بوابة افريقيا الاخبارية

تاورغاء والرحيــــل المر: ستة أعوام من التهجير والشتات- الحلقة الرابعة

Feb 13, 2017
طرابلس - بوابة إفريقيا الإخبارية

تواصل "بوابة إفريقيا الإخبارية" نشر حلقات كتاب "تاورغاء والرحيــــل المر: ستة أعوام من التهجير والشتات"، للكاتب والحقوقي الليبي، ناصر الهواري، مؤسس المرصد الليبي لحقوق الانسان ورئيس منظمة ضحايا لحقوق الانسان. والصادر أخيراً عن مؤسسة "نيو لينك الدولية للنشر والتدريب". ويوثق الكتاب مأساة مدينة تاورغاء في أعقاب سقوط نظام الزعيم الراحل، معمر القذافي. والمعناة التي عاشها أهلها بسب مواقفهم السياسية خلال أحداث 17 فبراير 2011 وما بعدها. فقد هجر قرابة أربعون ألفَ مواطنٍ، هم تعداد سكان المدينة وتم نهب وسرقة ممتلكاتهم وحرقت وهدمت منازلهم، وقتل قرابة 170 من شباب المدينة من بينهم شيوخ مسنون وأطفال، لاتهامهم بالقتال ضمن قوات الجيش الليبي. وفيما يلي الجزء الرابع والأخيرة:

*من قصص نازحى تاورغاء بالمخيمات

تحولت تاورغاء إلى أنقاض وخلت من سكانها منذ 11 أغسطس 2011، وتعرض أهلها لحملة تشريد ولجوء داخل الوطن، حيث يتوزعون بين عدة معسكرات للاجئين في طرابلس وبنغازي، وغيرها من المدن الليبية، يعيش أهالي تاورغاء في مخيمات للاجئين داخل ليبيا، ولا يمكنهم العودة إلى ديارهم، ولا تستطيع الحكومة الليبية إعادتهم وضمان أمنهم.

داخل مخيم للاجئين في العاصمة طرابلس تقيم ابتسام محمد سالم ، (32 عاما) وأسرتها ضمن آلاف من سكان تاورغاء فروا منها مع اجتياح ميلشيات  مصراته للمدينة ، تقيم ابتسام وزوجها علي وطفلاهما في مبنى كان في السابق مقراً تابعاً لأكاديمية بحرية في العاصمة طرابلس، وفر عدد آخر من سكان تاورغاء شرقاً إلى بنغازي وجنوباً إلى بلدات أصغر، حيث يقيمون في مواقع بناء أو مبان خاوية، قالت ابتسام : " لا يأمن الناس العودة لتاورغاء هذا هو الواقع، نحن مقيدون، لا توجد حرية."

أما عمر محمد الذي يقيم مع أسرته المكونة من ستة أفراد في غرفة واحدة فيقول : "جوانتانامو أحسن من هذا، مستقبلنا مظلم ولا استطيع أن أتكلم وإلا قالوا إننا من أنصار القذافي."

يعاني النازحون تهميشاً واضحاً من قبل السلطات التي تدير ظهرها لهم، ويتلقون المساعدات من المنظمات الدولية والإنسانية، إلا أن الخطر لا يكمن في ذلك، بل في صعوبة عودة أهل المدينة المهجورة إلى مسقط رأسهم، ويخشى كثير منهم أن تمحى تاورغاء من ليبيا الجديدة.

المهندس، سالم التاورغي، يقيم مع نحو ثلاثة ألاف نازح في مقبرة تركية قديمة على السهول المتاخمة لمدينة بنغازي يقول: «ثوار مصراته يلاحقوننا دون هوادة». ويعتبر لون البشرة الأسمر تهمة كافية ضد الشخص ليتم توقيفه من طرف الثوار ليلقى مصيرا مأساويا، إذ يتعرض للسجن والتعذيب، ويقول: أتلقى رسائل على هاتفي النقال تخبرني كل مرة بمقتل أحد من أهلنا.

تؤوي أكاديمية «جنزور»، الموجودة على البحر المتوسط، المئات من نازحي تاورغاء، وقد حاول سكان المخيم تنظيم حياتهم بشكل أو بآخر، ولا يجرؤ أحد على مغادرة المخيم إلا تحت حراسة، وأصبح من الصعب على الأطفال الذهاب إلى المدرسة، بسبب الخوف على حياتهم، وعلى الرغم من الاحتياطات التي يتبعها سكان المخيم إلا أن سبعة منهم لقوا حتفهم داخل المخيم على أيدي مسلحين في فبراير الماضي، وكان من ضمن الضحايا ثلاثة أطفال.

