بعنوان "حقائق مؤلمة يكشف عنها تقرير البنك الدولي حول الاقتصاد الليبي"،  أنّ الاقتصاد الليبي يمر بأزمة مطبقة من أبرز مظاهرها تراجع الإيرادات العامة وانخفاض الاحتياطي، والنقص الشديد في السيولة، وتدني سعر صرف الدينار الليبي في مقابل العملات الصعبة، وما صاحب ذلك من ارتفاع في معدلات التضخم والنقص في العديد من السلع.

وأضاف أن الأزمة تتعاظم أكثر بالنظر إلى هيكل الاقتصاد الليبي الذي تتقلص فيه القاعدة الإنتاجية لتنحصر في نشاط اقتصادي أساسي هو استخراج وتصنيع الخام الأسود بحيث يشكل المصدر الرئيسي للدخل وللعملات الصعبة، في مقابل ضعف كبير في إنتاجية القطاعات الأخرى وصغر حجم القطاع الخاص الذي لا تتعدى أصوله ملياري دينار ليبي في أحسن التقديرات من أجمالي ناتج قومي يقترب من 60 مليار، وذلك حتى العام 2014.

وخلص البسيكري في مقاله الى "أن الوضع الاقتصادي ينحدر بشكل كبير وتتراكم آثاره الخطيرة على المواطن بشكل مباشر الأمر الذي ينذر بتأزيم مضاعف على الصعيد الاجتماعي والسياسي والأمني، ينبغي أن يؤخذ في الحسبان من قبل أطراف الصراع المتهمون من قبل قطاع واسع من الرأي العام أنهم لا يدركون حجم المعاناة المعيشية لليبيين ولا يجعلونها ضمن معايير تقديرهم للأزمة وتداعياتها والحاجة الملحة لحلها".

ويزداد المشهد الليبي تعقيدا في ظل حالة الاضطراب السياسي والعسكري،الذي يعكس مدى حدة الصراع بين مختلف الأطراف والقوى السياسية والعسكرية في الساحة الداخلية الليبية.ويخشى مراقبون من انزلاق البلاد في مواجهات عسكرية جديدة ودامية وهو ما قد يعصف بالجهود الدبلوماسية وبمحاولات رأب الصدع ويعيد ليبيا إلى المربع الأول.

 


رابط مختصر

عبر عن رأيك

من يتحمل مسؤولية العمل الارهابي في قاعدة براك الشاطي ؟