صراع المياه الاقليمية الليبية

Aug 12, 2017
عبدالباسط غبارة– بوابة افريقيا الإخبارية

الوضع السياسي والأمني الغالب على المشهد في ليبيا،حولها خلال السنوات الماضية الى مركز جذب لآلاف الراغبين في الهجرة من بلدانهم نحو أوروبا عبر البوابة الليبية، ما جعلها تجارة رائجة ومصدر ثراء فاحش للعديد من القائمين عليها، وقلق دائم للدول الأوروبية التي سارعت إلى التحرك نحو الحد من هذه الضاهرة المتنامية.

آخر هذه التحركات الأوروبية،أعلنت عنه إيطاليا التي وافق برلمانها في الثاني من أغسطس الحالي، بأغلبية 328 صوتًا في مجلس النواب و191 عضوًا في مجلس الشيوخ، على خطة لإرسال قطع بحرية إلى ليبيا، لتوفير الدعم الفني لخفر السواحل الليبيين في مكافحة تهريب المهاجرين غير النظاميين باتجاه القارة الأوروبية عبر البحر الأبيض المتوسط، وتقليل تدفقهم من الساحل الليبي إلى السواحل الإيطالية، وذلك بعد الاتفاق بين الجانبين الليبي والإيطالي على تفاصيل العملية.

لكن هذه الخطوة قوبلت بردود فعل منددة وغاضبة في الأوساط الليبية التي اعتبرته انتهاكا للسيادة الليبية.فإضافة إلى الغضب الشعبي الذي تجلى في خروج مضاهرات حاشدة في عدد من مدن الليبية تحت شعار "لا للتدخل الإيطالي"،نددت الأوساط السياسية بالإنتهاك الصارخ للسيادة الليبية،فيما هددت المؤسسة العسكرية بمنع دخول سفن اجنبية للمياه الإقليمية،وقال خليفة العبيدي مدير مكتب الإعلام بالقيادة العامة للجيش الوطني الليبي أن المشير حفتر "أصدر أوامره لركن القوات البحرية برئاسة الأركان العامة بالتصدي لأي قطع بحرية تدخل المياه الإقليمية الليبية دون إذن الجيش الليبي".

من جهة أخرى،أشارت تقارير إعلامية،إلى أن التحرك الإيطالي في المياه الإقليمية الليبية،يدخل ضمن استيائها من المبادرة الفرنسية التي جمع فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نهاية الشهر الماضي في إحدى ضواحي العاصمة باريس بين رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج والمشير خليفة حفتر،حيث ترى إيطاليا في فرنسا المسؤولة الأولى عما وصلت له ليبيا عقب التدخل العسكري ضدها سنة 2011، ودعتها إلى "عدم تكرار الأخطاء التي اُرتُكبت في ليبيا بالماضي".

في المقابل،قللت إيطاليا من موجة الغضب الليبي تجاه عمليتها البحرية،وإعتبرت الصحف الإيطالية ذلك مجرد تعبير عن شعور ليبي متزايد بالكراهية تجاه بلادهم نتيجة حقبة الاستعمار والغموض الذي أحاط بالعملية بعد إعلان طلب السراج بخصوصها.وبالتزامن مع هذه العملية، كثّف سلاح الجو الإيطالي طلعاته الجوية في سماء ليبيا، وتقول روما إنّ الطلعات الجوية لطائراتها الحربية تهدف لمراقبة الوضع العام ورصد أي تحركات وصفتها بالمشبوهة إلى جانب دعم البعثة العسكرية التي بدأت عملها في المياه الإقليمية الليبية. وكشفت صحيفة "الماتينو" الإيطالية، السبت، أن طائرات التجسس حلقت في بعض الأحيان شرق ليبيا حيث البرلمان وقيادة القوات الليبية.

وكانت صحيفة "ليبرو" الإيطالية،أشارت في وقت سابق إلى أن روما على الرغم من الدعوات الإيطالية الرسمية إلى التهدئة في مواجهة التهديدات التي صدرت عن قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر وعن أحد نواب رئيس المجلس الرئاسي، تستعد للسيناريو الأسوأ والمتمثل في مواجهة عسكرية في ليبيا.وأفادت الصحيفة الإيطالية في الوقت ذاته بأن وزارة الخارجية الإيطالية تأمل في أن لا يحدث ما يستوجب استخدام "الدرع الطائر".

وأشارت تقارير اعلامية أن طائرات التجسّس الإيطالية التابعة لسلاح الجو الإيطالي حلّقت فوق مدينة الخمس وأيضا مدينة مصراته، رغم أنها ليست منطقة انطلاق لقوارب الهجرة غير الشرعية التي تسعى للوصول إلى سواحل القارة العجوز.كان  موقع "رادار إيطاليا" قد كشف الخميس 03 أغسطس 217، انطلاق سلاح الجو الإيطالي فى تسيير دوريات جوية فوق المياه والأراضي الليبية دعمًا لمهمة البعثة البحرية.فيما كان الصحفي الأمريكي "جيمس ويلر" المهتم بالشأن الليبي قد كشف خلال تقرير نشرته "إرم نيوز" قبل أيام، عن مهام لطائرات تجسس إيطالية تتجاوز مهمة العملية المعلنة.