كما فتح مسلحون على متن سيارة مدججة بالسلاح، تحمل شعار ثوار مصراته، النار على شباب من المخيم احتجوا على ظروفهم المعيشية. ويقول هاشمي، وهو مسن من تاورغاء: " هؤلاء الناس لا يريدون بناء دولة، إنهم ليسوا ثواراً "، ويضيف هاشمي الذي يحلم برؤية مسقط رأسه ذات يوم، " إنهم لصوص لا يعرفون إلا الحرب " .

ومع ضعف الشرطة والمحاكم وانتشار الأسلحة، والميلشيات والعصابات المسلحة  في كل مكان يقوم المسلحون بتصفية حساباتهم خارج إطار القانون،  بينما تقف الحكومة الليبية عاجزة عن مواجهة عنف المسلحين، أو إعادة الأمن، أو حتى الشروع في مصالحة حقيقية، أو مقاومة الميلشيات المسلحة التي تفرض سطوتها بالسلاح حتى على الحكومة والقوات الأمنية النظامية، وبين الحين والآخر تتعرض معسكرات نازحي تاورغاء لعمليات إغارة من مسلحين.

يحكى منسق المجلس المحلي لتاورغاء سالم بو جريد ما وقع بمخيم نازحي مدينة تاورغاء بمنطقة الحليس قائلا ً: "داهم تشكيل أمني تابع لكتيبة شهداء الزنتان المخيم واحتجزوا أحد عشر شخصاً من الشباب والشيوخ المقيمين بالمخيم بحجة أنهم شاركوا مع كتائب القذافي في الحرب ضد الثوار وهو ما تكرر بالمخيم الثاني بطرابلس عندما تم اعتقال 400 شاب من النازحين " .

*المرأة التاورغيه

يقال بأن النساء هن اللائي يحافظن على تماسك عائلاتهن وقت المحن، وهو قول صحيح بلا ريب وخير مثال على ذلك نساء تاورغاء، فإن المرأة التاورغية نالها قسط كبير من الظلم والجور وتحملت كما تحمل الرجل بل وأكثر،  ففي كل مخيم نزوح أو أي مكان تتواجد فيه المرأة التاورغيه، ترى الزوجات يقفن وقد تشبث الأطفال بأرجلهن  وتحكي كل واحدة منهن كيف جرى اعتقال أزواجهن وأبنائهن الكبار من قبل ميليشيات مصراته.

 تقول إحداهن : " كفى إراقة للدماء، نريد فقط أن يعود إلينا أبناؤنا الذين يقبعون في السجون في الوقت الحالي ، ثم انهارت باكية " الأمر الصادم حقاً هو السرعة التي ذرفت بها دموعها ؛ فقبل تلك الدموع بدقيقة واحدة، كانت تغطي وجهها ابتسامة عريضة، لكنها عندما انفجرت باكية بصوت عال، أصبح واضحاً أن دموعها لم تكن بعيدة جداً عن السطح  فالذكريات الأليمة ومشاهد القتل والدماء والحرق والتهجير، لاتزال ماثلة أمام عينيها، الأمر الذى جعل الدموع قريبة  حاضرة كلما تذكرت أو تحدث عن تلك المآسي التي عشتها هي وغيرها من نساء تاورغاء "  .

أما "زهرة": فلم يكن لديها أدنى أمل تتشبث به في ما يخص عودة زوجها المعتقل كان زوج "زهرة" يقود سيارته في طرابلس خلال أيام الفوضى التي أعقبت سقوط تاورغاء في يد قوات الثوار، عندما جرى إيقافه عند نقطة تفتيش ميليشيا من مصراته ألقي القبض عليه واقتيد إلى أحد الأماكن، ولم تسمع عنه عائلته أي أخبار لما يقرب من شهر وأخيراً تلقت "زهرة" مكالمة تخبرها أن زوجها يرقد ميتاً في أحد مستشفيات مصراته وعندما أحضرت جثته إلى المخيم، لاحظت "زهرة" وجود علامات التعذيب على جسد زوجها أصرت " زهرة " على أن جريمة زوجها الوحيدة هي أنه كان من أهالي بلدة تاورغاء. تقول " زهرة " عن زوجها إنه  " لم يكن عضواً في الجيش النظامي ولم يشترك في الحرب لقد اعتقلوه عشوائياً من الشارع بسبب بشرته السوداء" .

