بورقيبة وبن علي- 1987

تونس..ديمقراطية تحت سلطة رأسمالية المحاسيب

Jan 11, 2018
أحمد نظيف

لم يحسم الجدل في تونس حتى اليوم حول توصيف ما حدث بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011، إن كان ثورةً أو انتفاضةً أو انقلاباً، لكن المتفق عليه أن من بين نتائجه ليس إسقاط النظام السياسي، بل فقط أحدث تغيراً مسبوقاً في مواقع مراكز القوى في البلاد، بكل ما يعنيه ذلك من استتبعات ونتائج تبدو نسبياً إيجابيةً على واقع الحريات. فقد أصبح أصحاب المال، بمختلف تشكيلاتهم، أكثر نفوذاً في الحياة السياسية من قبل. بل تحولوا إلى الطرف الرئيسي في صناعة القرار، من خلال الأحزاب ودوائر الدولة، الاقتصادية والأمنية خاصةً وكذلك الأمر في القضاء وخلق جهات ضغط في المجتمع المدني والإعلام اعتماداً على قوة المال.

بين 14 جانفي و15 جانفي 2011 تغيرت أمور كثيرة في تونس. ما كان بالأمس القريب مُجمعاً في يد زين العابدين بن علي أصبح مفرقاً بيد أصحاب المال والأعمال. وسائل الإعلام العامة والخاصة، الجمعيات والمنظمات، الأحزاب، أجهزة الدولة، كانت كلها رهناً لقرار الرئيس وأجهزته الأمنية والحزبية. فجأة فقد النظام السياسي أغلب نفوذه على الشأن العام. لكن الفراغ لم تملئه "قوىً ديمقراطية" إلا قليلاً. فقد تقاسم أصحاب المال تركة بن علي، المدنية والسياسية والحكومية.

لكن كيف حدث كل ذلك؟ كيف تحول المال من يد السلطة السياسية إلى موجه لها؟ بل إلى أكبر "مالكي الشأن العام"؟

في أعقاب الاستقلال (1956)، كانت الدولة "رجل الأعمال الوحيد". توجه النظام إلى القطاع العام المعتمد على التخطيط كنموذج تنموي لبناء دولة جديدة. كانت رأسمالية الدولة نموذجاً مناسباً جداً لنظام الحزب الواحد القائم في البلاد. خلال هذه الفترة كانت الدولة هي صاحبة القوة السياسية والمالية في ان واحد. لم يكن هناك أي تضارب بينهما، سواء ما ينشئ من صراعات صغيرة بين أجنحة النظام المختلفة. ولم يكن لأصحاب الأعمال الصغيرة في البلاد أي دور في توجيه القرار السياسي أو حتى التدخل فيه بأي شكل من الأشكال. ولم تنشئ حتى ذلك الوقت "طبقة رأسمالية". فــ "الاشتراكية الدستورية" قد ورثت نمط الإنتاج المخماسي – كما يسميه الهادي التيمومي-للدولة الحسينية وأفرزت نظاماً هجيناً غربياً، كان انعكاساً واضحاً لعدم اكتراث بورقيبة في الاقتصاد أو عدم براعته فيه، عكس مجالات أخرى كان بارعاً فيها، كما يرى التيمومي نفسه. خلال الستينات كانت طبقة البرجوازية البيروقراطية، المتكونة من أصحاب السلطة، هي الطبقة المهيمنة اجتماعياً، وهي الطبقة التي قادت عملية التغيير الاجتماعي في البلاد، والتي مازالت اثار عملها بادية حتى اليوم ومحل فخر وطني، كما أنها الطبقة التي صاغت ملامح دولة الحزب الواحد والرأي الواحد والتي شكلت بأفكارها وسلوكها الدولة الأمنية بدايةً من 1962 وقد حافظت الدولة على هذا التقليد والهندسة الأمنية عقوداً بعد ذلك.

