شبكات الفساد واليسار يقفون وراء التحريض على العنف في تونس

Jan 11, 2018
تونس - هشام بن عمار

وضع يوسف الشاهد رئيس الحكومة التونسية حدا لجدل حاد حول الجهات التي تقف وراء التحريض على العنف وتحويل وجهة الغضب الشعبي من احتجاجات سلمية إلى أعمال عنف ونهب وتخريب بعد أن اتهم اليسار المعارض وشبكات الفساد والتهريب بمحاولة الزج بالبلاد الفوضى الاجتماعية والأمنية.

واتهم الشاهد بعد حصوله على معلومات دقيقة أن "شبكات الفساد والتهريب المافيوزية وبعض الأطراف السياسية وفي مقدمتها الجبهة الشعبية اليسارية الراديكالية المعارضة هي التي تقف وراء التحريض السافر على أعمال العنف والنهب والسرق واستهداف مؤسسات الدولة في مسعى إلى جر تونس إلى الفوضى.

وخلال الأيام الخمس الماضية تصاعد الجدل في أوساط الطبقة السياسية وفي أوساط اتجاهات الرأي العام بشان الجهات التي حولت وجهة الاحتجاجات من مظاهرات سلمية مشروعة تطالب بالتراجع عن الترفيع في الأسعار وبالتنمية وبالشغل إلى نوع من الفوضى والعنف والنهب والتخريب.

وأخذ الجدل منحى خطيرا عندما راجت أنباء غير مؤكدة مفادا أن قوى أجنبية هي التي أججت الاحتقان الاجتماعي في مسعى إلى الإجهاض على المسار الانتقالي الديمقراطي واستهداف الدولة وأمن البلاد واستقرارها.

غير أن الشاهد بدد مخاوف التونسيين من أن تكون تونس باتت بين فكي جهات خارجية تسعى إلى فرض أجندة معينة خدمة لمصالحها الاستراتيجية على حساب العملية السياسية الديمقراطية الناشئة وأيضا على حساب كيان الدولة المدنية بعد أن جاهر لوسائل الإعلام مساء الأربعاء 10 يناير الحالي بأن كل من شبكات الفساد والتهريب والجبهة الشعبية  استغل المظاهرات السلمية ليراهنوا العنف".

وخلال الأيام الخمس الماضية شهدت غالبية الجهات التونسية ومدنها وبلداتها وأحيائها الشعبية أعمال تخريب ونهب وحرق طالت مراز الأمن ومؤسسات لقطاع العام وخاصة المؤسسات المالية والمحلات التجارية ومقرات المصارف.

وترى غالبية اتجاهات الراي العام والطبقة التونسية أن المظاهرات السلمية المشروعة تم تجريدها من مشروعيتها ومن أهدافها من خلال الزج بها في أعمال عنف خطيرة مرفوضة سياسا وشعبيا   بهدف تشويه المحتجين المسالمين وتقديمهم على أنهم عصابات منظمة مشابهة لعصابات الإجرام.

وفيما كثفت السلطات من انتشار قوات الأمن في كامل أنحاء البلاد والتصدي لحماية الاحتجاجات السلمية من تسلل أعمال العنف أدى الشاهد زيارات  إلى عدد من المناطق مطمئنا التونسيين على أن الدولة تتفهم مطالبهم  غير أنها لن تتسامح مع التحريض على العنف لافتا إلى أن الدولة قوية وقادرة على فرض هيبتها".

وعلى امتداد السنوات السبع الماضية نجح الفساد والتهريب في نسج شبكات خطيرة حتى أنه أنهك الاقتصاد الوطني المهيكل بعد أن ركز اقتصادا

موازيا يمثل 54 من اقتصاد البلاد يكبد خسائر تقدر بنحو 3 فاصل 6 مليارات دولار.

والأخطر من ذلك أن شبكات التهريب التي تنشط على مشارف الحدود الجنوبية الشرقية المحاذية للجارة ليبيا وعلى مشارف الحدود الغربية المحاذية للجزائر مرتبطة بالخلايا الإرهابية التابعة لتنظيم الدولة "داعش" إذ كثيرا ما ساعدتها على تنقل عناصرها من وإلى البلدان الثلاث عبر مسالك وعرة بعيدا عن الرقابة الأمنية.

ويرى مراقبون وأخصائيون وسياسيون أن شبكات التهريب تسعى إلى إسقاط الحكومة بعد أن أعلن الشاهد الحرب عليها فاختارت الهروب إلى الأمام والتقطت المظاهرات السلمية والأزمة الاقتصادية والاحتقان الاجتماعي للإجهاض على الحكومة.

وكانت السلطات أعلنت في وقت سابق أنها اعتقلت عددا من رؤوس الفساد من بينهم رجال أعمال ينشطون في السوق الموازية ومسؤولين إداريين تربطهم علاقات مع شبكات الفساد والتهريب وذلك في إطار تنفيذ برنامجها الإصلاحي.

وتحتل تونس المرتبة 7 عربيا والمرتبة 75 عالميا في مؤشر مدركات الفساد وفق منظمة الشفافية العالمية.