ومثل "زهرة"، هناك العديد من أبناء بلدة تاورغاء يؤمنون بأن العنصرية تعد أحد الأسباب الرئيسة وراء المحنة التي يواجهونها. وعلى الرغم من أنهم يتحدثون اللغة العربية ويدينون الإسلام ويعيشون في سلام جنباً إلى جنب مع باقي الليبيين قبل الثورة، فإنهم يعتقدون أن لون البشرة ربما يكون سبباً في تفاقم أزمتهم واستمرارها كل هذه السنوات .

 * حكايات تاورغية

تقول ناشطة المجتمع المدنى : مبروكة  شحات من سكان مدينة جالو صدفة جمعني اللقاء بمجموعة من نساء تاورغاء الذي ساقهن القدر والتهجير إلى مدينة جالو بوسط الصحراء الليبية كل واحدة تروي حكاية خروجها وهروبها من تاورغاء :

زاهية مفتاح 47 عاما مطلقة حالياً عاطلة عن العمل ومنى سعد عمرها 44 عاما كانت تعمل بمركز تدريب المرأة تاورغاء من حي السلاطنة بادرت بسؤالهن هل توقعتن دخول كتائب الثوار لداخل المدينة وكيف كانت البداية ؟

أجابت زاهية : أنها لم تتوقع ذلك وان الأمر بدا برمي القذائف وضرب عشوائي بقينا يومين تحت القصف .

القصف أثار الرعب بالمدينة فقررنا الخروج خاصة وأن هناك عائلات ماتت تحت القصف بالمدينة ولم نتمكن من دفنهم ولا وجود لأي دفاعات بالمدينة.

تقول منى : لم نأخذ معنا شي لا أوراق ولا إثبات هوية لأننا توقعنا العودة للمدينة ذهبنا للهيشة ثم ترهونة ذهبنا لطرابلس وعشنا أربع عائلات في بيت واحد ثم رحلنا لبنغازي خوفاً من عمليات القتل ضد التاورغيين ، أقاربي محتجزين بمصراته ، ابن عمي كان ماراً ، فقاموا بأسره .

سألت زاهية هل لك أقارب معتقلين؟

أجابت زاهية : شقيقي وأبناء أختي ، وولد عمي كانوا ضباط في الجيش الليبي

وتكمل زاهية قصتها قائلة :

هربنا على أقدامنا مع أطفالنا وهناك من تحصل على سيارة وهناك من مات في الطريق ولم ندفنهم قمنا بتغطيتهم وتركناهم في العراء وهناك من بات في الصحراء أكثر من ليلة، وصلنا لترهونة واستقبلونا بطيبة قلب ، ولكن مضايقات كتائب مصراتة جعلتنا نرحل ،اقمنا بمخيم بطرابلس لمــدة (ثلاث سنوات) ، كنا نعامل معاملة جيدة وأثناء اقتحام طرابلس مرةً اخرى عادت كتائب مصراتة للمضايقة ، القوا القبض على شقيقي حين رأوا بطاقته واقتحموا المخيم وبدأت الاشتباكات في رمضان حتى الفجر، مع حراس المخيم .

كيف كان وضع المخيم ؟

زاهية : حمامات جماعية غرف بدون أبواب عشنا نازحين في و طننا ، يخرج الدمع من عينيها وهى تكمل حكايتها ، في طرابلس كان بعض المسئولين يقومون بزيارتنا لكن لم يفعلوا لنا شىء , لم يلتفت أحد لقضيتنا ,لم نجد وظائف عملت عاملة نظافة في أحد مدارس طرابلس تتنهد بحصره وقهر (كم أتمنى العودة لتاورغاء ) .

ثم أنظمت لحديثنا أم فاطمة وأم مفتاح لترويان ما حدث معهما لحظة الهروب من تاورغاء :

أم فاطمة تبلغ من العمر( 33 عام ) أما أم مفتاح (43عام ) أم فاطمة عاطلة عن العمل أم مفتاح كانت تعمل بمشروع دواجن تاورغاء .

تقول أم فاطمة : خرجنا في رمضان بعد حصار كتائب الثوار لم نفهم شئ من الثورة حتى الآن قتلت صديقتي وابنها تحت القصف عائشة جبران والدها مسعود جبران .

كنا تحت القصف العشوائي من الأربعاء حتى صباح الخميس كنت مجهزه الحقائب في تلك الفترة ذهب اثنان من تاورغاء إلي مصراته لتعبئة البنزين ولم يعودا حاولوا قتل كل من يعبئ وقود الرجلان اسمهما : صالح مفتاح و أشرف امساعد .