ومنذ بداية السنة الحالية، عبر أكثر من 94 ألف مهاجر البحر المتوسط إلى إيطاليا، بحسب منظمة الأمم المتحدة، ولقي 2370 حتفهم بينما كانوا يحاولون الوصول إليها.رغم التأكيد الإيطالي بأن هذه المهمة البحرية الجديدة في المياه الإقليمية الليبية لا تحمل أي طابع عدائي، فإن عديد المتابعين للشأن الليبي قالوا إن وراء هذه العملية أهداف إيطالية خفية.فجغرافيًا لا تفصل ليبيا عن إيطاليا إلا أمواج المتوسط، وتاريخيًا كانت ليبيا أهم المستعمرات الإيطالية في إفريقيا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

  على صعيد آخر، أعلنت البحرية الليبية،الخميس 10 أغسطس 2017، استحداث منطقة بحث وإنقاذ في المياه الاقليمية لمنع "أي سفينة أجنبية" من إغاثة مهاجرين، خصوصا المنظمات غير الحكومية، إلا بطلب صريح من السلطات الليبية.وصرّح قائد القاعدة البحرية في طرابلس عبد الكريم بوحلية في مؤتمر صحافي، أن ليبيا استحدثت "رسميا منطقة بحث وإنقاذ"، مشددا على أنه لا يحق "لاي سفينة اجنبية دخول المياه الإقليمية الا بطلب واضح من السلطات الليبية".فيما قال المتحدث باسم البحرية، العميد أيوب قاسم، إن القرار يعني بوضوح "المنظمات الدولية غير الحكومية التي تدعي انها تعمل لانقاذ المهاجرين غير الشرعيين ومن أجل حقوق الانسان".

ولم تتمكن البحرية الليبية من حماية مياهها الاقليمية مع تراجع قدراتها في بلد منقسم وضعيف، وهو ما جعلها تطلب مساعدة ايطاليا.ويثير تحرك المنظمات غير الحكومية التي تشارك في انقاذ المهاجرين قبالة ليبيا توترا في المنطقة.حيث تثار شكوك تفيذ بضلوع هذه المنظمات في تهريب المهاجرين السريين وتمكينهم من العبور إلى الضفة الأوروبية من المتوسط.

وفي المقابل،تتهم السفن التابعة للمنظمات غير الحكومية والتي تسيّر دوريات في المياه الليبية بهدف انقاذ المهاجرين غير الشرعيين، حرس السواحل الليبيين بمنعها من القيام بمهمات الإنقاذ.ورغم قرار حظر السفن الاجنبية الذي اعلنته البحرية الليبية،ابقت منظمات غير حكومية سفنها في المنطقة،وقال نيكولا ستالا منسق عمليات البحث والانقاذ على متن السفينة اكواريوس لفرانس برس "حتى الان نواصل نشاطنا في المياه الدولية".واضاف ستالا "لم نتلق اي معلومات رسمية عن اقامة ليبيا منطقة بحث وانقاذ ،وفي المياه الدولية لا يمكن منع الملاحة".

فيما قالت مارسيلا كراي إحدى مسؤولات "أطباء بلا حدود" على متن أكواريوس أن "حجم المنطقة التي أعلنها الليبيون ليس واضحاً"، وأضافت أن منظمتها تحاول الاتصال بالسلطات الليبية لفهم ماذا تريد".وتسير اكواريوس التي تستخدمها منظمتا"اس او اس المتوسط" و"اطباء بلا حدود" دوريات منذ عشرة ايام على بعد عشرين ميلا شمال ليبيا وتبتعد حتى ثلاثين ميلا ليلا.

وتأتي ليبيا في مقدمة الدول المصدرة للمهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا، انطلاقا من الضفة الأخرى لحوض البحر الأبيض المتوسط بفعل حالة الفوضى،وتمثل السواحل الليبية تحديا كبيرا لدول أوروبا،وهو ما أشارت اليه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل،الجمعة 11 أغسطس 2017، في برلين،عقب لقائها المفوض السامي لشؤون اللاجئين فيليبو جراندي والمدير العام لمنظمة الهجرة الدولية ويليام لاسي سوينج،حيث تعهدت بمزيد من المخصصات المالية لمواجهة أزمة اللاجئين،مؤكدة أن مشكلة الهجرة القادمة من ليبيا على وجه الخصوص تمثل تحديا.

ورغم أن بيانات إيطالية أظهرت تراجع أعداد المهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا عبر ليبيا خلال شهر يوليو الماضي، مقارنة بالشهور السابقة، وتراجعت الأعداد إلى النصف مقارنة بشهر يوليو من العام 2016،إلا أن المدير الإقليمى لأوروبا بمنظمة الهجرة الدولية يوجينيو أمبروزى حذر،بحسب وسائل اعلامية من "التفاؤل المبكر بشأن التقديرات الأخيرة"، قائلاً إن "الحديث عن نقطة تحول فى أزمة الهجرة عبر البحر المتوسط حديث سابق لأوانه".

وتمثل سواحل ليبيا منصة انطلاق رئيسية لقوارب الهجرة نحو السواحل الإيطالية والأوروبية،وأدى غياب الدولة المركزية في البلاد، وعدم وجود قوات خفر سواحل مجهزة لمحاربة الهجرة؛ لجعلها مرتعا خصبا لعصابات الاتجار بتهريب البشر.وفي ظل تواجد العديد من القوى الدولية في الساحة الليبية،حيث تسعى كل دولة لتحقيق أجندتها،يبدو أن المياه الاقليمية الليبية باتت ساحة صراع جديد في ليبيا.


رابط مختصر

عبر عن رأيك

كيف تري طلب المحكمة الدولية توقيف الرائد محمود الورفلي؟