ولئن لن يتفاجأ التونسيون بوقوف شبكات الفساد والتهريب بالوقوف وراء أعمال العنف فإنهم تفاجؤوا بتورط الجبهة الشعبية المعارضة بالتحريض على النهب والتخريب وتوظيف الاحتجاجات السلمية لأسقاط حكومة يوسف الشاهد.

وكان حمة الهمامي الأمين العام لحزب العمل الشيوعي والذي يقود الجبهة جاهر بمساندته للاحتجاجات غير أن التونسيين لم يتوقوا أن تلك المساندة تشمل أيضا التحريض على العنف والإستقواء بالشارع وتوظيف حق التظاهر لغايات سياسية لا تعنيهم.

والجبهة الشعبية هي ائتلاف لـ 11 حزبا يساري شيوعيا راديكاليا معارض للحكومة ويرفض المشاركة في تركيبتها طالما أن حركة النهضة تمثل طرفا فيها.

وفتحت السلطات تحقيقا قضائيا بشأن من يقف وراء التحريض على العنف وتعهدت بمحاسبتهم وفق قوانين دستور البلاد وقوانينها.

وقال أبو بكر بن عاشور الأخصائي في العلوم لسياسية والأستاذ بالجامعة التونسية لـ"بوابة افريقيا" إن "الجبهة الشعبية تمارس سياسة لي الذراع لا فقط مع الحكومة وإنما أيضا مع رئيس الدولة قائد السبسي الذي كان وصفها بالتطرف".

وأضاف بن عاشور يقول "تسعى الجبهة إلى الترويج لنفسها على أنها قوة سياسية قادرة على تحريك الشارع والضغط على الحكومة لمراجعة سياساتها والحال أنها جبهة ضعيفة ذات أداء سياسي متدن ولم تقدم أي برنامج بديل لبرنامج الحكومة".

ويقول مراقبون إنه "بقطع النظر عن الجهات التي تقف وراء أعمال العنف، فإن الأزمة التي تمر بها تونس يجب التعامل بها بكل جدية من خلال دراستها دراسة موضوعية".

وهم يشددون على أن "بعض التحاليل الجوفاء تختزل الأزمة في بعدها السياسي والاجتماعي في نوع من الإجحاف بأن عمق الأزمة يكمن في تدني أداء اقتصادها إلى الحضيض حتى أنه بات يقف على شفا إفلاس يتغذى من اتجاهات رأي عام لا ترى في العملية السياسية سوى نوع من الترف والرفاه لا تمتهنها سوى فئات من مجتمع مخملي ما انفك يتجاهل مشاغل الفئات المهمشة اجتماعيا.

ويرى خبراء في التنمية وعلم الاستراتيجيات، أن هكذا اختزال حال دون فهم دقيق بأن الأزمة استفحلت في ظل نوع من الوعي بأن أي عملية سياسية مهما حاولت الاقتراب من مشاغل الشعوب فاشلة مسبقا مالم تبوئ الاقتصاد ضمن أولوياتها لا من خلال اجترار مفردات الخطاب السياسي وإنما من خلال برامج عملية.

وتقول ناجية بن جدو وهي خبيرة اقتصادية لـ"البوابة افريقيا" إنه و"خلال سنوات ما يسمى بالربيع العربي وما رافقها من فوضى سياسية واجتماعية وأمنية بدا اقتصاد تونس الخاسر الأول إذ لم تحل لا الثروات الطبيعية ولا الخيارات المرتبطة بالأسواق الخارجية المتقلبة دون استفحال أزمة خطيرة قد تقود إلى حالة من الإفلاس إن لم يقع تطويقها من خلال إجراء إصلاحات هيكلية تشمل مختلف القطاعات".

وتضيف بن جدو تقول "إن العملية السياسية بما فيها الديمقراطية لا معنى لها ولا جدوى منها لدى غالبية اتجاهات الرأي في ظل اقتصاد ما انفكت تعصف به الأزمات لم تقد تداعياتها فقط إلى تراجع المؤشرات وانزلاق المقدرة الشرائية والاحتقان الاجتماعي وإنما قادت أيضا إلى إضعاف الدولة".

ومن جهته يشدد عبد المجيد بن الجيلاني العياري الأخصائي في علم الاستراتيجيات وأستاذ العلوم الاقتصادية بالجامعة التونسية على "أن أي أزمة اقتصادية في أي بلد من البلدان بما في ذلك بلدان الديمقراطية العريقة تجرد العملية السياسية من هويتها ومن ثقة الناس في الطبقة السياسية وفي السياسة بصفة عامة".

وألقت الأزمة الاقتصادية بضلالها السلبية على الأوضاع الاجتماعي وعمقت الفقر والحرمان والتهميش والبطالة إذ تبلغ النسبة العامة للبطالة نحو 18 بالمئة وترتفع في الجهات المحرومة وفي الاحياء الشعبية إلى نحو 69 بالمئة فيما تبلغ النسبة العامة للفقر نحو 30 بالمئة وتصل في تلك الجهات والأحياء إلى ما بين 44 و55 بالمئة وهو ما يفسر أن الاحتجاجات اندلعت شرارتها من تلك الجهات المحرومة ومن الأحياء الشعبية.