حين خرجنا سمعنا بالتهم الموجهة إلينا هربنا 70كم مشياً علي الأقدام مطاردة بالأسلحة - همجية حقد لا مبرر له،  معظمنا نساء وأطفال ، وطفلتي تبكي وتقول (يا ماما عييت) استمرت المضايقات حتي في الهيشة قضينا ( 7 أيام) في الهيشة وكانت المحلات مغلقة في وجوهنا في رمضان وصل سعر الحليب (  4  دينار ) .

زوجي وأنا افترقنا أثناء المطاردة من الكتائب أخبرونا بقدوم كتائب مصراته فخرجنا ليلاً لا نعرف أين نذهب وصلنا لوادي اللوز بدأت الاشتباكات ذهبنا إلي ترهونة وكانوا طيبين معنا وصلنا إلي أي مكان فيه ناس من تاورغا (يوم 17 رمضان ) ، وصلت إلي الهيشة حافية القدمين وكان من الصعب الحصول علي حذاء وتوسلت لهم علي أن يعطوني حذاء حني أصل إلي أهلي المقيمين في طرابلس زوجي كان يعتقد أن ابنتي معي وكنت أنا اعتقد أنها معه في طرابلس التقيت بشقيقتي ونعمةً من الله أني لم اعرف أن ابنتي ليست مع زوجي كنوع من التخفيف مع الوضع الراهن من حرب وتشرد ونزوح .

أما زوجها(مفتاح) الوظيفة موظف في الأمن العام بداية الأحداث كنت اعمل في مصراته وانتقلت إلي تاورغا علاقتي طيبة مع أصدقاء لي في مصراته عند هروبنا للجفره اكتشفنا الإشاعات عن شباب تاورغا والاغتصاب ، في هون صدقوا الإشاعات عنا ، منعوا عنا شراء الخبز والمعلبات حتى المياه كنا نشرب مياه ملوثة ،عشنا في مركز الإمداد العسكري تابع للجيش رجال ونساء في هون وكتائب مصراته قتلت منا الكثير اذكر شاب عمره 12 سنة قتلته كتيبة شهداء شارع طرابلس أمام أمه ، عشت في حالة ضغط نفسي وجسدي ، قبيلة الجماعات شكلوا حراسة علي عائلات تاورغاء وكان الإعلام مغيب علينا ،أتذكر شاب من تاورغاء اتهموه بقتل شاب مصراتي فخرج علي اثر ذلك التاورغيين من مصراته لقد قتل الكثيرون تحت القصف العشوائي منهم عائلة مسعود جبران ، وعائلة علي شريك هو وأبناءه ، في ناس أمكن دفنهم وأخرين بقيت جثثهم في المدينة ، أتذكر من الذين قتلوا تحت القصف عقيلة علي عمره(45 سنة ) يعمل مدرس ، وهناك عبدالله أحمد زايد قتل أيضا في القصف  

بعد افتراقي عن زوجتي وأبنائي ، وقفت سيارة فركبنا فيها ووصلنا إلي الجفره وفي طريقنا من الحفرة أكلنا التمر والرمان ، وكنا نقيم في المزارع كنت قلقاً علي عائلتي وكانت التغطية معدومة في المنطقة ، ثم توصلت للسائق الذي أوصل زوجتي إلي طرابلس فأخبرني انه أوصلهم إلي باب العزيزية ، ثم سمعنا بدخول كتائب الثوار إلي باب العزيزية ومقتل بعض العائلات التاورغية فضننت أن عائلتي معهم وان لا أمل لي في العثور عليهم أحياء ، تعبت صحتي ورجعت للتدخين مرةً أخري ثم قتل ابن عمي أمامي ، ثم أصبحنا عرضة للاعتقال والتعذيب حتى قامت كتيبة شهداء الجزيرة بحمايتنا وترحيلنا الي بنغازي . 

أما زوجتي أم فاطمة ، بعد خروجها من باب العزيزية ذهبت لمخيم نازحي تاورغاء في طرابلس لحسن الحظ لم تعلم بعدم وجود ابنتي معي ، بعد وصولي لبنغازي اتصلت بزوجتي ، ولم اصدق نفسي حين سمعت صوتها وتأكدت من أنها حية ترزق وأبلغتها أني سأحاول إحضارها إلي بنغازي في أقرب فرصة، واستطاعت زوجتي الوصول إلي بنغازي عن طريق أحد الأقارب اذكر لحظة اللقاء ، سلمت عليها ببرود شديد وكأن عقلي لم يصدق بعد أنها مازالت حية ، وكانت أصعب اللحظات حين سألتني عن فاطمة ابنتنا وعلمت أنها ليست معي فتعرضت لانهيار عصبي شديد ، كـانت تخرج كل يوم من المخيم منادية عليها(افطومة – افطومة ) .