مع بداية السبعينات وبعد فشل تجربة التعاضد توجهت الدولة إلى تحرير المبادرة الاقتصادية، التي عرفت بمرحلة الانفتاح على الرأسمالية العالمية، وقادها رئيس الوزراء، الهادي نويرة (1911-1993). هذا التوجه الجديد أحدث تغيرات اجتماعية وسياسية جذرية في البلاد. فقد أدى إلى بروز طبقة وسطى قوية ودخول الرأسمال الأجنبي بعد إقرار قانون أفريل 1972، والذي منح المستثمرين الأجانب امتيازات هائلة. كما أدى إلى بروز طبقة "أصحاب الأعمال" والذين تركز نشاطهم في القطاع الصناعي والتجارة والمقاولات والوكالات الأجنبية.

لكن التغير الأبرز الذي حصل، هو علاقة أصحاب المال بأصحاب السلطة السياسية. فقد كانت الدولة هي المصدر الأول للمشاريع والنشاطات التي يعمل فيها ومن خلالها الأغنياء الجدد، وكانت العطاءات والصفقات والدعم يمنح لهؤلاء وفقاً لاعتبارات قرابية وجهوية وسياسية، وبالتالي كان "صاحب المال" تابعاً لصاحب السلطة السياسية ويمكن أن يخسر نفوذه المالي وثروته بمجرد أي تغيرات في السلطة أو في جزء منها. ومع نهاية السبعينات بدأ يتشكل حزام من "أصحاب الأعمال" حول السلطة، وفي تحالف مصلحي وثيق معها، دون أن تتدخل في الشأن العام، الذي كانت تهمين عليه الدولة في ظل وجود استعصاءات بسيطة وجيوب مقاومة إصلاحية وثورية معارضة حزبياً ونقابياً وإعلامياً.

خلال هذه الفترة بدأ موظفو القطاع العام يشعرون بتدني مستواهم المادي قياساً لنظرائهم في القطاع الخاص في البنوك وفي وكالات الشركات الأجنبية. وهنا ظهرت الفوارق وظهرت الحاجة لردمها من خلال لعبة المصالح بين "البرجوازية الحكومية" و"الأغنياء الجدد " عبر العمولات (القهوة). ونشأت ما يسمى برأسمالية المحاسيب، وهي تحالف وثيق قائم على مصالح متبادلة بين نخب المال والأعمال والبيروقراطية الإدارية والنخب الحاكمة.

لاحقاً تواصل سير البلاد نحو التوسع في تطبيق نموذج الاقتصاد المفتوح. ومع رحيل بورقيبة عن السلطة وقدوم بن علي لم تتغير طبيعة العلاقة بين "صاحب المال" و"صاحب السلطة" كثيراً، على الرغم من الأزمة الاقتصادية التي عاشتها البلاد بداية من العام 1980 وتوجهها إلى صندوق النقد الدولي وأزمة النظام السياسي العميقة. فقط ضاعفت الدولة من منح مزيد من الامتيازات للقطاع الخاص وخاصة الأراضي الدولية في محاولة للخروج من الأزمة. ازداد نفوذ أصحاب المال، لكن علاقتهم بأصحاب القرار السياسي مازالت دون التأثير. لكن ما حدث في كواليس الإعداد لانقلاب 7 نوفمبر 1987، والدور الذي لعبه رجل أعمال ناشئ في ذلك الوقت، في إيصال بن علي إلى قصر قرطاج، كان نذيراً بأن أصحاب المال يزحفون إلى السلطة ولو من وراء ستار. لتتحول العاقة من تبعية إلى "ندية".

توسعت دائرة الخصصة شئياً فشئياً، وتضاعفت أعداد أصحاب الأعمال. فقد أصبحت قصص البعض ملهمةً للبعض الأخر في حرق الطبقات والسلالم والالتحاق بطبقة الصفوة. في التسعينات وخلال حكم الرئيس بن علي بدأت تتشكل طبقة جديدة من رجال وسيدات الأعمال من دوائر قرابة رئيس الدولة ولاحقاً من أقارب زوجته. ومع مرور الوقت بدأ يتشكل ما يسمى بـ " احتكار القلّة". لعبت فيه عائلة الرئيس وعائلة زوجته دوراً في توجيه النشاط الاقتصادي الصناعي والخدمي وأصبحت العائلتان باباً لكل من يريد أن يدخل عالم الأعمال يجب أن يجتازه.