وترى غالبية اتجاهات الرأي العام التونسي أن " ثقافتها السياسية هي ثقافة لا ترى في النشاط السياسي سوى رفاها يمارسه إما الأرستقراطيون أو الأثرياء ويتخذون منه مهنة" مشددة على أنه "كلما اشتدت الأزمات الاقتصادية كلما ابتعد الناس عن السياسة وعزفوا عنها بل أبعد من ذلك كلما اشتدت الأزمة كلما تدنت الثقة في السياسة وفي السياسيين بما في ذلك العملية الديمقراطية".

ويمر الاقتصاد التونسي بأخطر مراحله إذ لا تتجاوز نسبة نمو قدر بـ 2 بالمئة بعد أن كانت في حدود 5 بالمئة خلال فترة حكم الرئيس الأسبق بن علي بعد أن تراجع أداء مختلف القطاعات الحيوية مثل الصناعات المعملية وغير المعملية وقطاع السياحة وقطاع الاستثمار الخارجي وقطاع الطاقة ما دفع بالحكومة إلى التخطيط لإجراء إصلاحات هيكلية من شانها لرفع من نسبة النمو خلال العام 2018 إلى 3 بالمئة.

وتؤكد القراءة المقارنة بين أداء الاقتصاد قبل انتفاضة يناير وبعدها أن المؤشرات تراجعت بشكل خطير خلال السنوات السبع الماضية إذ تفاقم عجز

موازنة الدولة ليبلغ 6 بمئة العام 2017 بعد أن كان في حدود 1 فاصل 3 بالمئة.

واضطرت الحكومات المتعاقبة إلى إغراق تونس في التداين التي ارتعفت إلى نحو 55 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بعد أن استقرت العام

2010 في حدود 40 بالمئة كما تراجح احتياط تونس من العملة الصعبة إلى مستويات قياسية ليستقر في حدود إلى 112 يوما من التوريد فقط العام 2017 مقابل 147 يوما العام 2010 فيما ارتفعت نسبة التضخم من 4 فاصل 4 العام 2010 إلى نحو 5 بالمئة العام 2017 فيما ارتفع العجز التجاري العام 2017 إلى نحو 8 بالمئة من الناتج الداخلي الخام مقابل 4 فاصل 8 بالمئة  العام 2010 ويقدر حجمه الخبراء بنحو 3 مليارات دولار.

وبراي خبرا في التنمية فإن "أزمة تونس هي أزمة اقتصادية هيكلية لا قطاعية تغذي الأزمة السياسية والاجتماعية" مطالبا الحكومة بـ"التعجيل بإطلاق إصلاحات كبرى من شأنها أن تنعش قطاع الاستثمار بقسميه المحلي والأجنبي مشددين على أن "إنقاذ الاقتصاد من الإفلاس يستوجب انتهاج سياسات منتجة خاصة وأن حجم التداين الخارجي لا يتم توظيفه في الاستثمار وإنما يوجه إلى تغطية النفقات العمومية".

ويشدد أبوبكر بن عاشور على أن "من يختزل موجة الاحتجاجات في الانتفاض على رفع الحكومة للأسعار فإنه إما جاهل بالأوضاع العامة في تونس أو يفتقد للقراءة الموضوعية لتراكمات سبع سنوات عجاف لم يجن منها التونسيون سوى اقتصاد منهك قاد إلى المزيد من التفقير والتهميش الاجتماعي وعزوف الناس عن السياسة".

وقال بن عاشور لقد "تأسس المسار الانتقالي الديمقراطي التونسي منذ البداية على نوع من الهشاشة الاقتصادية والضبابية البرامجية وبمعنى عميق تأسست العملية السياسية الديمقراطية منذ بدايتها على الخطأ إذ استحال على حكام تونس الجدد تركيز اقتصاد منظم قوي قادرا على حماية مسار ديمقراطي يحظى بثقة التونسيين".

وترى غالبية اتجاهات الراي العام التونسية أنه "من الإجحاف والتضليل الحديث عن الديمقراطية في ظل غياب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لجميع التونسيين وخاصة أهالي الجهات لمحرومة والأحياء الشعبية البائسة والعازف عن النشاط السياسي".

كما ترى تلك الاتجاهات للراي العام أن "الديمقراطية لا عني لها شيئا في ظل الازمة الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية" وهي تشدد على أن "الطبقة السياسية المخملية" حولت وجهة السياسة إلى مهنة مغشوشة مستخفة بأوضاع البلاد المتردية وبالمعضلات التنموية وأيضا بحقوق المواطنة وفي مقدمتها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حتى أن المهمشين باتوا يرون في أنفسهم مواطنين من درجة ثانية.


رابط مختصر

عبر عن رأيك

كيف ترى الإنخفاض السريع في قيمة الدولار أمام الدينار الليبي ؟