حاولت الاستعانة بأخصائية نفسية لعلاجها ،بعد أيام قليلة وصلتنا الأخبار أن افطومة كانت مع عمتيها في سرت ، حين هروبنا وافتراقنا في الهيشة عثرت عمتها عليها فقامت بأخذها معها إلي سرت ، في نهاية الأمر استطعت جمع عائلتي بمخيم الحليس ببنغازي .

*تأثير التهجير علي أطفال تاورغاء 

حيثما تندلع الحروب فسرعان ما تعقبها المعاناة والمصاعب لا محالة ولا يتعلق النزاع بالموت وحسب، بل إنه يشكل أرضاً خصبة لارتكاب الانتهاكات الجماعية لحقوق الإنسان، ومن بينها التعذيب وحالات الإخفاء، والسجن دون توجيه تهمة.

بيد أن أكثر هذه الإنتهاكات وأشدها خطراً على الإطلاق هي التي تحدث للأطفال من جرّاء إندلاع الحروب والنزاعات، والتي تخّلف وراءها أعداداً كبيرة من الضحايا يكون معظهم من الأطفال .

 يتأثر الأطفال والنساء بالنزاعات المسلحة بشكل غير متناسب إذ يمثلون ما يقرب من 80 في المئة من كل أعداد اللاجئين والنازحين وترتكب عمليات الاغتصاب وغيرها من أعمال العنف الجنسي بشكل روتيني.

ويلاحظ ذلك في إتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين وقت الحرب عام 1949، والتي تعترف بحماية عامة للأطفال بإعتبارهم أشخاصاً مدنيين لا يشاركون في الأعمال العدائية وتعترف لهم أيضاً بحماية خاصة وردت في سبع عشرة مادة على الأقل ولما كان البروتوكولان المؤرخان في عام 1977، والإضافيان لإتفاقيات جنيف لعام 1949، يمثلان تعبيراً عن التقدم الهام الحاصل للقانون الدولي الإنساني، فإنهما يمنحان الأطفال حماية خاصة ومتزايدة ضد آثار الأعمال العدائية.

وقد تأكد هذا الأمر مع تبني الإتفاقية الدولية الخاصة بحقوق الطفل في عام 1989، والتي شكلت منعطفاً حاسماً في تاريخ الطفولة، حيث أصبح ينظر إلى حقوق الطفل على أساس أنها حقوق إنسانية وعالمية لا يمكن التغاضي عنها.

والحماية هي مجموعة من الضمانات والحصانات الكفيلة بإحترام حقوق الإنسان في الحرب ومنها حقوق الطفل، وهي ترسّخ الحصانة القانونية والضمانة الفعلية للتمتع بالحقوق.

إن تأثير الحرب على الأطفال قد يكون مباشراً عند اندلاع القتال، ومن ثم يجب إعمال كافة القواعد التي تحميهم من خطر العمليات الحربية وقد يكون للحرب آثار محتملة، كما في بقاء أسلحة من مخلفات الحرب كالألغام الأرضية التي تتصيد ضحاياها لسنوات طويلة.

وللحرب تأثير غير مباشر على الأطفال، فالحرب تقلل إلى حد كبير من النمو الطبيعي للأطفال، نتيجةً لإغلاق المدارس والمستشفيات وإتلاف المحاصيل وتدمير الطرق وضياع الموارد وتحطيم القدرات الإقتصادية للأطراف المتحاربة، وفقدان الأمان والإطمئنان والثقة بالنفس، نتيجة للخوف والرعب الذي يتعرضون له في زمن الحرب.

يعد إعتماد قواعد حماية السكان من آثار الحرب من أضخم الإنجازات في القانون الدولي الإنساني ولقد خصص باب كامل في البروتوكول الأول عام 1977 لحماية السكان المدنيين،  ويخضع الأطفال في حمايتهم لتلك القواعد، بإعتبارهم أشخاصاً مدنيين لا يشاركون فى الأعمال العدائية.