الطبقة الجديدة كانت مرتبطةً كلياً بالنظام السياسي وصاحب القرار فيه. وتبين لاحقاً أنها مرتبطةً به وجودياً فقد انهارت بانهياره. فيما واصل أصحاب المال والأعمال من خارج دائرة القرابة دعمهم للنظام السياسي واستفادوا مقابل ذلك من الدعم الحكومي قروضاً وتسهيلات، ودائماً عبر "دائرة القرابة" ومن خلالها. لكن في المقابل بدأت تتشكل طبقة أخرى من أصحاب المال الغاضبين من نظام "احتكار القلّة" الذي فرضته "دائرة القرابة". بعضهم هرب إلى الخارج مواصلاً نشاطه الاقتصادي وانخرط في نشاط "شبه سياسيي" داعماً لدوائر معارضة سياسية ومدنية، والبعض الأخر بقي في تونس مناوراً. لكن ما يجمع الرافضين والتابعيين، للسلطة السياسية، ارتباطهم العضوي بالرأسمال الأجنبي.

لكن بعد 1987 وتحسن العلاقات مع الجارتين ليبيا والجزائر، ولاحقاً توقيع اتفاق اتحاد المغرب العربي في 1989،وفرض القوى الدولية حصاراً إقتصادياً على ليبيا شمل قطاع الطيران المدني والتجاري،  شهد النشاط التبادلي على طرفي الحدود التونسية توسعاً كبيراً وأصبحت الدولة تغض الطرف على النشاط التجاري غير الرسمي، ونشأت طبقة جديدة من البرجوازية التي راكمت ثروة هائلة من التهريب والتجارة غير الرسمية لكنها كانت تركز على التبادل السلعي والنشطات الطفيلية. ومع بداية القرن أصبحت هذه الطبقة تحاول البحث عن نفوذ في السلطة أو علاقة قرب مع أطراف فاعلة داخل السلطة، وقد وجدت ضالتها في تحالفها مع "دائرة القرابة" مبني على مصالح اقتصادية. ويفسر مهدي عامل هذا النزوع بالقول: "إن وعي الطبقات البرجوازية غير المهيمنة في تطلعها لشرعنة الوصول إلى مراكز الهيمنة التي تشغلها أجزاء أخرى من البرجوازية، يزداد إلى مستوى يتم من خلاله تحديد موقعها من المجال السياسي والاقتصادي. هذا الجزء من البرجوازية غير المهيمن يريد انهاء جزء من الهيمنة دون أن يزيل كامل الهيمنة البرجوازية.''

برحيل بن علي في جانفي 2011، سقط نظام "احتكار القلّة" لكن على العكس فإن حلفائه في برجوازية الأطراف ازدادت نفوذاً، لأن نشاطها يتعارض طرداً مع قوة الدولة وكلما ضعفت الدولة زادت قوتها، بل أصبحت هذه الطبقة أمام سوق تهريب ونشاط غير رسمي أكثر اتساعاً خاصة بعد سقوط الدولة في ليبيا. فقد النظام سلطته على الأحزاب والصحافة والإعلام والمجتمع المدني وحتى على أجزاء من أجهزة الدولة. مراكز القوة في البلاد اختلت بشكل كبير لفائدة أصحاب المال على حساب أصحاب السلطة السياسية، وفقاً لأحكام لعبة ديمقراطية !! لم تكن طبقة أصحاب الأعمال كلاً واحداً ذا أهداف واحدة. فريق منها كان يبحث عن حماية من حملات الثأر الثورية وفريق أخر كان يريد كأن يثأر من "القة الاحتكارية" التي كانت بالأمس في دائرة القرابة تسير كل شيء وفريق أخر كان يريد موطئ قدم في السلطة السياسية للحفاظ على الثروة وتنميتها. ورثت هذه الطبقة غير المتجانسة نفوذ النظام ودعمت أحزاباً وشكلت منظمات وجمعيات ووسائل إعلام وصحافة واستغلت حاجة النشطاء في الشأن العام للمال كي تثبت وجودها وسلطتها في الدولة والمجتمع والأخطر أنها امتلكت موطئ قدم في الدولة في الدوائر الحساسة والعادية على حد السواء.

 


رابط مختصر

عبر عن رأيك

كيف ترى الإنخفاض السريع في قيمة الدولار أمام الدينار الليبي ؟