وقد كان لأطفال تاورغاء النصيب الأكبر من المعاناة ، فأجسادهم النحيلة لا تقوى على تحمل مشاق وويلات التهجير والعيش بالمخيمات ، حيث نقص الدواء والطعام والتعرض للأمطار و الصقيع ، والاعتداءات المتكررة من قبل المليشيات ، وقد تعرض عدداً منهم للقتل والإصابة بالأمراض ، إضافة لتخلف الكثيرين منهم عن التعليم نظراً للصعوبات التى يواجهونها في المخيمات .كان كزمتهمأ

*وأخيراً

مدينة تاورغاء هجرت ظلماً وزوراً وتحملت وزر المواجهات المسلحة مع بين الجيش وقوات الثوار ، وتعرضت تاورغاء لسياسة عقاب جماعي ممنهجة من كتائب مدينة مصراته، وهجر على إثرها 40000 هم تعداد سكان المدينة، ونهبت وسرقت ممتلكاتهم وحرقت بيوتهم، ويعيشون الأن في مخيمات تفتقد لأدنى سبل المعيشة الإنسانية، وتعرض شباب المدينة للسجن والتعذيب والقتل الممنهج، ولم تفلح كل الجهود المبذولة دولياً ومحلياً لرفع الظلم عنهم وإعادتهم لمدينتهم.

والأن بعد مرور ست سنوات على تهجير المدينة، بات الأمر ملحاً للنظر في قضية العودة، ويجب أن تتحرك السلطات الرسمية للدولة على رأسها مجلس النواب المنتخب، لإعادتهم لديارهم، والسعي قدماً في الملاحقة القضائية لقادة كتائب مصراته، لقيامهم بقتل وتعذيب أهالي تاورغاء في سجون مدينتهم .

تعرض أهالي تاورغاء لعدالة غير قضائية فتم مقاضاتهم وتنفيذ العقوبة بهم بتهم غير مثبتة من أي جهة قضائية مختصة ولم يرحمهم أحد أو يتعاطف معهم لهول الجرائم الملفقة المتهمين بها .

  منهم من قتل سواء خلال النزوح أو في السجون تحت التعذيب وسجن أكثر من ألف وشرد أكثر من أربعين ألف نسمة ودمرت مدينة بالكامل، وكذلك استخدم الجانب الديني أسوأ استخدام في تبرير القصاص والنفي في الأرض رغم أن الدين دائماً يطلب البينة ولا يجيز العقوبة للشبهة وأخذ الكل بجريرة البعض ، وحسب أهالي تاورغاء  مازالت عملية العدالة الغير قضائية مستمرة إلى يومنا هذا.

إن عدم التحقيق في جرائم الاغتصاب والعنف الجنسي المتهم بها بعض أهالي تاورغاء قاد إلى ((عدالة)) غير قضائية تولاها من سعى للانتقام من شباب مصراته بسبب شيوع الاتهامات بالاغتصاب والعنف الجنسي المشاع عنها.

إن التحقيق في هذا الموضوع بشكل جدي وفوري والقيام بملاحقات قضائية للمتهمين في حال توفر الأدلة سيكشف الحقيقة ويوفر كثير من الدماء والآلام ويوقف عملية استيفاء الحق بالذات .

امتلأت السجون الخاصة ونقاط الاحتجاز الإجرامية و"مرابيع" قادة الميليشيات بمصراته وطرابلس وزليتن بآلاف الأبرياء الذين كان سجّانُوهُم يخرجونهم من الزنازين أيام الأعياد والمناسبات الاجتماعية وأثناء نوبات الحقد والسادية والعربدة ويضعونهم في أقفاص مغلقة ويقضون الساعات في إهانتهم وقذفهم بالقاذورات والحجارة وإرغامهم على أكل الراية الخضراء في مهرجانات تعذيب عامّة تعيدُ الذهن إلى العهود القبلية البدائية وإلى حفلات التنكيل التي كان يمارسُها الرومان وطغاة التاريخ ضد الأسرى والمعتقلين في مسارح الهواء الطّلق تاركين إيّاهم يصارعون الوحوش أو يقاتلون محكومين بالإعدام كي يفوزوا بالحياة أو يقضوا كأبشع ما يكون نكاية فيهم وشماتة بهم .
أما من كانوا أفضل حظاً من الأسرى والقتلى، فقد استقبلتهم "مخيمات ومراكز  إيواء" أخرى بمدن ليبية مختلفة القاسم المشترك الرئيسي بينها هي أنها مستباحة منتهكة مفتوحة على الدوام لمجرمي الميليشيات الذين يشنون عليها "الغارات" المفاجئة لاعتقال و"انتقاء" شباب وكهول لتعذيبهم وقتلهم ظلماً وعدواناً وحقيقة إقامة معسكرات النزوح مضحكة مبكية سخيفة.

 فالبعض من أهالي تاورغاء تم السماح لهم بالمغادرة والرحيل  نحو هذه الأماكن بالذات كي يظلّوا في متناول العصابات و"الثوار" ليس لرغبة في إبقائهم أحراراً أو أحياءً،  بل لأن السجون لا تتسعُ لهُم والرغبة في تفادي مشقة إعاشتهم وعلاجهم هي السبب الوحيد لإبقائهم بعيدا عن سجون مصراته أو زليتن أو طرابلس،  ووقع التخلص منهم في معسكرات منقطعة عن مناطق العمران محرومة من الخدمات كافة من مياه وعلاج وتعليم وغيرها إمعانا في تعذيبهم وقهرهم، وتجنّبا للإدانات الدولية و"عويل أصحاب الضمائر"

غير أن معسكرات النازحين  من أهالي تاورغاء  لم تكن فضاء للانتقام والقصاص والتنكيل فحسب،  بل ساحة لممارسة الرياء الديني والثوري، والخيلاء الرخيص، هذا أثناء الأعياد والمناسبات، وخلال الانتخابات أيضا، وأثناء العودة المدرسية حيث يجري توزيع كتب وكراريس على أطفال تاورغاء في المخيمات .

 وتصوّر العدسات والكاميرات فضائل قادة الثورة وهُم يرتدون البياض وسط النازحين السّود متبخترين متباهين "بلَـفتتِهِمْ الكريمة"، في تجسيد حقيقي لمبادئ الثورة التي حوّلت مواطنين ليبيين كاملي المواطنة والحقوق إلى جالية ومعسكرات نازحين ومتسولين أمام العالم .

فبراير حوّلت أهل تاورغاء إلى "غجر سود" يذكّروننا بغجر أوروبا الذين يتبرّأ منهم الجميع في القارة العجوز وتلاحقهم حكومات بلدان تدين بحقوق الإنسان وتنشر الديمقراطية عبر العالم في الحدائق العامة وتحت الجسور وفي محطات القطارات وفوق أرصفة الشوارع الخلفية للمدن المتلألئة بنورالحضارة والتقدم .

مأساة تاورغاء تحيلك إلى مفاهيم مضحكة يتبجّحُ بها العالم ،  لكنها تكشف أمامك زيف مقولة وحدة الليبيين، ووَهْم الادعاء بوجود مساواة بين الأعراق في بلد وحّده النفط وتفتّت بمجرّد اختفاء السلطة المركزية القوية الحاكمة التي فرضت الوحدة وأخرست العنصرية والتفوق الكريه لجنس على آخر في ليبيا.

 ليس هذا فحسب، فما يزال في أبعاد الحكاية وبين ثنايا مُبكياتها الكثيرُ من المضحكات،  أصبح هنالك حديثٌ عن حقّ "أهالي تاورغاء" في العودة، وبرز إلى العيان معارضون معلنون يهدّدون بقصف قوافل العائدين والتحذير من مجزرة أمام أعين العالم، وهذا من كمال سيطرة السلطات العاجزة  على إقليمها ومواطنيها وقدراتها على ضبط الأمن بأراضيها، وتأمين جزء من الشعب الليبي من صَلف جزء آخر متفوّق دمه مختلف ولونه مختلف ودينه مختلف وقد يكون له من الحقوق في ليبيا ما ليس لغير .
وتخلّى الجميع عن تاورغاء في معركة العودة بداعي التهوّر الذي تتّسم به الخطوة، و" البُعد التآمري المكشوف الذي يحرّكها"، واحتمال وقوف "الأزلام" وراء تحريض أهالي تاورغاء للعودة  .
وصمتت الأمم المتحدة عن الأمر بل وحذّرت منه ومن عواقبه ومخاطر ه في الوقت الراهن وتستمر الحكاية المؤلمة، دونما نهاية ولا حل يلوح في الأفق .

بعد ست سنوات من التهجير أصبح لزاماً على مجلس الأمن التحرك واتخاذ قرار أممي لحماية  المدنيين من أهالي تاورغاء وإعطاءهم حقوقهم من بينها حق العودة، كما يجب على السلطات الليبية أن تتخذ موقفاً جريئاً ينتصر للمظلومين من أهالي تاورغاء.

واليوم ليس ثمة من مبرر لاستمرار النـزوح الداخلي في ليبيا ويتعين على السلطات أن تتخذ المزيد من الإجراءات لإيجاد حلول لاحتياجات المجتمعات النازحة وحقوقها وبواعث قلقها المشروعة كما أن من واجبها توفير حلول دائمة للأشخاص النازحين داخلياً والسماح لهم باتخاذ الخيار المتبصِّر والطوعي بشأن الحل الذي يبتغونه .

وإذا كان أفراد من مدينة  تاورغاء ضالعين في ارتكاب جرائم حرب إبان النـزاع، فإنهم يجب أن يخضعوا للمسائلة وفقاً لإجراءات محاكمة عادلة شأنهم شأن الأفراد الآخرين المتهمين بارتكاب مثل تلك الجرائم ، بيد أن العدالة يجب ألا تكون انتقائية ؛ إذ أن العديد من الهجمات التي وثَّقتها منظمة العفو الدولية والتي ارتُكبت ضد المدنيين من سكان تاورغاء على أيدي مليشيات مصراته خلال النـزاع المسلح في عام 2011، تشكل جرائم حرب .

إن قانون العدالة الانتقالية الذي اعتُمد من قبل المؤتمر الوطنى العام،  يمكن أن يوفر لمجتمع تاورغاء وغيره من المجتمعات النازحة أول سبيل حقيقي للمطالبة بجبر الضرر وتحقيق العدالة وينص القانون على إنشاء آليات لضمان المساءلة وجبر الضرر لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكبت خلال 42 عاماً من حُكم القذافي وفي الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوطه وكجزء من عملية المطالبة الحقيقة، فإن القانون ينص على إنشاء لجنة لتقصي الحقائق والمصالحة مع رسم صورة كاملة لطبيعة وأسباب ونطاق انتهاكات حقوق الإنسان خلال تلك الفترةومن الجدير بالذكر أن القانون يقضي بإنشاء دائرة لشؤون النازحين داخلياً تتمتع بصلاحيات فحص الظروف الراهنة للنازحين داخلياً وتمكينهم من التمتع بحقوقهم ومنع التمييز ضدهم كما يكلف الدائرة بمهمة إيجاد حل لمشكلة النـزوح الداخلي.   

ويتعين على السلطات الليبية الآن أن تكفل تنفيذ قانون العدالة الانتقالية بصور عاجلة وينبغي تزويد لجنة تقصي الحقائق والمصالحة بالموارد الضرورية وتوفير الحماية لها لأداء عملها بصورة محايدة، وبدون التعرض للتهديدات والضغوط الشعبية وهجمات المليشيات وينبغي التشاور مع أهالي تاورغاء وغيرهم من النازحين داخلياً في أية مناقشات لإيجاد حل دائم.

إن عدم القيام بذلك يمكن أن يعرِّض المكتسبات المتواضعة للضحايا في نضالهم من أجل الكشف عن الحقيقة وتحقيق العدالة للخطر وأن يحول القانون إلى مبادرة فاشلة أخرى.

لقد سمعنا قصصاً وحكايات غريبة عن جرائم أرتكبها شباب تاورغاء وهى أعمال قد تم تضخيمها بلا شك ، بل لا أشك فى أنها تم فبركتها لغرض الدعاية المغرضة وتشويه السمعة، علماً بأنه كانت هناك عشرات الأسر التي نزحت من مصراته إلى تاورغاء وتمت معاملتهم معاملة حسنة.

يجب أن لا يتم  التستر على الذين ارتكبوا جرائم في حق البشرية والفئة المنحرفة موجودة في كل المناطق، فما علينا إلا أن نستمع الى نداء العقل والمنطق والقانون ونحصي هؤلاء المجرمين عدداً ونقدمهم إلى العدالة ليتمتعوا بمحاكمة عادلة شأنهم شأن الآخرين في المناطق الأخرى  ويعود أهل تاورغاء إليها وندع العدالة تأخذ مجراها ويتم تقييم الأضرار التي لحقت بممتلكات تاورغاء والعمل على تعويضهم عليها .

 إن ما حصل لتاورغاء يعتبر جريمة في حق الإنسانية،  إنها مأساة حقيقية لا يجب السكوت عنها وتجاهلها، جريمة حقيقية تجافي الأخلاق ومبادئ الحرية والعدالة والديمقراطية، والتي لا تقر مبدأ إقصاء وتهميش الأخر و إنما تؤمن بالرأي والرأي الأخر .

إن ما حدث لأهالي تاورغاء لا يتفق مع مبادئ ديننا الحنيف فقد قال الله في كتابه الكريم "و لا تزر وازرة وزر أخرى " . نعم هناك من أخطأ وأرتكب جرائم ولكن ما ذنب ألاف الأطفال والنساء والشيوخ والشباب والرجال الذين لا ذنب لهم ولا جريرة إلا أنهم من سكان تاورغاء، يجب نبذ الانتقام والعنف غير المبرر وليكن الشعار "كل نفس بما كسبت رهينة "


رابط مختصر

عبر عن رأيك

كيف ترى إمتناع بعض المدن الليبية عن الاحتفال بذكري فبراير ؟